• الاثنين 10 ذي القعدة 1439هـ - 23 يوليو 2018م

«تجارب» السويدي: فضاء التداخل بين العام والخاص

تاريخ النشر: الجمعة 12 يناير 2018

«كتاب جديد من ناحية الموضوع والطرح والمنهج، فيه يسرد المفكر الدكتور جمال سند السويدي خلاصة تجاربه مع البشر، ومع مرض السرطان، ويأتي على أدق التفاصيل في حياته: النجاح والفشل، الصحة والمرض، القوة والضعف.. والهدف من كل ذلك زرع الأمل في الناس حيثما وجدوا. إنها تجربة جمال السويدي الإنسان والمفكر والباحث، فيها الحديث عن الذات، وعن الأسرة، وعن الوطن والأمة، وعن علاقة المثقف بالسلطة.. كتاب يجعلنا نكتشف جمال السويدي من جديد، كما نتعرف إلى أسلوبه في مواجهة مصاعب الحياة». ذلك ما يقوله الكاتب والصحفي خالد عمر بن ققه في مؤلَّفه الجديد «قراءة في كتاب (لا تستسلم.. خلاصة تجاربي) للمفكر الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي»، إذ يقرؤه عبر خمسة أبعاد رئيسية قد تساعد على تقديم صورة شاملة للكتاب.

وفي البعد الأول يركز بن ققه على «مفاجأة المرض وقوة الإيمان»، حيث يسرد السويدي تجربته مع مرض السرطان منذ اللحظة التي أخبره فيها الطبيب البريطاني بلهجة محايدة: «ستموت بعد أسبوعين»، فيصف هول الخبر وقسوة التجربة بقوله: «كنت أنظر إلى الطبيب بهدوء يصعب عليَّ حتى الآن أن أعلم مصدره، واستمعت بدوري إلى حديثه حول ما تبقّى لي من أيام وساعات على قيد الحياة بالتركيز نفسه الذي أستمع به إلى محاضرة علمية، أو أتلقى به خلال عملي حدثاً سياسياً، ومن ثم أخضعه لتحليل ونظر من كل جوانبه».

لكن السويدي، يقول ابن ققه، أظهر في تلك اللحظة كم هو قوي الإيمان، كما يتضح في قوله: «على الرغم من أن الموت حقيقة مؤكدة لا مهرب منها، فإنه دائماً يمثل طابع المفاجأة للناس، ويتلقونه بدهشة، وكأنه خروج على ناموس الكون. وإذا كان هناك من يرى في ذلك تناقضاً من تناقضات الإنسان، فأنا أراه انسجاماً مع إرادة الحياة التي جعلها الخالق ألصق صفات الإنسان به وأوثقها». لقد كانت قوة الإرادة عاملا مهماً في معركة السويدي ضد مرض السرطان، لكنه كان مسنوداً ومسبوقاً بهبة الإيمان بالله عز وجل، والذي يقول عنه في كتابه: «الإيمان في وجه من وجوهه هو يقين ثابت بوجود قوة عليا ترعى خطواتك، قوة منبثة في كل مكان يدركه العقل أو يعجز عن إدراكه، تخبرك في أعمق أعماق روحك بأن ثمة من يشملك بالعناية، ويختار لك طرقاً لم تتخيلها بتصوراتك الشخصية». وبالإيمان والإرادة معاً، عاش الدكتور جمال ليكتب لنا عن تجربته تلك، أو كما يقول جابرييل ماركيز: «عشت لأروي».

ومن تلك التجربة يخلص الدكتور السويدي إلى قناعة مفادها: «إياك أن تستسلم»، حتى ولو في مواجهة مرض عضال يثير مجرد ذكر اسمه الخوف والرعب في النفوس. فتلك هي الوصفة التي رافقته وتَمثَّلها على الدوام.. وبالفعل فإنه لم يستسلم للمرض، ونجح في الشفاء منه، وهذا الكتاب شهادة على ذلك.

وفي البعد الثاني لقراءة ابن ققه يتجلى فضاء التداخل بين الخاص والعام، المحلي والقومي، في حياة الدكتور جمال السويدي ومواقفه الفكرية والسياسية. فكتابه «لا تستسلم.. خلاصة تجاربي» يروي تجربة تكشف عن شخصية غير عادية تتمتع بمواصفات خاصة من اللحظة الأولى لميلادها عام 1959. فقبل أن يبلغ السادسة من عمره كان الموت قد زار أسرته مرات عدة: «توفي أخو محمد عام 1963.. بعد مرض قصير لا أذكره تماماً، وكان في الثالثة من عمره». لكن الموت قد يشكل مناسبة لكشف الروابط العائلية وأهميتها: «توفيت منى ابنة خالي علي وعمرها عام واحد فقط، ولم تكن علاقتنا بخالي علي علاقة عادية، فقد كنا نقيم معاً في المنزل نفسه، وكان طارق -ابن خالي- هو الصديق والرفيق الأكثر قرباً مني». ثم يتحدث عن طفولته ضمن انتمائه العربي، إذ كان اسم «جمال» دلالة على موقف قومي لا لبس فيه: «كان اسم جمال اختيار لوالدي وخالي.. فقد كانا يجتمعان مثل ملايين العرب على حب الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر والإعجاب به». وهنا يكشف لنا الدكتور جمال السويدي عن مظاهر الوعي القومي المبكر في هذه المنطقة، موضحاً أنه في تلك المرحلة من مراحل المد القومي كان الدين يؤخذ بالفطرة، ويراعي القائمون على شؤونه التقاليد والأعراف المجتمعية.

