• الخميس 25 ربيع الأول 1439هـ - 14 ديسمبر 2017م

العولمة.. هل تفرقنا؟

تاريخ النشر: الجمعة 13 أكتوبر 2017

قبل قرن من الزمان، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، دفع التقدم العالمي في العلوم والازدهار المادي أشخاصاً يتمتعون بالحكمة إلى البحث عن عصر جديدة من الإنسانية والسلام. وفي عام 1914، أسس رجل الصناعة «أندرو كارنيجي» «اتحاد السلام»، الذي تطور ليصبح الآن «مجلس كارنيجي للأخلاقيات في الشؤون الدولية». غير أن القرن العشرين لم يمض على النحو الذي تخيله «كارنيجي». وفي عالمنا اليوم، ثبت أن للعولمة إيجابيات وسلبيات. ورغم ذلك، واصلت المؤسسة التي أسسها «كارنيجي» نشر مثله وأفكاره. واحتفاءً بمرور قرن على إنشائه، طرح «مجلس كارنيجي» سؤالاً عكست فرضيته «مثالية» عصر ولّى: «هل تُقربنا العولمة أخلاقياً؟».

وأوكلت المنظمة مهمة الإجابة عن ذلك السؤال إلى «مايكل إجناتيف»، أستاذ فلسفة الأخلاق في جامعة «هارفارد»، وهو ما قد يجعل لديه سبباً منطقياً ليتمنى صحة الفرضية. غير أن «إجناتيف» صحفي أيضاً وشاهد البشر يفعلون ببعضهم أشياء لا تحتمل. وإحدى المميزات الرئيسة في كتاب «إجناتيف» الجديد، «الفضائل المألوفة.. نظام أخلاقي في عالم منقسم»، والذي يحاول من خلاله الإجابة على السؤال، هو أن المؤلف اكتشف في سياق بحثه، أو ربما كان يعلم دوماً، أنه كان يوجه السؤال الخاطئ.

والسؤال الصحيح هو: «كيف يمكن أن نتشبث بالآداب في عالم اضطربت فيه الأنماط القديمة، جيدها وسيئها؟». وفي مواجهة ذلك التحدي، يشكل كتاب «إجناتيف»، انتصاراً للتحقيق على التصورات.

ويبدو كتاب «الفضائل المألوفة» بمثابة «زواج قسري» بين فلسفة الأخلاق وواقع العالم. فقد سافر «إيجناتيف» مع فريق من «مجلس كارنيجي» إلى البرازيل والبوسنة واليابان وميانمار وجنوب أفريقيا، وإلى لوس أنجلوس ونيويورك، حيث التقوا منظمات ورجالاً ونساء في الشوارع. وباستثناء النصوص الخاصة بالبوسنة، التي يعرفها «إيجناتيف» جيداً، و«فوكوشيما» التي يكتب عنها بشغف، قلما يشعر القارئ بالانغماس في الأحداث التي تميز الكتابة الصحافية.

لكن المؤلف يتوصل من خلال كتابه إلى أن العولمة شكلت في واقع الأمر جوانب جوهرية من المنطق الأخلاقي لمحاوريه في الأماكن التي زارها. وانتشار الديمقراطية وفكرة حقوق الإنسان عززا مفهوم أن الأشخاص لهم الحق في أن يُنصت إليهم. والذين تحدث إليهم «إيجناتيف» لم يمكن لديهم فقط شعور باحترام الذات، ولكن أيضاً بالندية. وحتى الزعماء غير الديمقراطيين يجدون أنفسهم مضطرين إلى إرضاء تطلعات المواطنين العاديين.

غير أن مزيد من الديمقراطية لن يفضي بالضرورة إلى مزيد من احترام حقوق الإنسان. ويضرب المؤلف على ذلك مثالاً مفزعاً بما حدث في ميانمار، حيث وافق القادة العسكريون على انتقال سلمي للسلطة إلى حزب سياسي تقوده الحائزة على جائزة «نوبل» للسلام «أونج سان سو كي».

وقدم نموذجها للغرب باعتباره «دليلاً شخصياً دامغاً على أن الاشتياق للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان عالمية، لكن الواقع ليس كذلك»، «فالسيدة، مثلما يُشار إليها، تترأس الآن نظاماً يضطهد أقلية الروهينجا المسلمة». وتوصل «إيجناتيف» إلى أن الباحثين والنشطاء، وحاملي لواء الأخلاق هناك يؤيدون تلك الحملة الشنيعة!

ويوضح المؤلف أن ميانمار مجتمع متعدد، لكنه لم يجب أبداً عن الأسئلة المتعلقة بالهوية. ولم تخفق العولمة، فحسب في التغلب على الانقسامات القديمة، وإنما عمقتها بالنسبة للمسلمين المحليين الذين يعانون موجة اضطهاد عنيفة في الوقت الراهن. ويؤكد أن كافة السياسات ليست محلية، وإنما هي ردود سياسية متأصلة في ولاءات وعداءات محلية.

وائل بدران

الكتاب: الفضائل المألوفة

المؤلف: مايكل إيجناتيف

الناشر: جامعة هارفارد

تاريخ النشر: 2017

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا