ألوان

«أضواء الشارقة».. لوحات ناطقة بالحب والسلام

شلالات من نور تزين «دار القضاء» (تصوير حسام الباز)

شلالات من نور تزين «دار القضاء» (تصوير حسام الباز)

أحمد النجار (الشارقة)

رحلة ضوئية جديدة، تروي قصصاً ثقافية تصدر الفرح لكل شعوب العالم، تحمل سكان الشارقة على أجنحة «مهرجان أضواء الشارقة» بموسمه الثامن، وتأخذ خيالهم إلى عوالم تختلط فيها عجائب «الفنتازيا» ونشوة «النيرفانا» وأحلام «اليوتوبيا»، كما تحتفي بضيوفها من مختلف أرجاء المعمورة، لتغمر شغفهم بتجارب ملهمة تسطع في فضاء الشارقة. إنها الإمارة الباسمة التي تتفنن دائماً في حياكة قصائد الإبهار ونغمات السحر، لتمطر الدهشة في رحاب 12 موقعاً ومتنفساً سياحياً من أشهر معالمها وصروحها شهرةً وجذباً.. جدول فني شائق، يغزل روائع الاستعراض الأخاذ الذي يمزج بين كيمياء الصوت والصورة ضمن «توليفة بانورامية» تضخ «شلالات ضوئية» تدغدغ وجدان الشعوب، وتغرق حواسهم بمواد فيلمية و«فيديوهات مخملية» لـ«سيمفونيات الحب والسلام»، وتنتج هالة من السعادة في «لوحات ناطقة» بمضمون تراثي ومحتوى تاريخي يسرد سيرة المكان وجوهر الإنسان.

«حديقة حضارية»
مشاهد الأضواء الساحرة تستمر في التدفق والألق يومياً من الساعة السادسة حتى 12 منتصف الليل في أيام العطلات، وتستمر حتى 17 فبراير الجاري، حيث تحولت المنطقة التراثية في قلب الشارقة إلى «حديقة حضارية» تطرق أبواب التاريخ، لتسطع فيها أشكال رومانسية من الزهور المضيئة، ووسط أحيائها وأروقتها، تحتشد عناصر البيئة ومكنونات التراث.
وبالانتقال إلى جادة الحرم الجامعي الذي يعد مفخرة الإمارة، باعتبارها مرشحة للدخول إلى موسوعة جينيس للأرقام القياسية، بوصفها أطول وأكبر جادة مزينة بالأضواء في تاريخ مهرجانات الأضواء بالعالم، نشهد يومياً «تظاهرة ضوئية خلابة» تحتفي بالعلم والمعرفة والثقافة كمنهج حياة، عبر لغة شائقة تزف الجمال لكل روادها وطلابها، فتبدو المدينة الجامعية كعروس مزهوة بعقود من الضوء لتبلور حالة من الإلهام، وتشع كتلة متلألئة من الإبداع الضوئي المبهر.

ثنائية «الكتاب والضوء»
مع أيام الضوء الـ 11، شهدت العربات السياحية المتنقلة إقبالاً كثيفاً، حيث كان مئات الزوار على موعد مع عروض الضوء اليومية على واجهة دارة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، التي شهدت أعداداً فلكية من أعراق وثقافات العالم كافة، وهي معلم ثقافي وصرح علمي بامتياز، تحتوي أكثر من 30 ألف كتاب نادر، لتقدم إلى روادها تجارب ثقافية عبر ثنائية «الكتاب والضوء» تشكل بالنسبة لكثيرين، غذاء للفكر والحواس. وهذا ما أكده أليكس روي، الفنان التشكيلي والباحث في الفنون البصرية، والقادم من إنجلترا، حين قال إن فكرة زيارة «أضواء الشارقة» لم تكن مدرجة ضمن جدوله السياحي، فقد كانت دور الثقافة والفنون في الشارقة هي الغاية المستهدفة، لكنه وجد نفسه يصعد باصاً سياحياً نقله إلى «الدارة» التي وصفها بأنها «كنز ثقافي ومخزن تاريخي للفنون»، حيث وجد فيها كل ما يبحث عنه من كتب ومراجع ثمينة بندرتها وقيمتها الإنسانية، دون أن يفوته أن يلقي تحية لمنظمي هذا الحدث الكبير، قائلاً: لولا أضواء الشارقة لما اكتشفت هذا «الكنز الجميل» الذي بين يديّ.

وجبة معرفية
ارتبط «مهرجان أضواء الشارقة» بذاكرة الكثيرين سواء من المقيمين في الإمارات أخرى، أو السياح الخليجيين والعرب، وذكر مواطنون وزوار سعوديون وعمانيون التقيناهم في ساحة التراث بقلب الشارقة، أنهم يملكون أرشيفاً جميلاً من الصور والذكريات مع عائلتهم وأحبائهم، تجسدها مواقف وحكايات رواها عامر الفلاحي (سعودي)، وقال إنه يقصد الشارقة كل عام، بالتزامن مع مهرجان الأضواء التي تمثل فسحة بصرية له ولأسرته ويجدون فيها سعادة حقيقية، بينما رأت العمانية أم سلمان اليحيائي، أن المهرجان قدم لها «وجبة معرفية مختلفة» وعاد بها إلى 100 عام للوراء من خلال مضامينه العلمية والتراثية والثقافية، كما ساهم الطقس المنعش وخلفية الأضواء في منحها مزاجاً رائعاً.

لغة تعايش
مع بداية المهرجان، تحولت منصات «السوشال ميديا» إلى تظاهرة للصور والفيديوهات، الأمر الذي يؤكد أهمية المهرجان وهيمنة حضوره، فقد تجاوز عدد الصور المنشورة والمتداولة عبر «فيسبوك» و«إنستغرام»، الآلاف خلال أسبوع واحد من انطلاقته، وهذا مؤشر واضح على أثر المهرجان وقيمته السياحية في وجدان العائلات والشباب والأطفال، لينشر صوت الفرح والاحتفاء بالجمال «كلغة تعايش» و«كثقافة سلام» بين مختلف الجنسيات.

أصحاب الهمم
ويشكل المهرجان مقصداً روحياً وإنسانياً بامتياز، لحالات تحتاج إلى ومضة سعادة تدخل السرور إلى قلوبهم، وهذا ما يفسر تواجد عربات «أصحاب الهمم» بكثافة ملحوظة في مختلف منصات العرض، حيث قال أبو وليد إن ألعاب الضوء هواية محببة بالنسبة لنجله، حيث تحرك خياله، وقد وصفها بـ «تجربة مسلية ومريحة للعيون»، تعكس الأضواء على مزاج ابنه المعاق بالإيجاب. كما استقطب مسنين ونساء لا يقوون على الحركة وقد استقروا على مقاعد حديقة المجاز، لتأمل بانوراما الضوء وانعكاساته الجميلة والارتواء من دهشة الضوء وتجديد شغفهم بعلاقة المرء مع السماء.

علاج نفسي
تفسيرات ريمة للمفعول السحري للأضواء على النفس والأجواء، تتناغم مع روشتات الطب النفسي، حيث يجد الاختصاصي النفسي د. علي الحرجان، أن «أضواء الشارقة» هي سيمفونية جمالية هرمونية متناسقة تؤثر في النفس البشرية، فالإنسان بطبيعته يبحث عن الجمال. ولهذا ننصح بعض الحالات ممن يعانون القلق والضغط العصبي والشرود الذهني والوساوس القهرية بالتركيز في هذه اللوحات الجميلة، لتساعدهم على الاستشفاء.