• الأربعاء 03 ربيع الأول 1439هـ - 22 نوفمبر 2017م
  04:08     الحريري أمام المئات من أنصاره: أنا باق معكم ومكمل معكم     

رسم تقريبي للتاريخ الإنساني!

تاريخ النشر: الجمعة 10 نوفمبر 2017

اشتهر المؤرخ والأنتروبولوجي الفرنسي إيمانويل تود بدراساته الأكاديمية الأصيلة حول الأنساق الأسرية الإنسانية عبر التاريخ، كما تعرف عنه أيضاً قدرته الكبيرة على الربط النسقي بين أقدم الظواهر الاجتماعية التاريخية الإنسانية في القدم البعيد والبنيات والعلاقات والمؤسسات الاجتماعية والسياسية القائمة الآن، وذلك بنسج ما يشبه الخيط التاريخي الممتد فيما بين القديم والجديد، والسابق واللاحق، وأيضاً بين الجوانب التاريخية والسياسية في الاجتماع الإنساني والجوانب السوسيولوجية البحتة. وفي كتابه الجديد الصادر مؤخراً تحت عنوان: «أين نحن؟ رسم تقريبي للتاريخ الإنساني»، لا يشذ أبداً عن هذا التقليد الأصيل في دراساته حيث ينكبُّ على امتداد صفحات عمله المكتنز، الواقع في 496 صفحة، على رسم ملامح كثير من ظواهر الحاضر الاجتماعي والسياسي على المستوى الدولي من خلال تتبع أصولها السوسيولوجية والتاريخية والذهنية حتى فجر التاريخ البعيد، أو كما يسمى، في التقليد الكلاسيكي الغربي، ما قبل التاريخ. ولاشك أن مما يزيد من قيمة هذا الكتاب كون مؤلفه إيمانويل تود صاحب كتب رصينة، وتعتبر من كلاسيكيات الأعمال الرصينة في مجالها، ولعل من أشهرها: «موعد الحضارات»، و«ما بعد الديمقراطية»، و«أصول الأنساق الأسرية»، و«من هو شارلي؟.. الخ من الكتب التي يُقرأ محتوى معظمها من العنوان.

ويرى «تود» أن ما يشهده العالم اليوم من تدافعات عامة وفوضى عارمة، إنما يجد جذوره، وبالتالي معناه التاريخي الأصيل في الأنساق الاجتماعية القديمة، والأسرية منها بشكل خاص، بما تحمله من مكتوب ديني وثقافي ومكبوت نفسي وذهني، ما زال ثاوياً في عقل الإنسان المعاصر، ومؤثراً أيضاً في العقل الجمعي العام لمختلف المجتمعات اليوم. وهنا يمكن أن نتحدث عن بعض الأمم التي تتصدر المشهد في المجال الصناعي المتقدم ونحن نستعير بعض تسميات التقليد الأنتروبولوجي، فقياساً إلى تسمية الإنسان العاقل (الهومو سابيان) التي يستخدمها عادة بعض علماء الإناسة (الأنتروبولوجيا) في الغرب، للدلالة على ما يتصورون أنه إنسان العصور السحيقة، يمكن أيضاً أن نتحدث عن مفارقة عقل الإنسان الأميركاني «الهومو أميركانوس» الذي هو خليط من التجديد والتقليد، في الوقت نفسه. وكذلك وبذات الطريقة أيضاً في المقارنة يمكن الحديث عن اللاواقعية وكمون إرادة القوة لدى الإنسان الألماني والصيني، والصرامة الروسية، والانسحاب الياباني، وكل هذه السجايا والطوايا في العقليات، التي يمكن إسقاطها على العقل الجمعي لكثير من المجتمعات الإنسانية، تجد لها معاني في الثقافة المتجذرة والموروثات الذهنية المختلطة/ المتجلطة في المخيال العام عبر القرون.

ولا تقتصر مقاربات «تود» المستندة على تفسير الظواهر السياسية والثقافية المعاصرة بالجذور الاجتماعية والأنساق الأسرية القديمة على الحديث عن بعض ملامح ما يمكن تسميته الملمح الأنتروبولوجي المستدام أو علم نفس الشعوب العام، إن صح التعبير، وإنما يقارب أيضاً على طريقته الخاصة هذه ظواهر أخرى أكثر صخباً وإثارة للجدل في التداول الإعلامي والثقافي العام الآن، فاستناداً إلى ذات المنطق الجينيالوجي (المتتبع للأصول والجذور) يقترح «تود» مقاربات وتفسيرات لخلفيات ظواهر مثل النيوليبرالية، والتطرف الإسلاموي، وظاهرة الترامبية السياسية في أميركا، وظاهرة «البريكسيت»، فلكل ظاهرة جديدة، في رأيه، جذور بعيدة، تمتد بها خيوطها إلى إنسان العصر الحجري، بل إن إنسان العصر الحجري هذا يختفي في ذهن الإنسان المعاصر، ويعبر عن نفسه من خلاله بصور مختلفة في ثقافته، وعقليته، هذا طبعاً مروراً بإرث كل الحضارات والثقافات الإنسانية اللاحقة الأخرى عبر العصور، لأن التاريخ من وجهة نظر الكاتب تاريخ غير عمودي، بل أفقي، تراكي، لا يغطي اللاحق فيه السابق، ولا الجديد القديم، بل هو يبدو كقصة إنسانية موحدة حتى لو كانت تعبر عن نفسها بصور متعددة.

حسن ولد المختار

الكتاب: أين نحن؟ رسم تقريبي للتاريخ الإنساني

المؤلف: إيمانويل تود

الناشر: سوي

تاريخ النشر: 2017

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا