• السبت 03 محرم 1439هـ - 23 سبتمبر 2017م

عائشة المري

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

جمهورية الانقلاب الفاشل

تاريخ النشر: الإثنين 17 يوليو 2017

أحيا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذكرى الأولى لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي كانت يوم 15 يوليو من العام الماضي بإلقائه خطاباً نارياً أمام عشرات الآلاف من الأتراك الذين احتشدوا على جسر على البوسفور بإسطنبول قائلاً إنه «سيضرب أعناق الخونة» الذين دبروا الانقلاب. وقال أردوغان إن «250 شخصاً فقدوا حياتهم، ولكن البلاد كسبت مستقبلها». وكشف أردوغان النقاب عن «نصب تذكاري للشهداء» على الجسر الذي سمي بجسر الشهداء. ثم عاد إلى أنقرة حيث ألقى كلمة أمام البرلمان بعد منتصف الليل بالتوقيت المحلي، في نفس الوقت الذي هاجم فيه مدبرو الانقلاب مقره العام الماضي.

أصبح الانقلاب الفاشل نقطة محورية في تاريخ تركيا الحديث قد يحدد مسارها السياسي الاجتماعي لعقود طويلة، حيث أعلنت حالة الطوارئ في البلاد بعد أن أدت المحاولة الانقلابية إلى مقتل نحو 300 شخص، وتم القبض على الآلاف من العسكريين والمدنيين بتهمة الضلوع في محاولة الانقلاب أو الانتماء إلى حركة المعارض فتح الله غولن. وكانت مجموعة من العسكريين الأتراك، قد قادوا محاولة انقلاب في العاصمة أنقرة وإسطنبول سعوا فيها للسيطرة على مفاصل الدولة ومؤسساتها الأمنية والإعلامية والإطاحة بسلطة الرئيس التركي أردوغان، ورئيس وزرائه، بن علي يلدريم. حيث خرجت الدبابات إلى الشوارع، وشنت الطائرات المقاتلة «F-16» هجوماً على القصر الرئاسي ومبنى البرلمان، في أنقرة، واستولى الانقلابيون على مقر حزب «العدالة والتنمية» الحاكم بالمدينة ومطار «إيسنبوغا» الدولي في العاصمة أنقرة. وسيطروا على جسر مضيق البوسفور في إسطنبول، ومطار أتاتورك الدولي، وكذلك على مقرات أكبر القنوات التلفزيونية، التي أعلنوا عبرها عن توليهم زمام السلطة في البلاد. إلا أن قوات الجيش الموالية لأردوغان والشرطة، وبمشاركة من المواطنين الأتراك الرافضين للانقلابات العسكرية، وقد خرجوا بعشرات الآلاف إلى الشوارع، تمكنت من إحباط الانقلاب خلال فترة وجيزة.

عمل أردوغان على تعزيز سلطته، فنقل الدولة التركية من نظام الجمهورية البرلمانية إلى نظام الجمهورية الرئاسية، حيث لجأ لعرض التغييرات الدستورية للاستفتاء الشعبي فصوت 51 في المئة من المشاركين في عملية الاستفتاء، التي جرت يوم 16 أبريل الماضي، لصالح توسيع صلاحيات الرئيس التركي. وستدخل معظم التعديلات الدستورية حيز النفاذ في نوفمبر من العام 2019، أي بعد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة. إلا أن بعض التعديلات الدستورية دخلت حيز النفاذ فوراً وأبرزها وأولها عودة أردوغان لزعامة «حزب العدالة والتنمية»، ومنح الرئيس صلاحية تعيين أعضاء اللجنة الخاصة، التي تزكي القضاة وتثبتهم في مناصبهم القضائية مما يعني السيطرة الفعلية للرئيس التركي على السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، وهو ما يحصل للمرة الأولى في تاريخ تركيا الحديث.

ويعتبر الجيش التركي نفسه تقليدياً، الجهة المسؤولة عن الحفاظ على علمانية الدولة التركية حسب الأسس التي وضعها مؤسس تركيا الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، ولكن أردوغان عمل على إضعاف المواقع السياسية للجيش في تركيا، ومكنت المحاولة الانقلابية الفاشلة أردوغان من استئصال العناصر غير الموالية للحكومة التركية من الجيش مما يضعف احتمال وقوع انقلاب عسكري مستقبلاً.

وتعتبر محاولة الانقلاب الفاشلة نقطة محورية في التاريخ السياسي لتركيا الحديثة لناحية تضييق الخناق على المعارضة والمجتمع المدني لصالح تعزيز صلاحيات وسلطة الرئيس التركي، ويرى ممثلو المعارضة التركية أن الإجراءات التي جاءت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة قضت على ما بقي من الديمقراطية في تركيا، حيث واصلت الحكومة إقالة موظفي الدولة، وأنهت خدمة 7395 شخصاً لصلات مزعومة بما تصفه بأنه جماعات إرهابية. وشهدت إسطنبول الأسبوع الماضي مسيرة نظمتها المعارضة بقيادة «حزب الشعب الجمهوري» التركي، واتهم أردوغان المشاركين في المظاهرة بدعم الإرهاب والسعي من خلال المسيرة الاحتجاجية إلى التأثير على القضاء. وفي ظل استمرار حالة الطوارئ التي تطالب المعارضة بإلغائها فيما يتوقع تمديدها، فإلى متى ستستمر حالة الجمود السياسي في تركيا العلمانية؟

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا