أخيرة

الزكاة.. أول نظام عرفته البشرية لرعاية الفقراء

القاهرة (الاتحاد)

المال من النعم التي منَّ الله بها على الناس، تُيسر الأسباب، وتفتح الأبواب، وتقضي الكثير من حوائج الدنيا ومتاعها، وقد يكون نقدا، أو يتمثل في الأراضي والعقارات، وسائر الممتلكات، ويرى علماء الدين أن الشكر على هذه النعم واجب، وأفضل طريقة لذلك هي أداء الزكاة وإنفاقها على الفقراء والمحتاجين وتطهيرا للنفس من الشح والبخل، وتعويدا لها على الجود والكرم.

والزكاة لغة، الطهارة والبركة والصلاح، تزكي إيمان العبد وماله، وتُنقي القلب من حب الدنيا ومتاعها، &rlmوهي شرعا مقدار من المال فرضه الله على أغنياء المسلمين لصالح الفقراء والمحتاجين، ذكرها القرآن الكريم باسم «صدقة» لقوله تعالى&rlm:&rlm (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا...)، «سورة التوبة: الآية &rlm103&rlm».

نعمة تطهر النفس

يقول الدكتور صبري عبد الرؤوف أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر: الزكاة فريضة على كل مسلم ومسلمة، وهي الركن الثالث في الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، لا يستقيم الدين بدونها ولا يكتمل الإيمان بجحودها، فُرضت في السنة الثانية للهجرة&rlm، واجبة بالكتاب والسنة والإجماع، &rlm قال تعالى:&rlm (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ...)، «سورة المزمل: الآية 20»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا»، ونقل الفقهاء الإجماع على ذلك.

وقسَّم أهل العلم الزكاة إلى ثلاثة أنواع، أولها في الأموال، وتجب في الذهب والفضة، والأوراق المالية، وعروض التجارة، وبهيمة الأنعام والإبل والبقر والغنم، والخارج من الأرض من حبوب وثمار، والركاز، والمعادن، وثانيها في الذمة، وهي زكاة الفطر في نهاية شهر رمضان، وثالثها صدقة التطوع، وهي ما يخرجه المسلم إحساناً وطلباً للأجر والثواب.

والزكاة نعمة وفضل لا مثيل له، تطهر النفس من الشُّح والبخل، وتشيع روح التضامن والتكافل بين المسلمين على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية وإمكاناتهم الاقتصادية، ثوابها عظيم مصداقا لقوله تعالى: (... وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ...)، «سورة الأعراف: الآية 156»، وهي وسيلة لمضاعفة الرزق ووفرة الخير وحصول البركة، من صفات المؤمنين الذين يرثون الفردوس لقوله تعالى: &rlm(وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)، «سورة المؤمنون: الآية 4»، وتجب الزكاة على المسلم الحر، مالك المال، وبلوغ النصاب ومرور الحول.

وتصرف الزكاة للفئات الاجتماعية المستحِقة لها، وهي ثمانية أصناف ذكرها الله تعالى في سورة التوبة فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، «الآية 60»، فالفقراء هم المحتاجون الذين لا يجدون كفايتهم، والمساكين هم الذين يتعففون عن السؤال رغم الحاجة، والعاملون عليها هم جامعو الزكاة ولو كانوا من الأغنياء، والمؤلفة قلوبهم حديثو العهد بالإسلام، وفي الرقاب العبيد تعتق رقابهم، والغارمون هم الغارقون في الديون، وفي سبيل الله يقصد بها الجهاد، وابن السبيل المسافر المنقطع عن بلده، ولا تعطى الزكاة للوالدين والأبناء والأزواج وغير المسلمين. &rlmويحث الله تعالى المسلمين على الإنفاق من أموالهم ليسدوا حاجات الفقراء والمحتاجين: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، «سورة البقرة: الآية 245».

نظام إسلامي فريد

وقال الدكتور أحمد عمر هاشم، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، الزكاة في الإسلام هي أول نظام عرفته البشرية لتحقيق الرعاية للمحتاجين والعدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، حيث يعاد توزيع جزء من ثروات الأغنياء على الطبقات الفقيرة والمحتاجين، وقد حث الإسلام على احترام مشاعر الفقراء وأصحاب الحاجات، ومن الأدب الذي علمنا إياه ديننا في التعامل مع البسطاء والفقراء أن نحترم مشاعرهم لأن كثيراً منهم رزقهم الله عزة الأنفس، وهؤلاء ينبغي أن نبحث عنهم ونقدم لهم ما يحتاجون إليه بأسلوب كريم يحفظ لهم كرامتهم، وواجب كل مسلم أن يبذل جهده لكي يتحرى أين يضع زكاته وصدقته.

ولو حرص القادرون على إخراج زكواتهم لما بقي في مجتمعاتنا الإسلامية فقير واحد، ورغم تعدد وتنوع مؤسسات وجمعيات وهيئات جمع الزكاة وتوزيعها على مستحقيها في مجتمعاتنا، لكن هناك كثيراً من المجتمعات الإسلامية لا تزال محرومة من العطاء الخيري والإنساني لتلك الفريضة، ويجب التركيز على الزكاة، فهي فريضة لا يكتمل إيمان المسلم إلا بالحرص عليها، وعلينا أن نتخذ كل السبل لكي يتم جمعها وتوزيعها على مصارفها الشرعية لكي تحقق أهدافها الكثيرة والمتنوعة في حياتنا.

وتفعيل فريضة الزكاة في حياة المسلمين ليس مهمة الدولة، بل هي مسؤولية المسلم قبل أن تكون مسؤولية ولي الأمر، فهي فريضة مثل الصلاة والصيام والحج، وواجب كل مسلم تتوفر في أمواله شروط الزكاة أن يبادر بدافع ديني واجتماعي وإنساني إلى إخراجها لمستحقيها، فكما أن الإنسان يصلي ويصوم ويحج دون إجبار فعليه أن يؤدي هذه الفريضة أيضا ويحرص عليها طواعية دون تدخل من أحد.

ولا ينبغي التفاخر بعمل الخير، فالإنسان يتقرب بما يفعل إلى خالقه سبحانه وتعالى الذي أنعم عليه بالصحة والاستقرار والمال الوفير، والصدقة العلنية الخالية من التفاخر والتباهي مطلوبة ومرغوبة وأفضل من الصدقة السرية إذا ما أدت إلى حث الآخرين على الاقتداء بالمتصدق، لكن تظل الصدقة في الخفاء هي المطلوبة والمرغوبة، فقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن من بين الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله رجل تصدق فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.

من عوامل التنمية

يقول الدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية الأسبق، الزكاة ركن مهم من أركان الإسلام، فهي عامل مهم من عوامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع الإسلامي، وقد استغلها خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز استغلالاً جيداً، فساهمت في تنمية المجتمع والارتقاء به، فلم يكن بين المسلمين عَزب ولا فقير ولا مدين، فقد أغنت السائل والمحروم.

ولا خلاف على أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، وهذا أمر بين عامة المسلمين في كل مكان وزمان، وإلى أن تقوم الساعة، ومنكرها يعتبر منكراً لعقيدة الإسلام وشريعته، والزكاة كما يقول فريد واصل، تقوي الجانب الروحي بين المسلمين، والإنسان جسد وروح ولا بد أن يكون كل منهما متوازياً بحيث يحقق القوة البدنية والروحية، وعندما يطغى أحدهما على الآخر قد يخل بجانب الاستخلاف في الحياة، لأننا أمرنا أن نوازن بين الدين والدنيا باعتبار أن الدنيا الطريق والوسيلة للآخرة وما أحسن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لأخرتك كأنك تموت غداً»، وهذا يعني التوازن بين الروح والمادة والدين والدنيا وبين النظرة للحياة وما بعد الحياة.