• الجمعة 07 ذي القعدة 1439هـ - 20 يوليو 2018م

د. أكمل عبد الحكيم

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

القضاء على الفلاريا.. نجاح مصري

تاريخ النشر: الخميس 15 مارس 2018

حققت جمهورية مصر العربية مؤخراً إنجازاً صحياً دولياً، بالغ الدلالة بكل المقاييس، عندما أصبحت بلاد الفراعنة أول دولة من بين دول منطقة شرق البحر المتوسط تنجح في التخلص من مرض «الفلاريا» كمشكلة صحة عامة متوطنة منذ آلاف السنين. ويأتي هذا النجاح بعد قرابة عقدين من تفعيل دائم ومستمر لإجراءات الوقاية والتحكم في المرض، بما في ذلك العلاج الجماعي، والمتابعة والمراقبة الحثيثة للمناطق والتجمعات الموجود بها المرض، أو التي تتوفر الظروف الملائمة لانتشاره بها.

والفلاريا هو مرض - أو في الحقيقة بضعة أمراض- تتسبب فيها ديدان طفيلية، من طائفة الديدان الدائرية، تنتقل عن طريق لدغات الحشرات الماصة للدماء، مثل البعوض، وغيرها من الحشرات التي تتغذى على دماء البشر. ويقدر عدد المصابين به حالياً بنحو 120 مليون شخص، مع وجود مليار شخص آخرين في دائرة خطر التعرض للعدوى في أي وقت. وتبدأ دورة حياة الديدان الطفيلية المسببة للفلاريا بلدغة بعوضة، لارتشاف بضع قطرات من دماء الشخص المصاب، والذي غالباً ما تكون دماؤه ملوثة بصغار الديدان، وسرعان ما تبدأ هذه الديدان حال دخولها جسد البعوضة في النمو والتحول والتطور، لتخرج مع لدغة البعوضة التالية وتدخل في جسم شخص آخر على شكل يرقات.

وعند دخول اليرقات جسد الضحية، تبدأ مرة أخرى في التحول والتطور، لتصل إلى مرحلة الديدان البالغة، التي تنتج بدورها صغاراً بالآلاف، تسبح في دماء المصاب الجديد، في انتظار البعوضة التالية. والغريب في هذه الدودة، أنه على حسب نوع أو جنس الديدان، يختار كل منها الإقامة في واحد من ثلاثة أماكن في الجسم البشري، والذي يعتبر الموطن النهائي لديدان الفلاريا. النوع الأول، يعيش في الطبقة الدهنية تحت الجلد، وإذا ما وصل إلى قرنية العين، فيسبب ما يعرف (بعمى النهر)، والذي يحتل المرتبة الثانية على قائمة أسباب فقدان البصر بين أفراد الجنس البشري. أما النوع الثاني، فيعيش في التجويف الأحشائي للبطن، المحيط بالأمعاء وبقية أعضاء الجهاز الهضمي، ليسبب ما يعرف بـ(الفلاريا الأحشائية). ثم هناك النوع الثالث، الذي يعيش في الأوعية الليمفاوية المجاورة للأوعية الدموية، ليسبب ما يعرف بـ(داء الفيل أو التفيل)، والذي يظهر في شكل زيادة سمك الجلد وتضخم الأطراف، أو تضخم الثديين في النساء والخصيتين في الرجال.

وتمكنت مصر من تحقيق هذا النجاح، كونها من أوائل دول العالم التي نفذت برنامجاً وطنياً للقضاء على الفلاريا، بالاعتماد على علاج عدد كبير من السكان، بناء على قرار جمعية الصحة الدولية (World Health Assembly) الصادر في 1997 والداعي للقضاء على مرض الفلاريا على المستوى الدولي بحلول 2020. وهو ما تطلب بذل مجهود كبير على صعيد التخطيط، وبناء شبكة دعم وتوزيع لوجستية، وتفعيل وتنظيم التعاون والتنسيق بين عدد من الوزارات، مع توفير المصادر البشرية والفنية والمالية الكافية. ورغم الصعوبات الجمة التي واجهتها الحكومة المصرية في بداية البرنامج، وخصوصاً توفير المصادر المالية الكافية، فإن قرار الدفع بالقضاء على الفلاريا إلى مرتبة متقدمة على صعيد الأولويات الصحية الوطنية، كان قد نبع من الإعاقة والتشوهات التي يتسبب فيها هذا المرض للمصابين به، بالإضافة إلى التكلفة الاقتصادية والمالية المرتبطة بعلاج المضاعفات التي تنتج عنه.

ورغم أن النجاح المصري هذا هو ثمرة برنامج وطني طبي ضخم، بدأ منذ قرابة العقدين، واستمر بالاعتماد على مشاركة فريدة من نوعها بين قطاع الصحة العامة والقطاع الخاص، ضمن إطار جهود منظمة الصحة العالمية من خلال «التحالف الدولي للتخلص من الفلاريا الليمفاوية». هذا البرنامج، ومع نجاحه في توزيع ملايين الجرعات الدوائية الوقائية سنوياً على سكان منطقة الدلتا، ربما يكون قد خطّ آخر السطور في قصة طفيل الفلاريا في أرض الكنانة. وهو ما يثبت أيضاً، فعالية الاستراتيجية التي اتبعتها منظمة الصحة العالمية، والمعتمدة على وقف انتقال الطفيل من شخص لآخر، من خلال جرعات دوائية وقائية، وبالترافق مع توفير الرعاية الطبية للمصابين في قراهم، وداخل منازلهم. نجاح هذه الاستراتيجية، يعتبر عهداً جديداً في الجهود والتحالفات الدولية الرامية لتخفيف الثمن الإنساني والاقتصادي، على سكان المناطق والدول التي تستوطنها ليس فقط ديدان الفلاريا، وإنما أيضاً الأنواع أخرى من الأمراض الطفيلية والمعدية.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا