• الثلاثاء 30 ذي القعدة 1438هـ - 22 أغسطس 2017م

د. أكمل عبد الحكيم

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

الأطفال والصيف.. وشاشات الترفيه

تاريخ النشر: الخميس 10 أغسطس 2017

في مقابلة مع صحيفة «الأوبزرفر» البريطانية، حذرت «آن لونجفيلد»، والتي تشغل منصب «مفوضة الأطفال الإنجليزية» منذ عام 2015، من انغماس الأطفال في استخدام الإنترنت معظم ساعات اليوم خلال الإجازة المدرسية الصيفية الطويلة، مطالبةً الآباء بالتدخل لمنع تحول أبنائهم لمدمني إنترنت، ومنتقدةً أساليب شركات التواصل الاجتماعي العملاقة التي تسود حالياً الحيز الإلكتروني للشبكة العنكبوتية، والتي تعتمد على لوغاريتمات خاصة في محركات البحث، وعلى الذكاء الصناعي لأجهزة الكمبيوتر والخوادم، لسحب الأطفال إلى قضاء المزيد من الوقت على مواقعها، بهدف جني أرباح أعلى من مبيعات الإعلانات على تلك المواقع.

وقالت لونجفيلد إن العلاقة بين الأطفال وبين وقت الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت شبية بعلاقتهم مع مطاعم الوجبات السريعة، وما يعرف بالأطعمة الحثالة أو الزبالة . وكانت مفوضية الأطفال تلك قد أُنشئت بقانون خاص صدر عام 2004، ودُعمت لاحقاً بقانون آخر صدر عام 2014 حدد مهمتهما في حماية حقوق الأطفال، ودعم وتحفيز الجهود الرامية إلى تحسين ظروفهم المعيشية والتعليمية والصحية.

ويأتي إدلاء مفوضة الأطفال بدلوها في هذا الموضوع على خلفية صدور إحصاء من الجهة الرقابية في الحكومة البريطانية، على الإعلام ووسائل الاتصال بأنواعهما المختلفة ، أظهرت أن الإنترنت أصبحت وسيلة الترفيه الأولى بين الأطفال، متخطية بذلك التلفزيون، حيث أصبح الأطفال ما بين سن الخامسة والخامسة عشرة، يقضون 15 ساعة أسبوعياً على الإنترنت. هذا الرقم الذي ترى الجهات الرقابية في الحكومة البريطانية، ومفوضية الأطفال الإنجليزية، أنه رقم كبير، يحمل في طياته تأثيرات سلبية على صحة هؤلاء الأطفال ومستقبلهم، يبدو للعائلات والأسر العربية أنه رقم صغير جداً، حيث أصبحت الغالبية العظمى من أطفالنا خلال فترة العطلة الصيفية يقضون هم أيضاً 15 ساعة على الإنترنت، لكن يومياً، مقارنة بالأطفال البريطانيين الذين يقضون الخمس عشرة ساعة تلك خلال أسبوع كامل.

ويرد هذا التباين الهائل في عدد الساعات التي يقضيها الأطفال البريطانيون والأوروبيون بوجه عام خلال فترة العطلة الصيفية على الإنترنت، مقارنة بعدد الساعات التي يقضيها أطفال المنطقة العربية على الإنترنت خلال عطلتهم الصيفية، إلى واحدة من المفارقات العالمية، والتي تتجسد في أنه في الوقت الذي تمنح فيه العديد من الدول طلاب المدارس (الإجازة الدراسية الطويلة) في أفضل أوقات السنة من حيث المناخ وطبيعة الجو، كل حسب موقعها، أي في شهري يوليو وأغسطس في دول النصف الشمالي من الكرة الأرضية، وشهري ديسمبر ويناير في نصف الكرة الجنوبي، نجد أن الدول العربية ودول المنطقة برمتها، تمنح طلاب المدارس إجازتهم الصيفية في وقت تلامس فيه درجة حرارة الجو الخمسين درجة مئوية، وبنسبة رطوبة مئة في المئة.

ففي الوقت الذي تحاول فيه دول العالم أن تكون الإجازة الدراسية الطويلة في وقت من السنة يمكن فيه للأطفال والمراهقين اللعب في الحدائق والمنتزهات، وممارسة النشاطات البدنية مثل كرة القدم والسباحة أو ركوب الدراجات، نجد أن دول المنطقة تنتظر ما يمكن أن نطلق عليه الجحيم المناخي، حتى تسمح لأطفالها بالخروج واللعب.

مثل هذا التنظيم الدراسي السنوي أدى إلى وضع غريب للأطفال وللأسر قاطبة. ففي خلال شهور السنة التي تتمتع فيها دول المنطقة بجو معتدل أو بارد منعش، يبقى الأولاد معظم الوقت حبيسي مقاعد الدراسة، أو يقضون جل وقتهم بعد اليوم الدراسي في أداء الواجبات الدراسية المنزلية، وإذا ما فكر أحدهم في الخروج واللعب خارج المنزل أو قضاء وقت مع أصدقائه على شاطئ البحر، نهره والداه وطلبا منه الالتفاف لدراسته، وعدم إضاعة الوقت حتى لا يتأثر أداؤه الأكاديمي. لكن عندما تقارب حرارة الجو درجة الغليان، وترتفع نسب الرطوبة لتبلغ أرقاماً جديرة بموسوعة «جينيس» للأرقام القياسية، نطلب منهم حينها الخروج واللعب وممارسة الرياضة!

وغني عن البيان هنا، فداحة التبعات الصحية السلبية لقضاء هذه الساعات الطويلة سواء أمام شاشة الكمبيوتر أو شاشة التلفزيون، خصوصاً في هذه السن الصغيرة التي يحتاج فيها الجسم للحركة والنشاط حتى يكتمل بناء العظام والعضلات بشكل قوي وسليم، وحتى الأعضاء الداخلية مثل القلب والرئتين تحتاج إلى هذا النشاط البدني المكثف خلال سنوات الطفولة، والذي يطلق عليه اصطلاحاً (اللعب والمرح). وبخلاف هذه التبعات الصحية البدنية، بما في ذلك وباء السمنة المتفشي بين أطفال المنطقة، أظهرت الدراسات الواحدة تلو الأخرى آثاراً صحية ونفسية سلبية لقضاء الأطفال أوقاتاً طويلة أمام شاشات الترفيه بمختلف أنواعها، بما في ذلك الآثار السلبية على سلوكيات الطفل، وعلى قدراته اللغوية، وعلى التركيب الوظيفي والتشريحي لدماغه.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا