الإمارات

الشباب عصب «النفط الجديد» لبناء حكومات المستقبل

دينا جوني (دبي)

لم يعد مشهد الأعمدة الأسطوانية العالية والدخان المتصاعد من فوهاتها في مرافق تكرير النفط، السمة الأبرز للبلدان التي تتمتع باقتصاد قوي مستدام. اليوم، أصبحت الألياف الضوئية تحت المحيطات، ومراكز البيانات الضخمة في الجزر البعيدة، تنافس أنابيب نقل الغاز والنفط بين البلدان.
في عصر البيانات الضخمة التي أطلق عليها «بريان كرزانيتش»، رئيس مجلس إدارة شركة «انتل»، مسمى «النفط الجديد»، اعتبر خبراء أكاديميون أن الشباب هو عصب العصر الجديد، ومن خلالهم يمكن تحقيق «الأقصدة الفكرية»، أي ابتكار الأفكار القائمة على البيانات والذكاء الاصطناعي، وتحويلها إلى مصدر اقتصادي قوي للدول مثلما هو حاصل مع «فيسبوك»، و«واتس آب» وغيرها. إلا أن تحقيق هذا الأمر في الإمارات، يحتاج بالإضافة إلى «القوننة» ووضع المنظومات المناسبة، الاستفادة من البيانات الضخمة المتوافرة حالياً لبناء نظام تعليمي يتضمن مناهج ومساقات تلبي القدرات الفردية لكل طالب على حدة، لكي يتحولوا لاحقاً إلى منتجين لـ «النفط الجديد».
تقول الدكتورة مناهل ثابت، المتخصصة في الاقتصاد المعرفي والهندسة المالية، إن استخراج النفط عملية تليق بالقرن الماضي، أما اليوم فإن استخراج البيانات والمعلومات هو سمة العصر. وأكدت أن الإمارات خطت الخطوة الأولى في عالم «النفط الجديد». فلا أحد ينكر وجود حكومة إلكترونية، وبالتالي تسخير البيانات لخدمة وإسعاد الناس. كما أنها سخرت جهوداً كبيرة على مستوى عالٍ لرسم استراتيجية مستقبلية منها دبي 10 X التي تستشرف المستقبل، وإطلاق وزارة الذكاء الاصطناعي، لكن الخطوة الثانية هي أن تقود الإمارات هذا القطاع على مستوى عالمي.
وأكدت أن الأمر ليس بسيطاً وإنما كثير التعقيد، ويتطلب منظومة متكاملة للتعدين المعلوماتي. واعتبرت أن الحكومة يفترض أن تتكفل بهذا الجزء المهم، أي حوكمة معلوماتية ترسخ الاستخدام الأمثل للبيانات، وترسي أخلاقيات المعلوماتية، بالتعاون مع القطاع الخاص، بالإضافة إلى الالتزام بعدم اختراق الخصوصية.
وأشارت إلى أن «القوننة» في التعدين المعلوماتي أمر مهم جداً، إذ يجب بناء منظومة متكاملة لكي تسير تلك القافلة، بدءاً من بناء العقول، لإعداد كوادر شابة قادرة على استخراج وتركيب وتحليل البيانات.
وقالت «أحلم أن نكون منتجين (للنفط الجديد)»، داعية إلى ضرورة تشجيع الشباب على إنتاج المعلومة الفكرية، والتي يمكن استخدامها في الأقصدة الفكرية.
بدوره، قال الدكتور منصور العور، رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية، إن البيانات هي العمود الفقري للاقتصاد القائم على الذكاء الاصطناعي في المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن إحدى الدراسات التي أعلنت نتائجها حكومة كوريا الجنوبية، في إحدى المؤتمرات في الصين، تقول إن جيل محللي البيانات يجب أن تكون أعمارهم أقل من 30 عاماً. وأضاف أنه لا ينفع لوم الجيل الجديد لقضائه وقتاً طويلاً في الألعاب الإلكترونية، لأن هذا الأمر جعلهم متعددي القدرات والمهارات، وبالتالي مكّنهم من استيعاب سرعة تبدل البيانات وفرزها وتصنيفها، وهي بالتالي عقلية مهمة جداً في تحليل البيانات الضخمة.
وبالنسبة لدور جامعة حمدان في تحضير الكوادر الشابة لعصر «النفط الجديد»، أشار إلى إطلاق كلية الذكاء الاصطناعي الأولى في الدولة عبر 3 برامج ماجستير رئيسة، هي تحليل البيانات الذي سيطلق في شهر 9، وهندسة الروبوتات، وتصميم الألعاب.
وأكد حاجة الدولة لجيل متخصص في تحليل البيانات، خصوصاً أن القمة العالمية للحكومات أكدت أن الذكاء الاصطناعي سيولد ناتجاً قومياً عالمياً بقيمة 15 تريليون دولار، والإمارات تريد أن تكون جزءاً من هذا الحراك، لافتاً إلى جامعة حمدان تعمل ما بوسعها لتمكين الدولة من لعب هذا الدور.
أما الدكتور عبد اللطيف الشامسي، مدير مجمّع كليات التقنية العليا، فيقول إن تداعيات الثورة الصناعية الرابعة لها أثر كبير على جميع القطاعات من ناحية تحسين كفاءة الإنتاج. إلا أن قطاع التعليم دائماً ما يأتي متأخراً نوعاً ما لمواكبة هذه المتغيرات. لأن ما يحكمنا في القطاع هو النواتج التعليمية والمهارات المطلوبة لسوق العمل، في ظل تطور وتغير سريعين.
وشرح أن المتغير في قطاع التعليم والتكنولوجيا ليس ثابتاً، فالتطبيقات الرقمية لا تتوقف عند مستوى معين، وهي متغيرة كل 6 أشهر، ويخرج عنها في كل مرة مهارات جديدة مطلوبة تصعب مواكبتها، ليس في الإمارات فقط وإنما في مختلف دول العالم.
وأشار إلي أنه في كليات التقنية على سبيل المثال، تم إطلاق «الجيل الثاني» الذي يهدف إلى أن يصبح العمل المهني والشهادات الاحترافية جزءاً لا يتجزأ من النظام التعليمي. لأن الشهادات المهنية تواكب المتغير للقطاع نفسه، وبالتالي، أي أن الكليات تواكب المتغيرات من الضفة الأخرى، من منظور سوق العمل.
واعتبر أن المؤسسات الأكاديمية لا يمكنها أن تغير من مناهجها بشكل سنوي لكي تتناسب مع ما هو مطلوب بعد 4 سنوات، إلا أن الشهادات المهنية الاحترافية تتضمن أساليب التقييم وبرامج التدريب الملائمة، وبذلك عندما تتغير المهارات من جانب سوق العمل، فنحن نضمن تغييرها في المساقات لدى الكليات.
وعن أوجه الاستفادة من البيانات الضخمة في التعليم، قال الدكتور الشامسي إن تلك البيانات هي أساس الذكاء الاصطناعي الذي يمكننا من تعميق معرفتنا بالطالب ومهاراته وقدراته، وبالتالي تصميم المناهج وفقاً لقدراته الفردية وميوله، بما يضمن أن يفجر الخريج إبداعاته، وأن يكون جاهزاً لسوق العمل. فعلى سبيل المثال، يمكن تتبع اهتمامات كل طالب من خلال التواصل الاجتماعي والتطبيقات التي يحمّلها والألعاب وقدراته فيها، يمكن من خلالها تحليل شخصية الطالب لوضع المنهج المناسب. وأكد أنه لغاية اليوم لا يوجد وصفة ثابتة، نحن في مرحلة استكشاف التقنيات الحديثة لتحسين أنظمتنا التعليمية، مشيداً بجلسات القمة للاستفادة من الخبرات والأفكار، والاطلاع على الاجتهادات من بعض الدول.
وقال الدكتور عيسى البستكي، رئيس جامعة دبي، إن البيانات الضخمة عبارة عن مستودع كبير لا قيمة له من دون إيجاد معنى لما يحتويه.
وأشار إلى أن السحابة الحاسوبية، يوجد فيها كميات ضخمة من البيانات من كل أنحاء العالم التي بدورها تحتاج إلى ذكاء اصطناعي لتحليلها وتصنيفها، واستخدامها في مختلف القطاعات. وأكد أن الذكاء الاصطناعي يحلل البيانات وتصنيفها بطريقة صحيحة وإعطاء المعرفة أكثر من مجرد تقديم معلومات خام، بما يساعد على التخطيط للمستقبل. مشيراً في الوقت نفسه إلى أن إعداد الكوادر يجب أن يركز ليس على تحليل البيانات، وإنما على برمجة الذكاء الاصطناعي للقيام بهذه المهمة.