الملحق الثقافي

سيوران.. شكوكي يهتك حجاب البصيرة

بورتريه اميل سيوران بريشة الفنان ابود اوف كايوس

بورتريه اميل سيوران بريشة الفنان ابود اوف كايوس

عدمي، سلبي، تشاؤمي، شكوكي، مناهض للحداثة، مبغض للحياة... إنها الصفات التي تحضَر في كل مرة نتكلم أو نكتب عن الفيلسوف الروماني إميل سيوران (1911 1995). ولكن إلى أي حد يمكننا التسليم بصحّتها، خصوصاً حين نعرف أنها ناتجة من قراءات لم يكن عيبها الوحيد طابعها المجتزَأ، وبالتالي عدم أخذها في الاعتبار مجمل عمله الكتابي، بل أهملت أيضاً عناصر من سيرته الذاتية تفجّر هذه الصفات أو تكشف الأسباب التي دفعت هذا العملاق إلى «ارتدائها»، من دون أن تحاصر شخصيته كلياً أو تحسم موقفه الوجودي؟

فلنبدأ بالشكوكية المتأجِّجة التي تميّز سيوران أكثر من أي صفة أخرى. ما لم نعرفه حتى مؤخّراً هو أن مصدرها كان الأرق الذي عانى الفيلسوف باكراً منه وجعله يختبر أزمات يقظة متواصلة غيّرت راديكالياً علاقته بالزمن ونمّت إحساسه بغرابة حضوره داخل العالم، وبالتالي بتفاهة الوجود وحدود الإدراك. لكن لهذه الشكوكية مصدرٌ آخر، سيرذاتي، قلّما توقّف الباحثون عنده، ونقصد تلك الهفوة التي ارتكبها في الثلاثينات بتحمّسه للحيوية النازية، ثم لحركة «الحرس الحديدي» الفاشية الرومانية. هفوة تأسّف لارتكابها لدى استقراره في فرنسا عام 1937، وذلك إلى حد دفعه إلى وعد نفسه بعدم تبنّي أي أيديولوجيا أو يوتوبيا، مهما كانت طبيعتها.
وكردّ فعلٍ على هذه الهفوة، عانق الشكوكية التي تترجمت بمساءلته جميع الحقائق المتعارف عليها، وبتفحّصه بمجهرها كل ما يتعلّق بالإنسان: الزمن، الحكمة، الإيمان، الحب، الموت، اللغة، التاريخ، من دون أن ينسى الأمل: «نحن عبيد وسنبقى عبيداً طالما لم نُشْفَ من هاجس الأمل». فبالنسبة إليه، ليس الأمل ما يحيينا، بل ما يستلبنا ويفسدنا، ومن الأفضل عدم انتظار أي شيء من الحياة. وفي هذا السياق، فضّ روابطه بالفلسفة الكلاسيكية، «المجرّدة والمخرخِرة»، بعد تشبّعه منها: «أسوأ أنواع الاستبداد هو النظام، في الفلسفة وفي كل شيء»، مستقياً فكره مباشرةً من معيشه وحالته الذهنية وأحاسيسه وعذاباته وهواجسه: «كل فكر ينحرف من إحساسٍ محبَط». فكرٌ ذاتي إذاً يسمح بجميع التناقضات، لكن تصبغ أبحاثه الحميمة وانفعالاته نبرةٌ شمولية.
وفعلاً، بتحليل نفسه من دون أي مراعاة، فكّك سيوران الطبيعة البشرية التي تشكّل الهشاشةُ مادّتها، دافعاً بالفكر إلى آخر معاقله، حيث تنبثق بدايةُ حقيقةٍ، ونتحرّر من المظاهر. من هنا اعتبارنا إياه أحد أهم ممزّقي الأوهام في القرن الماضي، إذ جمع في مسعاه صراحةً لا تقاوَم وبصيرةً لا هوادة فيها، وحافظ داخل عزلته الملتهبة على مواجهة شاملة ومدوخة مع نفسه، منحرفاُ أحياناً نحو توحّدٍ عنيف ومجنون يفسّر لماذا تأخذ إبسالاته المسرفة أحياناً شكل هذيانٍ أو اختلال فكري.
النقطة الثانية التي أهملها الباحثون، وأهملوا ارتباطها الواضح بهفوة الصبا، هي عذاب سيوران من ذلك الوعي المتفاقم والملحّ الذي جعله يقول: «أكثر من مجرّد شوكة، الوعي خنجر في اللحم»، وأيضاً: «الخلاص؟ كل ما يقلّص سلطان الوعي». ولذلك، كان يحب التنزّه على درّاجته والسير والأعمال اليدوية، فالجهد الجسدي والحركة يطفئان الوعي. ومن المنطلق نفسه، عاش شكَّه كعلّةٍ كانت تسمّم إرادته في الحياة، ما جعل الانتحار يرافقه مثل ظلٍّ وفي ويصبح أحد مواضيعه المفضّلة، علماً أنه لم يعبر أبداً تلك المسافة التي تفصل فكرة الانتحار عن فعله، بل ساعده إمساكه بقرار وفاته على تحمّل حياته، معتبراً أن الفعل المذكور لا يقل عبثية عن فعل الحياة.
لكن شكّ سيوران لم يكن سلبياً بالمطلق، كما ظنّ البعض، بل ساعده على تمزيق الحجاب الذي يغشي البصيرة، وعلى تلطيف الجانب المأساوي للوجود وبلوغ التجرّد والسكينة. كما لم يكن هذا الشك كلياً، كما صوّره بعضٌ آخر، فغزيرة هي شهادات اليقين التي سيّرها الفيلسوف في كتاباته، أحياناً من دون تفسير أو برهنة، وتعكس «شغفاً بالمطلق داخل نفْسٍ مرتابة». يقين يتجلى خصوصاً في راديكالية أقواله القصيرة والجانب القاطع لحُجَجه. ولو كان شكّه كلّياً لما مارس الكتابة طوال حياته ولشكّك بضرورتها والتزم الصمت. وما تحمّسه للعقيدتين النازية والفاشية في صباه سوى دليل على ميلٍ إلى يقين لم يتوارَ كلياً داخله.
ومع ذالك، تبنّى سيوران وضعية التبطُّل، التي هي نتيجة وامتداد طبيعيين للشكوكية. فبينما دعا معاصره جان بول سارتر إلى تحقيق الذات بواسطة الفعل، استسلم هو للافعل أو العطالة. وباستثناء فترة تعليمه القصيرة التي مارس خلالها الهذيان والصراخ أكثر من التدريس، رفض طوال حياته ممارسة أي مهنة. ولا عجب في ذلك، وهو الكائن الثمل بحرّيته واستقلاليته الذي لم يُطِع سوى نفسه. فلدى وصوله إلى فرنسا (1937) بمنحة دراسية، كان من المفترض فيه تحضير أطروحة دكتوراه، لكنه أهملها للطواف على دراجته في فرنسا أو للتسكّع في متاهة شوارع باريس. وفي هذه المدينة، عاش حياة تنسّكٍ في فنادق رخيصة أولاً، ثم في غرفة خدم، غير طامح سوى إلى التجرّد وتجفيف الرغبات.
وفي مجتمع يبجّل الفعل والحركة واللهو والأداء، تفرّد سيوران بكسله: «أي مشاركة في التقلبات الزمنية هي مجرّد إثارة عبثية». وبينما هجس معاصروه في شغل أنفسهم للإفلات من ذلك الشعور بالفراغ والعبثية والقلق، واجه هو البطالة شاخصاً بشكلٍ مباشر في مأساوية القدر البشري. وفي هذا السياق اختار البقاء على هامش الحداثة وضجيجها الإعلامي العقيم، حتى حين عرف الشهرة، محوّلاً «فنّ الفرار» إلى نمط حياة: «لطالما أردتُ أن أكون خارج كل شيء». وفي السياق نفسه، فضّل على تشنّجات التاريخ وأوهام التقدّم عزلة غرفته أو التحاور الحميمي مع أصدقائه أوجين يونيسكو وهنري ميشو وأرتور أداموف وميرسيا إيلياد، لارتيابه من لعبة المظاهر ورفضه المشاركة في الكوميديا البشرية. موقفٌ دفعه إلى رفض جميع الجوائز الأدبية التي مُنِحت له، باستثناء الجائزة الأولى التي نالها على كتابه الفرنسي الأول «رسالة في التحلّل».
ولا شك في أن سعي سيوران الدؤوب إلى إبعاد نفسه عمّا يدور حوله ساهم في تحرير بصيرته وصقله فكراً حرّاً ومنيراً: «أيُّ شكل من أشكال الارتباط هو خطيئة في حق البصيرة». وبوحدها، تختصر عناوين كتبه ألق هذا الفكر، وفي الوقت نفسه، سوداويته: «على قمة اليأس»، «غسقُ الأفكار»، «رسالة في التحلّل»، «قياسات المرارة»، «السقوط في الزمن»، «مثالب الولادة»... عناوين تشكّل أيضاً كمّاً من الشهادات على أن الكتابة مكّنته من تعزيم يأسه وتشاؤمه، ومن تحمُّل حضوره في العالم. فبتصويره الحياة كطريقٍ مسدود، استطاع تقبُّلها، وبخطّ هواجسه وقلقه وتناقضاته، تمكّن من التخفّف من عبئها: «التعبير يقلّصكم، يفقّركم ويحرّركم من عبء أنفسكم. التعبير فقدانُ مادّةٍ وانعتاقٌ. يفرّغكم فينقذكم».
لا نبالغ إذا في قولنا إن الكتابة كانت أقوى من شكّ سيوران وعدميته، وإنها شكّلت الوسيلة التي دجّن بها العُدار الشرس الكامن في أعماق وعيه، وأيضاً القناة التي سالت فيها طاقته الحيوية وكل بذور فكره. كتابة مارسها ك «سكريتير» لأحاسيسه، بخلاف الفلاسفة الذين انشغلوا بالاستبصار والتنظير. وبدلاً من كتابة نصوصٍ طويلة، اختار الشذرة (aphorism) أو الكتابة المتشظّية لكونها تناسب مزاجه وتناقضاته أكثر من أي نوع كتابي آخر، ولميله إلى تكثيف أفكاره الغنّاءة ومصالحة المفارقات التي كانت تلمع في ذهنه بصِيَغٍ موجَزة ومبهرة.
وفعلاً، كل قول من أقوال سيوران هو دفقٌ من نار وجليد يلسعنا مثل سوطٍ ويكهرب عقولنا المخدّرة بسموم المادّية المتفشّية، مترجماً حضوراً متشظّياً وهوية حائرة ونفَساً ممزّقاً. وقد تزعج سوداوية هذا الفيلسوف وتشاؤمه قرّاء زمننا الذين اعتادوا الاستهلاك والتسلية، علماً أن قراءته بجرعات صغيرة لها مفعول منشّط ومنقذ. فإحباطه المبرَّر يمسّنا بعمق، وتأملاته تصعقنا وتفتننا بصوابيتها وسلطة نبرتها. وبسيرها بنا إلى قلب العدم والاستهزاء، تطهّرنا من رغبة الكمال فينا وتمنح مشروعية لهشاشتنا وعجزنا.
أما لماذا اختار سيوران الفرنسية لغةً للكتابة عام 1947، بعد وضعه كتباً خمسة باللغة الرومانية وبأسلوبٍ غنائي سخي، فلتهذيب وحشيته الأصلية ونحت أسلوبه: «وكان هذا الخيار صعباً لأن اللغة الفرنسية لا تناسب مزاجي. أحتاج إلى لغة وحشية، إلى لغة سكير». لكن تدريجاً، كلمة بعد كلمة، تمكّن من إعادة تشييد نفسه داخل لغته الجديدة، فوضع عشرين مؤلّفاً بها قبل أن يتوقف عن الكتابة عام 1987. لكن هذه الكتب كانت كافية كي يفرض نفسه كأحد أكثر كتّاب اللغة الفرنسية عبقرية، جامعاً في أسلوبه مرارة بودلير الشعرية وسوداوية شوبنهاور الكلبيّة وراديكالية نيتشه الغنائية.
وبالتالي، على رغم إداركه محدودية اللغة، تشبّث سيوران بالكلمات وصدّق بالكتابة فنشط داخل فضاء الحرية الزائل هذا بحدّة سمحت له بإرضاء بعضٍ من توقه إلى المطلق. ولذلك، تبدو وهمية الصورة التي ما زالت ملتصقة به كمفكّر قاسٍ كره البشر والكون، وبقي محاصَراً داخل ضيقه. فوفقاً لمَن أحاطوا به، كان لطيف العِشرة في حياته اليومية وودوداً ومرِحاً، إضافة إلى وفائه وكرمه، أي على نقيض ما استخلصه الباحثون من كتاباته.
وفعلاً، قد تعكس تأمّلاته في عبثية الوجود خلفيةً معذَّبة ومشبَعة بالقلق، لكنها تخلق أيضاً شروطَ نسبويةٍ منهجية وطرافةٍ منعشة. فالغليان الميتافيزيقي المعتِم الذي عاش داخله دفعه إلى التقليل من أهمية التقلبات اليومية وإلى تلطيف علاقته بالآخرين. ولذلك، لا نخطئ إن قلنا إنه كان يحب الحياة، على رغم الكآبة المتجذِّرة فيه، وإنه كان حيّاً أكثر من جميع الفلاسفة الذين انحصر اهتمامهم خلال حياتهم في بلوغ تماسكٍ في نظام فكرهم المجرَّد. ففي أحد نصوصه الأخيرة، كتب: «لا يمكنني أن أتخلى عن الرغبة، لا يمكنني أن أتخلى عن أي شيء». وفي نصٍ آخر قال بوضوح: «ما أنقذني هو عطشي إلى الحياة، عطشٌ حفظني وسمح لي بالتغلّب على سوداويتي».
وكان من الضروري أن يكون هذا العطش قوياً جداً كي يتمكن من إنقاذ هذا الفيلسوف من سوداويته الأخطبوطية المعروفة. سوداوية قد تكون ناتجة من حنينٍ إلى تناغمٍ وامتلاءٍ وبراءةٍ اختبرهم في بلده قبل هفوة صباه،، وإلا كيف نفسّر تذكّره الثابت لذلك اليوم من عام 1922 الذي غادر فيه قريته، واعتباره إياه اليوم الأكثر تعاسة في حياته، لعيشه تلك المغادرة إلى ما لا نهاية كتمزّقٍ مؤلم، كطردٍ من جنّةٍ اختبرها بنفسه على هذه الأرض؟

فسادُ الأمل
الأمل يستلبنا ويفسدنا ومن الأفضل عدم انتظار أي شيء من الحياة
***
أسوأ أنواع الاستبداد هو النظام في الفلسفة وفي كل شيء
***
فكّك سيوران الطبيعة البشرية التي تشكّل الهشاشةُ مادّتها دافعاً بالفكر إلى آخر معاقله
***
تميز بصراحةً لا تقاوَم وبصيرةً لا هوادة فيها.. وحافظ داخل عزلته الملتهبة على مواجهة شاملة ومدوِّخة مع نفسه
***
واجه البطالة شاخصاً بشكلٍ مباشر في مأساوية القدر البشري واختار البقاء على هامش الحداثة وضجيجها الإعلامي العقيم
***
تأملاته تصعقنا وتفتننا بصوابيتها وتطهّرنا من رغبة الكمال فينا وتمنح مشروعية لهشاشتنا وعجزنا