تقارير

خلل النفوس والعقول.. في أمة اللامعقول!

لم يعد المرض النفسي انعكاساً لمشاكل أو معاناة خاصة وشخصية، بل صار انعكاساً لأوضاع ومشاكل عامة -فنرى المرء في أمة العرب بالتحديد مستقراً من الناحية الأسرية والمالية والمهنية، ولكنه يعاني خللاً نفسياً بدرجة ما -حتى بعض من نسميهم الأطباء النفسيين يعانون هذا الخلل، ويحارون في معرفة جذور حالات مرضاهم وأسبابها- وكل خلل نفسي في أمة العرب مرده إلى أوضاع عامة صعبة أو غير مفهومة.
ونحن جميعاً حتى أنا لا نستطيع أن نشخص حالاتنا أو حالات بعضنا النفسية، لأن المختل نفسياً لا يمكنه تشخيص مختل مثله -لذلك نرى الأمر عادياً وطبيعياً ومألوفاً ولا توجد مشكلة، وإذا تأملت سلوكيات أشخاص من حولك وكنت أنت نفسك سوياً وأشك في ذلك- فسترى خللاً نفسياً واضحاً جداً، فهي دائماً سلوكيات غير سوية، وخروج على النص والسائد والمألوف حتى صار غير المألوف مألوفاً وغير السائد سائداً وغير السوي سوياً، وصار الجنون عقلاً وضرب الثوابت بطولة، والشذوذ اعتدالاً، والحوار عبثاً ورفثاً وفسوقاً وعصياناً!
والخلل النفسي لدى العرب تراه واضحاً جداً في الإعلام والسياسة والدين والثقافة -فالإرهاب تعبير واضح عن خلل نفسي -وهذا ما أسميه المرض النفسي الديني أو باسم الدين- فكل مختل نفسياً في أمة العرب يختار طريقة التعبير عن مرضه النفسي. فهناك مريض نفسي متدين، ومريض نفسي ملحد، ومريض نفسي ليبرالي، ومريض نفسي اشتراكي ثوري، وهناك مريض نفسي معارض، ومريض نفسي موال. وكل هذا العبث الذي تراه وتسمعه في دول عربية كثيرة ليس له تفسير سوى المرض النفسي الذي بلغ حد المرض العقلي في دول مثل ليبيا وسوريا واليمن والعراق وتونس ومصر أيضاً، وأكاد أجزم بأن دول «الخريف العربي» ضربها مرض نفسي وعقلي عام بلغ حد الوباء النفسي -فصار الخلل النفسي والعقلي عاماً وشعبياً. وحتى الذين لا ناقة لهم ولا جمل أصابهم رذاذ وعوار وخلل «الخريف العربي» النفسي. فنرى حالات غير مفهومة من السخط وعدم الرضا والتبرم والنقمة على الشيء ونقيضه.
فالعناد خلل نفسي، والرفض خلل، والكراهية حالة نفسية عصية على العلاج، فالناس في أمة العرب يحاولون ونجحوا في ذلك، وأعني التعبير عن الكراهية بلافتات دينية أو سياسية أو فيسبوكية.. وإذا تصفحت المواقع الإلكترونية فستصاب بالدهشة من حجم الخلل النفسي والعقلي لدى روادها... وحجم الكراهية والسخط على كل شيء -ورذيلة خلط العام بالخاص- وإذا بالغت في التصفح وشاركت وانغمست، فلابد أن تصاب بالعدوى إذا لم تدرك وتتدارك الأمر وتهجرها ملياً.
كل شيء في أمة العرب الآن تعبير واضح جداً عن الخلل النفسي، حتى قصص الحب انعكاس لمرض نفسي لدى المحبين، حتى العلاقات الأسرية ضربها العوار النفسي لدى الأزواج والأبناء. المسألة وبائية بالفعل ولا تعرف لمن تلجأ من أجل العلاج. فإذا لجأت إلى بعض الدعاة وعلماء الدين، فإنك تلجأ أيضاً إلى مرضى نفسيين وغير أسوياء عقلياً ونفسياً يفسرون الأحلام والأضغاث ويخرجون الجن ويفكون السحر والأعمال ويجعلون كتاب الله قراطيس ووصفات لعلاج العقم أو الصداع أو عدم التركيز أو لزرع المحبة بين الزوجين... وانتشار الدجل والشعوذة والخرافات في الأرض والفضاء والمواقع أكبر وأنصع دليل على العوار النفسي العام في هذه الأمة -وقد كسب الإرهابيون التعاطف والأنصار بالدجل والشعوذة والتخريف والتهريف وتجريف العقول باسم الدين.
وعندما أراد فريق من الناس محاربة الإرهاب والدجل باسم الدين حاربوا ذلك بالخلل النفسي المضاد، وهو الإلحاد ورفض الدين كله -فصرنا جميعاً مختلين نفسياً، المتدين منا والملحد. وصارت كل كلمات الحق يُراد بها باطل! لأن الذين يستخدمونها مرضى نفسيون ومختلون عقلياً. كل كلمات الحق يُراد بها باطل -الدين والحرية والديمقراطية والليبرالية والعدالة- حتى الوطنية والوطن يراد بهما باطل، لأن النفاق نفسه أخطر مرض نفسي أصاب هذه الأمة!
والنفاق اختراع عربي أصيل، وكل أقوام الأنبياء عليهم السلام كانوا فريقين -فريق المؤمنين وفريق الكفرة، وأما الفريق الثالث وهو فريق المنافقين، فهو اختراع عربي -فقد كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق، فرقة المؤمنين وفرقة المشركين والكفرة وفرقة المنافقين، التي تكاثرت وتناسلت، بينما انقرضت أو كادت فرقتا المؤمنين والكفرة، وهكذا ظهر الذين إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون -وساد الذين يعجبك قولهم في الحياة الدنيا، ويشهدون الله على ما في قلوبهم وهو ألد الخصام، وانتشر الذين تعجبك أجسامهم وأشكالهم ووسامتهم، وإن يقولوا تسمع لقولهم -واختفى إنكار المنكر.. والتقزز من العملاء والجواسيس ومعاملتهم بالنبذ -فقد صار العملاء «مجاهدين» ومناضلين ومعارضة وناشطين في مجال حقوق الإنسان- وصار الاستقواء واستدعاء الأجنبي إلى بلادنا العربية عملاً مشروعاً ومرضياً عنه ونجح الإخوان المنافقون أو رؤوس النفاق في أمتنا في تذويب فكرة الوطن والدفاع عن الأرض والعرض لمصلحة فكرة الماسونية والتنظيم الدولي وحكومة العالم و«الخلافة»... وكلها أوهام أريد بها ضرب الأوطان وذبح الثوابت.. حتى قيل إن أحدهم قال لإرهابي: أتترك إسرائيل وتوجه سلاحك إلى صدور أبناء وطنك من المسلمين؟ فقال ما يؤكد وباء الخلل النفسي: اليهود أهل كتاب، أما أنتم فكفار مرتدون!..
وعندما أسمع كلمة «أنا حرة» و«أنا حر»، أتأكد من أن قائلها ينوي أن يرتكب خطأ أو خطيئة.. فالحرية المختلة في أمة العرب هي حرية الخطأ، ولا يمكن أن تسمع كلمة «أنا حرة» من فتاة ملتزمة -والناس في أمة العرب يرون أن تعري المرأة حرية شخصية.. ولم يقولوا إن تغطي المرأة أيضاً حرية شخصية. إنه حقاً خلل نفسي لا برء منه.. إنه خلل النفوس والعقول -في أمة اللامعقول!

*كاتب صحفي