• الأحد 29 شوال 1438هـ - 23 يوليو 2017م

عبد الوهاب بدرخان

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

تركيا وما بعد المحاولة الانقلابية

تاريخ النشر: الثلاثاء 18 يوليو 2017

بعد مرور عام لا تبدو تركيا السلطة كأنها خرجت من صدمة المحاولة الانقلابية، على رغم أن نتائج فشل الانقلاب انقلبت مكاسب للرئيس رجب طيّب أردوغان وحزب «العدالة والتنمية». فالتغييرات التي استوجبتها إزالة آثار المحاولة، من عمليات تطهير لكل من ينتمي أو يُشتبه بانتمائه إلى جماعة فتح الله غولن، صبّت كلّها في مصلحتهما. أما أحزاب المعارضة فلم تحصد سوى الخسائر، بما فيها تراجع الديمقراطية التي كانت حمايتها والدفاع عنها أساساً لوقوفها ضدّ الانقلاب. ثم إن مطاردة الغولنيين مستمرّة باعتقالات في الداخل وملفّات في الخارج تجول على اثنتين وأربعين دولة للمطالبة بتسليمهم، وبعضٌ قليل منها استجاب فعلاً فيما تواصل دولٌ أخرى التفاوض أو التجاهل، وفقاً لمصالحها مع أنقرة. وحين يقول رئيس الوزراء إن عملية التطهير في الجيش لم تنتهِ بعد فهذا مدعاة للاستغراب، وخصوصاً أن نحو ثمانية آلاف عسكري غالبيتهم ضباط من مختلف الرتب اعتقلوا أو سرّحوا. والأرجح أن العملية ستطول أكثر في القطاعات الحكومية الأخرى.

ليلة الخامس عشر من يوليو 2016 برزت ظاهرتان. الأولى أن نزول الناس إلى الشارع كان مساهمة حاسمة في إفشال الانقلاب، ولم يكونوا جميعاً من الحزب الحاكم. والثانية، كما لفتت أحزاب المعارضة، أن العسكريين الذين أنهوا المحاولة وتبعاتها كانوا عموماً من المنضبطين، أي ممن يوصفون بـ«العلمانيين الأتاتوركيين». وكان ذلك دليلاً على وعي بالمصلحة الوطنية، بغضّ النظر عمّن هو في الحكم، فالعودة إلى حقبة الانقلابات وحكم العسكر باتت مرفوضة لأنها، ببساطة، أوصلت البلد اقتصادياً ومالياً إلى حافة الإفلاس. وفيما ركّزت أوساط السلطة اتهاماتها على «جماعة غولن» بالمحاولة الانقلابية، معتبرةً أن هناك التقاء مصالح بينها وبين جهة خارجية أو أكثر، إلا أن التشخيص الذي توصّل إليه بعض المعارضة كان أكثر واقعية، إذ اختزل الأمر بصراع بين تيارَين إسلاميَين هما «حزب العدالة والتنمية» و«جماعة غولن»، وقد تخاصما بعدما كانا شبه متحالفَين.

لم يغب العنصر الخارجي عن الأذهان ولكنه غاب عملياً عن التحقيق الذي تولّته لجنة برلمانية في المحاولة، فالسلطة منعت رئيس الأركان ومدير الاستخبارات من المثول أمام اللجنة لإبقاء هذه الورقة سرّية، إما لأنها حسّاسة أو لأن كشفها يُلزمها من جهة بالاعتراف بالتقصير الاستخباري المريب، أو من جهة أخرى بإجراءات بالغة التكلفة في ظروف صعبة داخلياً أولاً، كذلك في سوريا وفي الحرب على الإرهاب. هذا لم يمنع أوساط الحزب الحاكم وجمهوره من النظر إلى الحليف الأميركي على أنه ضالع في «المؤامرة». هذا ما يفسّر تراجع الثقة بين أنقرة وواشنطن وتفاقم التباعد بينها وبين أوروبا وازدياد التقارب بينها وبين موسكو.

ولا يمضي يوم من دون أن تُذكر «المنظمة الإرهابية»، وهو الاسم الآخر الذي اعتمدته أنقرة لـ«جماعة غولن» لتساوي بينها وبين «حزب العمال الكردستاني» (بي كي كي). ومع أن الإدارة الأميركية تغيّرت فإن تركيا لم تتمكّن من إقناع واشنطن بالأدلّة التي جمعتها عن غولن، أو من تحريك ملف تسليمه إليها، ومن شأن ذلك أن يترك ملف المحاولة الانقلابية مفتوحاً إلى ما لا نهاية. أما الحملة على الغولنيين، على رغم كل المبررات، فقد تأتي بنتائج عكسية سواء باتخاذها وسيلة لتسريع التعديل الدستوري وتغيير النظام أو بترسيخ الشرخ الاجتماعي الذي أحدثته. ثم إن تصفية آثار المحاولة لم تبدّل شيئاً في طبيعة الأولويات/ التحدّيات التي ينبغي على الحكم أن يواجهها، بدليل استمرار حال الطوارئ.

بمعزل عمّا حصل بل أبعد منه كانت اشتُهرت عبارة لأردوغان نصح فيها جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر بتغليب «علمانية الدولة»، ولكن مساره الحالي يُظهر ميلاً متزايداً إلى «الأسلمة» حمايةً للنظام عبر تفضيل الكوادر الإسلامية على أصحاب الكفاءة. وكان هو من جهد لطرح حلٍّ داخلي للمسألة الكردية، ولكنه فقد زمام المبادرة فيها على رغم أن هذه المسألة باتت تهدّد وحدة البلد جغرافياً. وكان هو أيضاً مَن استفاد من وجود تركيا في حلف «الناتو» ومن تقاربها مع الاتحاد الأوروبي لتلميع صورتها غربياً، ولكنه يبحث اليوم عن صيغة صعبة، وقد تكون مستحيلة، للتوفيق بين أطلسية تركيا وانفتاحها على روسيا.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا