الاقتصادي

لا حروب تجارية قريبة

صفائح من الصلب في خط إنتاج بمصنع في بنسلفانيا بالولايات المتحدة (رويترز)

صفائح من الصلب في خط إنتاج بمصنع في بنسلفانيا بالولايات المتحدة (رويترز)

شريف عادل (نيويورك)

استبعد بنك «يو بي إس» العملاق إمكانية نشوب حرب تجارية شاملة، نتيجة لقرارات ترامب الأخيرة بفرض تعريفة جمركية جديدة على واردات الصلب والألومنيوم إلى الولايات المتحدة الأميركية، وتوقع ألا يتم فرض تعريفات جمركية إضافية قريباً. كما أكد البنك أن الرد من جانب الاتحاد الأوروبي لن يكون له تأثير ملموس على الاقتصاد الأميركي.
وقال البنك في تقرير حديث صدر الاثنين، وأرسله إلى كبار عملائه، تحتفظ «الاتحاد» بنسخة منه، أنهم يعتقدون أن «احتمالات نشوب حرب تجارية شاملة خلال فترة 6 إلى 12 شهراً القادمة لا تتجاوز 20-30%»، وأنه إذا كان ترامب جاداً في رغبته تخفيض عجز الميزان التجاري، وتحديداً مع الصين، فيجب عليه أن «يفرض قيوداً على استيراد أجهزة تقنية المعلومات الاستهلاكية وما يدخل في صناعتها»، حيث يتسبب استيراد الولايات المتحدة لأجهزة الاتصالات السلكية واللاسلكية ومعدات معالجة البيانات في نحو 130 مليار دولار من إجمالي العجز التجاري الأميركي مع الصين، وأنه في حالة حدوث ذلك، فإنه سيكون بمثابة «صدمة تجارية خطيرة».
وتعاني الولايات المتحدة عجزاً تجارياً سنوياً، وصل العام الماضي إلى 566 مليار دولار، تسببت الواردات من الصين في أكثر من ثلثيه، بقيمة تقدر بنحو 375 مليار دولار، وبارتفاع أكثر من 8% عن العام السابق 2016. وتشكل واردات أجهزة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ومستلزماتها النسبة الأكبر فيها. وقبل يومين، طلبت أميركا من الصين موافاتها بخطة لتخفيض العجز في الميزان التجاري بينهما بـ100 مليار دولار.
ويأخذ ترامب على عاتقه تخفيض عجز الميزان التجاري، باعتباره قضية «تمس الأمن القومي الأميركي»، وكان هذا العجز إحدى أهم القضايا التي وعد ترامب بالعمل عليها خلال حملته الانتخابية. ويعتقد ترامب أن السبب في هذا العجز يرجع إلى ممارسات تجارية غير عادلة من شركاء أميركا التجاريين، وقال في أكثر من مناسبة إن «الولايات المتحدة يتم تمزيقها من كل شركائها التجاريين».
ويوم الخميس، وقع ترامب قانوناً يفرض تعريفات جمركية جديدة، بواقع 25% على واردات الصلب، و10% على واردات الألومنيوم، باستثناء كندا والمكسيك، ما تسبب في انزعاج العديد من الدول التي تربطها علاقات تجارية مع الولايات المتحدة، وأعلن الاتحاد الأوروبي أنه يبحث الرد على تلك القرارات بفرض تعريفات مماثلة على وارداته من المنتجات الأميركية، ما أثار المخاوف من اندلاع حرب تجارية شاملة، تأتي على الأخضر واليابس في كل دول العالم. ومن الواضح أن مخاوف الشركات والمستثمرين كبيرة وحقيقية، ما استدعى قيام بنك «يو بي إس» بإصدار التقرير لطمأنة عملائه.
وأوضح التقرير، الذي أشرف على إعداده مارك هايفيلي، مسؤول الاستثمار العالمي بقسم إدارة الثروات بالبنك، أن الرئيس الأميركي لديه سلطة مطلقة فيما يخص السياسات التجارية، وهذا السبب تحديداً هو ما أثار قلق الجميع من قراراته الأخيرة، الخاصة بالتعريفات الجديدة، خوفاً من نشوب حرب تجارية أوسع نطاقاً. كما أشار التقرير إلى أن استقالة جاري كون، كبير المستشارين الاقتصاديين لترامب، الأسبوع الماضي، زاد حدة المخاوف، باعتباره كان معروفاً بمناهضته للسياسات الحمائية التجارية «ما يعني أن المدافعين عن حرية التجارة داخل الإدارة الأميركية قد انهزموا».
وأكد البنك أن التقارير التي صدرت مؤخراً، والتي أفادت بوجود اقتراحات داخل البيت الأبيض بفرض قيود واسعة على الواردات وعمليات الاستحواذ الصينية داخل أميركا، كرد فعل لانتهاكات حقوق الملكية الفردية، ضاعفت قلق المستثمرين. لكن تقرير البنك عاد وأكد أن الأسبوع الماضي شهد أيضاً بعض الإشارات الأقل سلبية، وبرغم أنها لا تنفي التوجه الحالي نحو مزيد من الحمائية، إلا أنها قد تقلل سرعة تطبيق الإجراءات المناهضة لحرية التجارة.
أولى هذه الإشارات، كما يقول تقرير البنك، كان إعفاء المكسيك وكندا من التعريفات الجديدة، وهو ما يجنب مفاوضات النافتا NAFTA الأوسع مجالاً الفشل، على الأقل في المستقبل القريب. ثم جاء بعد ذلك مقال ويلبر روس، وزير التجارة الأميركي، في صحيفة «وول ستريت جورنال» كإشارة ثانية، حددت بدقة النقاط التي تقلق الإدارة الأميركية فيما يتعلق بالأمن القومي، كما أكد أن التعريفات الجديدة ستساعد في خلق فرص العمل في صناعة الصلب، وأنها ينبغي ألا تؤدي إلى حرب تجارية.
وكانت الإشارة الثالثة في إتمام توقيع الاتفاقية التجارية الشاملة للشراكة عبر المحيط الهادي، والتي وقعتها 11 دولة، تنتج مجتمعة 13% من الناتح المحلي الإجمالي العالمي، بما يؤكد استمرار التوجه نحو إيجاد روابط تجارية أقوى على المستوى الإقليمي. وآخر تلك الإشارات كانت تلويح الاتحاد الأوروبي بفرض تعريفات مماثلة على منتجات أميركية شهيرة، مثل السراويل الجينز ماركة «ليفي» وبعض أنواع الخمور الأميركية، التي تقدر قيمتها بنحو 3.5 مليار دولار فقط، ما يعني أن الحواجز التجارية ما زالت تركز على البعد السياسي الرمزي أكثر من التركيز على القيمة الاقتصادية، وهي الأهم في الوقت الحالي.
واعتبر البنك أن هذه الإشارات ترجح عدم الانزلاق نحو الحرب التجارية الشاملة، ما جعله ينصح عملاءه بالاستمرار في استراتيجية الاستثمار المتبعة، والقائمة على تفضيل الاستثمار في الأسهم على المستوى العالمي. لكن البنك نصح عملاءه الذين يشعرون بالقلق من حرب تجارية شاملة، بتجنب تركيز استثماراتهم في البلدان ذات التوجه التصديري، كألمانيا واليابان، أو في قطاعات الآلات وتصنيع السيارات، لأنها ستكون الأكثر عرضة للمخاطر حال نشوء حرب تجارية، وذكرهم بضرورة تنويع محافظهم الاستثمارية، مع التركيز على الصناعات المستفيدة من التعريفات الجديدة، مثل صناعة الصلب في الولايات المتحدة الأميركية.