عربي ودولي

الصحف العالمية: النظام القطري ومؤسساته فشلوا في استيعاب حجم آثار المقاطعة

دينا محمود (لندن)

أبرزت العديد من وسائل الإعلام الغربية أحدث إقرار قطري بتفاقم وطأة العزلة الخليجية والعربية المفروضة على النظام الحاكم في الدوحة منذ أكثر من ثمانية أشهر، وذلك مع اعتراف شركة الخطوط الجوية القطرية بأنها ستسجل خسائر خلال العام الجاري جراء تأثرها بالإجراءات الصارمة التي تتخذها الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين) حالياً ضد الدويلة المعزولة، والتي تشمل إغلاق مختلف المنافذ معها.
فقد سلطت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية المرموقة الضوء على ما قاله أكبر الباكر الرئيس التنفيذي للشركة من أن منع دول «الرباعي» للطائرات التابعة لشركته من المرور في أجوائها منذ الخامس من يونيو 2017 أجبرها «على أن تسلك مساراتٍ أطول، عبر (أجواء) تركيا وإيران»، كما أثر ذلك عليها على صعيد «تحقيقها أرباحاً أو تكبدها خسائر».
وأبرزت الصحيفة في تقرير إخباريٍ مطول إقرار الباكر بأن العزلة الخانقة التي تعانيها بلاده، أرغمت الخطوط الجوية القطرية على «زيادة التكاليف الخاصة بالصيانة؛ لأننا أصبحنا نسير في مساراتٍ أطول، (كما صرنا) نستهلك كمياتٍ أكبر من الوقود، وبالتالي باتت التكلفة التي تتحملها الشركة آخذة في الارتفاع».
ونقلت «واشنطن بوست» عن الرئيس التنفيذي للناقل الوطني للدويلة المعزولة إشارته - في تصريحاتٍ أدلى بها في العاصمة الأسترالية كانبِرا - إلى أن العوامل السابقة هي ما حدت به لأن يُقر من قبل بـ«أن شركة الطيران (القطرية) ستسجل خسائر خلال هذا العام».
وفي إشارة إلى الارتباك السائد حالياً في أروقة الشركة القطرية - التي كانت تتباهى بمكاسبها قبل فرض العزلة على حكام الدوحة - لم يحدد الباكر حجم الخسائر التي تكبدتها شركته حتى الآن. وأبرزت الصحيفة الأميركية اكتفاءه بالقول إنه من المتوقع أن تتحدد الأرقام الدقيقة في هذا الشأن بحلول شهر أبريل المقبل. كما بدا المسؤول القطري عاجزاً في تصريحاته عن تحديد التوقيت الذي يمكن للشركة فيه، أن تعوض قدراً من خسائرها الفادحة عبر الخطوط الجديدة التي دشنتها خلال الفترة الماضية، في محاولة يائسة للتظاهر بأن أزمة المقاطعة الآخذة في التفاقم لم تؤثر عليها.
وفي هذا الإطار، أشارت «واشنطن بوست» إلى أن الباكر حاول التذرع هنا بحججٍ من قبيل أن تعويض تلك الخسائر يعتمد «على مدى السرعة التي سنستطيع بها إنضاج مقاصدنا الجديدة، تلك التي بتنا نعمل عليها بدلاً من تلك التي أُخِذتْ منّا» بفعل العزلة، وهو ما يوحي بأن النظام القطري ومؤسساته فشلوا - حتى بعد مرور نحو تسعة أشهر من المقاطعة - في استيعاب حجم آثارها الكاملة أو الشروع في امتصاص هذه الآثار.
وكانت الدوحة قد أقرت في نوفمبر الماضي، بأن شركة الخطوط الجوية القطرية خسرت 11% من شبكة خطوطها و20% من إيراداتها، بفعل المقاطعة والعزلة التي كانت قد أكملت ستة أشهر في ذلك الوقت.
ورغم إقرار أكبر الباكر الواضح بالخسائر وعجزه عن تحديد موعدٍ لبدء التعافي منها، حاول الرئيس التنفيذي لشركة الخطوط الجوية القطرية - على نحوٍ مثير للسخرية - التقليل من شأن العزلة الإقليمية المفروضة على النظام الحاكم في بلاده في الوقت الحاضر، إذ نقلت عنه الصحيفة الأميركية قوله إن «الرباعي العربي» الذي يقود الحملة المناوئة للسياسات التخريبية التي ينتهجها حكام الدوحة «ليس كل العالم.. ونحن نتطلع دائماً لفرصٍ جديدة.. وسننمو في كل مكان»!
وعقّب تقرير «واشنطن بوست» على هذا التبجح من جانب الباكر، بالإشارة إلى أن دول «الرباعي» قطعت «بفعالية» كل الروابط الجوية والبرية والبحرية مع قطر «عازلةً إياها» عن محيطها.
بدورها، أولت صحيفة «دَيلي مَيل» البريطانية واسعة الانتشار اهتمامها للتصريحات الأخيرة لـ«أكبر الباكر»، وأبرزت في هذا الصدد محاولاته المستميتة للنأي بنفسه وشركته عن الاتهامات التي تلاحق النظام القطري، بدعم التنظيمات الإرهابية وإيواء المتطرفين وتوفير منابر لأبواق العنف والكراهية.
وبينما ذَكّرَت الصحيفة في تقريرٍ لها بالإدانة التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لقطر قبل شهور بسبب «تمويلها للإرهاب»، أشارت في الوقت ذاته إلى محاولة المسؤول القطري الادعاء بأن سمعة بلاده وكذلك سمعة شركته «لن تتأثرا بالاتهامات (الموجهة إلى الدوحة) بدعم المتطرفين».
وفي استجداءٍ جديد لترامب، جدد الباكر القول إن قطر «مناصرٌ وحليفٌ كبير للولايات المتحدة». وكان المسؤول القطري نفسه قد وجه توسلاً شهيراً للرئيس الأميركي في نوفمبر الماضي، دعاه فيه للقيام بالمزيد من الجهود لإنهاء المقاطعة الاقتصادية المفروضة على بلاده بسبب رفضها العودة إلى الصفين الخليجي والعربي. وأقر الباكر وقتذاك بأن هذا العام «واحدٌ من أكثر أعوامنا صعوبة»، في اعترافٍ لا لبس فيه بما تخلفه المقاطعة الإقليمية والعربية من عواقب وخيمة على الاقتصاد في قطر، بخلاف ما يحاول المسؤولون القطريون عادةً الادعاء به. ولم يتردد الرئيس التنفيذي لـ«الخطوط الجوية القطرية» في أن يلجأ في تصريحاته - التي أدلى بها قبل نحو ثلاثة أشهر - إلى تبني لهجة مُفعمة بالخنوع والتوسل، قائلاً: «إننا نعتمد عليه»، مُشيراً بذلك إلى ترامب بالطبع، بل واعتبر أن على الرئيس الأميركي مسؤولية «حماية قطر».
وفي تقريرها الأخيرة، أبرزت «دَيلي مَيل» محاولات رئيس «الخطوط القطرية» إنكار الفشل الذي مُنيت به الشركة في دخول السوق الأميركية، مما أجبرها قبل شهور على الاستحواذ على 9.61% من أسهم شركة «كاثي باسيفيك» العاملة في شرق آسيا بدلاً من شراء حصة كانت تسعى للحصول عليها في شركة طيران بالولايات المتحدة.
ونقلت الصحيفة البريطانية عن الباكر قوله في هذا الشأن إن «قطر كدولة وأيضاً الخطوط الجوية القطرية حريصتان للغاية على الاستثمار في الولايات المتحدة»، دون أن يتطرق بطبيعة الحال إلى تخلي شركته أواخر العام الماضي عن خططها للاستثمار في سوق الطيران الأميركية، بعدما رُفِضت محاولاتها المستميتة في هذا الصدد من قبل مسؤولين ومستثمرين كبار في هذه السوق، من بينهم الرئيس التنفيذي لمجموعة «أميركان آير» دوج باركر الذي قال بوضوح، إنه غير حريص على أن تكون الشركة القطرية من بين حملة الأسهم في مجموعته.
ويأتي إقرار الباكر بالخسائر التي تُمنى بها شركته، في وقتٍ شديد الحرج بالنسبة لها. فقبل أقل من أسبوعين وافق النظام القطري على الإفصاح عن بياناتٍ تخص الشركة، ضمن تنازلاتٍ جسيمة قدمها للإدارة الأميركية لإقناعها بإجراء ما وُصِفَ بـ«حوار استراتيجي» بين واشنطن والدوحة.
وطالما شكّل الكشف عن هذه البيانات مطلباً لشركات الخطوط الجوية الأميركية، التي تشكو من أن الشركة القطرية تحصل على مساعداتٍ حكومية على نحوٍ غير عادل، ما يجعلها تحظى بمزايا تنافسية مجحفة.