وفي ثالث أبعاد قراءة ابن ققه، يلقي السويدي في كتابه «لا تستسلم.. خلاصة تجاربي» الضوء على أدوار كل من المسجد والأسرة والمجتمع والمدرسة، في غرس القيم والتقاليد أيام طفولته، موضحاً أن المساجد كانت «مكاناً تجد فيه النفس راحتها»، وأن المجتمع «كان متديناً بشكل عام، وللدين دور أساسي في حياة أفراده»، ولا وجود فيه لمظاهر «التدين الشكلي» أو المتطرف. وكان الناس في غاية التسامح والتعايش والحوار، وما كانوا يعرفون التعصب الطائفي الذي يجتاح حياة كثير من المجتمعات العربية حالياً.

ويذكر السويدي أنه لم يكن مهتماً في صغره بالسياسة، لكنه يتذكر وقع هزيمة عام 1967 على الناس من حوله. وعلى النسق ذاته استطاع الربط بين الأحداث العامة والخاصة، ومن ذلك قوله: «وفي نهايات تلك المرحلة كنا على موعد مع حرب أكتوبر 1973، إذ تحلق الناس حول أجهزة الراديو التي كانت الوسيلة الأكثر انتشاراً، ليتابعوا بلهفة أخبار الحرب التي خاضتها مصر وسوريا بدعم كبير من الدول العربية ضد إسرائيل. وكنت واحداً ممن تحلقوا حول جهاز الراديو في تلك الأيام لمتابعة أخبار هذه الحرب، وشاركت أبناء بلدي في فرحهم بنتائجها».

ويصف السويدي مرحلة نضجه الفكري عندما كان في مرحلة الدراسة الثانوية، حين قرر اختيار دراسة العلوم السياسية في جامعة الكويت، لأن أخته تزوجت في الكويت آنذاك وانتقلت أمه للعيش معها، ولأن جامعة الكويت كانت تحظى بسمعة وتقدير كبيرين في المنطقة.

أما البعد الرابع لقراءة ابن ققه في كتاب السويدي فيتمحور حول نضجه الفكري المبكر والصراع الذي خاضه مع تيار الإسلام السياسي. فخلال فترة وجوده في جامعة الكويت تركز اهتمامه على الأنشطة الفكرية والبحثية، مؤسساً للمراحل اللاحقة في حياته، بما ميزها من مواقف وأبحاث وكتابات. وفي هذا الصدد يكتب السويدي: «بدأت خلال الدراسة الجامعية خوض معركة استمرت حتى الآن، أي أن عمرها يقارب أربعين عاماً، وهي التصدي لأفكار التيارات الدينية السياسية المتطرفة».

وفي البعد الخامس، ويتمحور حول «النجاح والقوى الداعمة»، يركز خالد عمر بن ققه في قراءته لكتاب السويدي على السيرة الذاتية للمؤلف، وذلك من خلال بعض القضايا التي تضمنها الكتاب، لاسيما مرض السرطان الذي أصبح جزءاً من الماضي بفضل الله ورعايته، وبعد أن أدرك السويدي أنه عدو يتربص به وعليه أن يستعد لمنازلته. وهنا نلاحظ أن السويدي كان منشغلا بالأشخاص الذين سيكون وقع رحيله عليهم قاسياً وفاجعاً، وأولهم والدته وأخته وزوجته وأبناؤه.

ولا ينسى السويدي اهتمام القيادة الرشيدة به أثناء فترة علاجه: «ومن الاتصالات التي لا أنساها ذلك الاتصال الذي تلقيته من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، والذي يعد كل مواطني الدولة أبناءً له، وكان هذا الاتصال رسالة معنوية أمدَّتني بقدرة هائلة على الثبات والمقاومة». كما كان لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان -حفظه الله- دور فاعل في علاجه منذ أن أصدر أوامره بسفره للعلاج في مستشفى «إم دي أندرسون»، ودعمه المعنوي بالزيارة والمتابعة. ويتحدث أيضاً عن الزيارات التي لم تنقطع خلال فترة علاجه، ومنها زيارة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وكان برفقته معالي الدكتور أنور قرقاش.

وعلى العموم فقد كشفت «تجارب» الدكتور جمال سند السويدي في كتابه الذي عرضنا هنا قراءة حوله، ما يتمتع به من جرأة وصراحة، كما أبانت عما يتحلى به من قدرات وصبر وعزيمة وشجاعة وحسن تقدير للأمور.

محمد ولد المنى

الكتاب: قراءة في كتاب «لا تستسلم.. خلاصة تجاربي» للمفكر الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي

المؤلف: خالد عمر بن ققه

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

تاريخ النشر: 2018

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا