الملحق الثقافي

في خندق ثقافي واحد

المسرحية السعودية «تشابك».. جائزتا أفضل عرض مسرحي متكامل وأفضل ديكور في مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي (الصور من الأرشيف)

المسرحية السعودية «تشابك».. جائزتا أفضل عرض مسرحي متكامل وأفضل ديكور في مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي (الصور من الأرشيف)

يعكس الحضور الثقافي النوعي للكتاب والمبدعين والفنانين السعوديين في المشهد الإماراتي عمق العلاقات ومتانتها على الصعيد الرسمي، والشعبي، ولعل إطلالة على المشاركات السعودية في مجالات الرواية والشعر والمسرح والتشكيل خير مثال على هذا التحقق الإبداعي والتواصل الثقافي، كما أن المشاركة المتبادلة من قبل المثقفين الإماراتيين والسعوديين في الفعاليات الثقافية التي تقام في البلدين، تعد مثالاً ناصعاً على أهمية الثقافة في مجمل العملية الحداثية التي تضطلع بها الدولتان، وتعزيز سعيهما لتحقيق مشروع الأمن الثقافي.

تواصل روائي
الحديث عن المشهد الروائي السعودي، يكشف أن هناك ثورة حقيقية حدثت في تاريخها ومسيرتها ومراحلها والأسماء التي لفتت إليها الأنظار عربياً وعالمياً وخاصة في مسيرتها المعاصرة، ومن ذلك كبار الكتّاب السعوديين الذين أغنوا الرواية العربية بروايات لها وزنها وأهميتها الأدبية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: عبده خال، محمد حسن علوان، رجاء عالم، أحمد أبو دهمان، وغيرهم كثير، دون أن نغفل القول أن الرواية السعودية تطورت تطورا مذهلا في السنوات الأخيرة، حيث بدأت تأخذ دورها في المشهد الثقافي الروائي الخليجي والعربي، كما أثارت الحراك الثقافي في المملكة، ووجدت لها اهتماما وإقبالاً كبيراً لدى النقاد والمؤسسات والجوائز والقراء والمهتمين في الأدب الروائي، ولنا في الروائي السعودي عبده خال - مواليد عام 1962، خير مثال، بعد أن تمكن عام 2010، من الفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية (القائمة الطويلة)، التي تدار بالشراكة مع مؤسسة جائزة «بوكر» في لندن، بدعم من دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، وذلك عن روايته «إنها ترمي بشرر» بعد تصفيات بين 115 عملاً روائياً من 17 دولة عربية، وتلاه في الفوز بالجائزة في قائمتها القصيرة، في نسختها العاشرة للعام الماضي، الروائي السعودي محمد حسن علوان، مواليد عام 1979، عن روايته «موت صغير»، وهو صاحب محاولات جادة في صياغة كتاباته في إطار حداثة منضبطة، كما في روايته «القندس» التي وصلت عام 2013 إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية.
في الحقيقة إن الحديث عن قامات الرواية السعودية وعلاقتها بالفوز والجوائز والإنتاج الكتابي الرفيع طويل ولا ينتهي، ولكن هناك أسماء وأقلاما وأصواتا يصعب إغفالها في هذا المقام، مثل رجاء محمد عالم مواليد مكة المكرمة 1956 صاحبة لقب سيدة الرواية السعودية، والفائزة في العام 2011، بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) في نسختها الرابعة مناصفة مع الكاتب المغربي محمد الأشعري عن روايتها (طوق الحمام) الصادرة عن منشورات المركز الثقافي العربي في المملكة المغربية، وهذه هي المرة الأولى منذ إطلاق الجائزة عام 2008 التي تفوز بها كاتبة.

تواصل شعري
من الرواية إلى الشعر، نكتشف حضوراً قوياً ومميزاً للشعراء السعوديين في برنامج «شاعر المليون» في نسخه المختلفة، وقد تضمن الموسم الثامن مشاركة 16 شاعراً في المنافسات، من أبرزهم: آدم دليم القحطاني، تهاني بنت حميدان الميحان التميمي، لولوة الحميدي الدوسري (قصيدة وطن عمري)، نواف التركي الظفيري، ونشير إلى ان الموسم السابع من البرنامج لعام 2015 على سبيل المثال شهد تفوقا للقصيدة السعودية، إذ خطف الشعراء السعوديون المشاركون في هذا الموسم في جولة مدينة الرياض البطاقات الذهبية السّت كاملة، ما يؤكد على أن المنافسات التي تقام في العاصمة أبوظبي، أصبحت وجهة لعدد كبير من شعراء المملكة، الذين رسخوا عبر المواسم المختلفة حضورا مشرفا، ففي الموسم الأول 2006، حققت السعودية المركز الثاني، من خلال الشاعر تركي عطا الله الميزاني، وجاء في المركز الثالث الشاعر عبد الرحمن عادل الشمري، والرابع محمد مريبد العازمي، فيما تواصل التفوق الشعري السعودي في البرنامج حتى آخر موسم منه.
أما مسابقة «أمير الشعراء» التي تنظمها وتشرف عليها دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي منذ العام 2007، فقد جذبت إليها نخبة من الشعراء السعوديين، ونال بعضهم إمارة الشعر، مثل الشاعر إياد الحكمي، الذي توّج باللقب في الموسم السابع للمسابقة، كما حصل الشاعر السعودي في ذات الموسم على المركز الثاني.
كما شهد الموسم الخامس من البرنامج فوز الشاعر السعودي محمد أبو شرارة، بالمركز الخامس، وفي السياق أكدد عدد من الشعراء السعوديين المشاركين في المنافسات ومن بينهم الشاعر السعودي طارق الصميلي الفائز بالمركز الثاني من الموسم السابع للمسابقة، على دور مدينة أبوظبي باعتبارها (عكاظ الشعر) العربي الفصيح في تعزيز التفاعل والتواصل بين شعراء العربية الفصحى في كل مكان، هذا إلى جانب الاهتمام الإماراتي الرسمي بهذا المنجز الأدبي الشعري، حيث جرى تكريم وتقدير جهود المشاركين في موسمه السابع من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حيث أعرب سموه خلال حفل استقبال المنظمين والفائزين في مسابقة الموسم، عن سعادته وتقديره للدور الذي تلعبه المسابقة في تعزيز المشهد الثقافي والمعرفي في المجتمع.
في السياق اعتبر مراقبون وخبراء أن توجّه دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية إلى تأسيس مجلس تنسيقي ثنائي منذ بداية العام 2016، يمثل نقلة نوعية ومرحلة جديدة في مسار العلاقات الثنائية، بما في ذلك تعزيز الإستراتيجية الثقافية بين البلدين، مشيرين إلى أن من شأن هذا المجلس إضفاء الطابع المؤسسي على العلاقات بين الدولتين، ويساعدهما على تحقيق المزيد من تنسيق المواقف الثنائية، لكونه يدشن نافذة وقناة للاتصال المباشر والمستمر بينهما، وبالتالي يساعدهما على اتخاذ القرارات اللازمة للتعامل مع القضايا الملحة بشكل فعال، وخاصة ما يلحق بالهوية الثقافية من تحديات.

تواصل تشكيلي
من الرواية والشعر، تبدو لنا رحلة التشكيل بين المبدعين الإماراتيين والسعوديين في أعلى مسافاتها في تعزيز قنوات التواصل الثقافي بين البلدين، ففي عام 2015، على سبيل المثال، شهد المشهد التشكيلي المحلي مشاركة 14 فنانا سعوديا في مهرجان الفن التشكيلي العربي الثاني، حضروا إلى الإمارات للتضامن والاحتفاء مع أشقائهم بيوم العلم الإماراتي، وعبر التشكيليون السعوديون المشاركون في المهرجان ومن بينهم: أحلام المشهدي، مفرح العسيري، نهار مرزوق، سحر عناني، عارف الغامدي، ميرفت بن حريب، عن تقديرهم للمناسبة الوطنية التي عرضوا فيها من إنجازهم جدارية ضخمة تبرز رؤيتهم لهذه المناسبة.
وفي العام نفسه، نظم المركز السعودي للفنون، معرضا ضخما في صالة (آرت بلس) بدبي، بعنوان (نوافذ) بمشاركة 8 تشكيليين سعوديين، وعدد من التشكيليين الإماراتيين والعرب، وتضمن المعرض الذي شارك فيه كل من: منى القصبي، سمير الدهام، أحمد الخزمي، ايمان الحبشي، نوره القحطاني وغيرهم، أكثر من 45 عملا سعوديا، أظهرت ملامح البيئة السعودية بأسلوب تجريدي معاصر تنتابه عدة زخارف فنية تدلل على أهمية المكان وعلى رقي ما وصلت إليه الساحة التشكيلية السعودية، هذا إلى جانب حضور قوي للتشكيليات السعوديات في معرض الإشراقات السعودية الذي تم تنظيمه في دبي عام 2016 برعاية الشيخة هند القاسمي، وسط مشاركة ما يقرب من 80 فنانة تشكيلية من الإمارات والمنطقة، قدمن نحو 800 لوحة فنية متنوعة، وبرزت من المشاركات السعودية «ثناء القرعاني»، العضوة العاملة في النادي التشكيلي بالرياض، وقدمت في المعرض أعمالا تحمل بصمة التراث وأصالة التقاليد والهوية السعودية، إلى جانب إدارة حوار فكري غير مسبوق بين التشكيليات السعوديات والنقاد والجمهور المحلّي والتشكيليين الإماراتيين.

تواصل مسرحي
شكّل المسرحيون السعوديون وعلى فترات مختلفة حضورا قويا على خشبة المسرح الإماراتي، فعلى مستوى العروض المسرحية، قدّمت الجمعية العربية للثقافة والفنون بالدّمام، في فعاليات المهرجان المسرحي الثامن للفرق الأهلية في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي نظمته وزارة الإعلام والثقافة في العاصمة أبوظبي، خلال الفترة من 21 إلى 28 سبتمبر 2003، مسرحية بعنوان «الهطق» نص عبد الرحمن المريخي، للمخرج معتز العبدالله، وحققت المسرحية صدى طيبا لدى النقاد والجمهور، كما جرى خلال المهرجان تكريم المسرحي السعودي المخضرم الدكتور بكر بن إبراهيم الشّدي، ثم لا ننسى الإشارة إلى فوز العرض السعودي (تشابك) لفرقة وطن المسرحية، نص فهد ردة الحارثي، للمخرج أحمد الأحمري، بجائزتي أفضل عرض مسرحي متكامل، وأفضل ديكور مسرحي، في منافسات النسخة الثانية لمهرجان الشارقة للمسرح الخليجي (تأسس عام 2015)، وتنظمه دائرة الثقافة والإعلام، ويحظى المهرجان بدعم وحضور صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، ويهدف المهرجان إلى توثيق عرى العلاقات الثقافية بين مسرحيي المنطقة، إضافة إلى كون هذه التظاهرة المسرحية الخليجية تأتي ضمن استراتيجية الإنماء الثقافي والفني، وتوسيع دائرة التأثر والتأثير في مجال المسرح الخليجي، واستكمالا لدور الشارقة في تكريس هذا المفهوم من خلال المهرجانات والملتقيات المسرحية العربية، شاركت نفس المسرحية في النسخة العاشرة لمهرجان المسرح العربي الذي نظمته الهيئة العربية للمسرح (مقرها الشارقة وتأسست عام 2007) في تونس، خلال الفترة من 10 إلى 16 يناير من العام الحالي، ثم مشاركة المسرح السعودي في منافسات النسخة التاسعة لمهرجان المسرح العربي في الجزائر بعرض بعنوان (أماني) لفرقة مسرح النورس، نص وإخراج ياسر الحسن، هذا إلى جانب تمثيل عدد كبير من المسرحيين السعوديين المنضوين تحت لواء جمعية المسرحيين السعوديين لبلدهم في فعاليات مهرجان أيام الشارقة المسرحية، وبخاصة المساهمة في الندوات الفكرية والتطبيقية المصاحبة للعروض المسرحية، والملتقى الفكري. ونختم في سياق قنوات التواصل الثقافي السعودي الإماراتي، بالإشارة إلى مشاركة الدكتور مشاري النعيم مشرف عام مركز التراث العمراني في الهيئة العامة للسياحة والآثار في المملكة العربية السعودية في الندوة الفكرية بعنوان (مبنى ومعنى) التي نظمها معهد الشارقة للتراث، ضمن فعاليات أيام الشارقة التراثية الخامسة عشرة، في أبريل من العام الماضي.
أخيراً.. لا بد من التأكيد أن هذه المظاهر وغيرها، تؤكد لنا عمق العلاقات الإستراتيجية بين الإمارات والسعودية، وأنهما على الدوام في خندق واحد، في مواجهة التحديات والمخاطر ومنها مواجهة الغزو الثقافي الخارجي، والعمل على تحقيق الأمن الثقافي، من أجل مصلحة ومستقبل الأجيال، وطموحات الأمة في البلدين في غد مشرق مزدهر، على اعتبار أن الأمن الثقافي هو المسؤول عن حماية قيم المجتمع ومبادئه وعقائده ولغته وتقاليده وموروثه الشعبي وسائر العناصر التي تتشكل منها هويته الوطنية، وهو المسؤول عن حماية الأجيال من الاختراقات الفكرية الهدّامة والدموية المتطرفة، وأن زعزعة الأمن الثقافي قد تكون في كثير من الأحيان هدفا يسعى إليه أعداء الأمة بهدف إضعافها وتمزيقها وتجريدها عمّا يجمعها ويوحدها.

شعراء المليون
سجل الشعراء السعوديون حضوراً كبيراً في برنامج شاعر المليون، خاصة في الدورة الثالثة 2008/‏‏2009، إذ فازت السعودية ببيرق الشعر وبالمراتب الأربع الأخرى، وفيما ذهب زياد بن حجاب بن نحيت ببيرق الشعر، فاز عايض الظفيري بالمركز الثاني، ومحمد آل فارس التميمي بالثالث، وعيدة العروي بالرابع، وفهد الشهراني بالخامس.
ومن يتابع دورات البرنامج منذ انطلاقته في 2006 يجد أن الشعراء السعوديون كانوا دائماً في قوائم الفائزين الخمسة، ففي الدورة الأولى 2006/‏‏2007، فاز تركي عطا الله الميزاني بالمركز الثاني، وعبد الرحمن عادل الشمري بالثالث، ومحمد مريبد العازمي بالرابع. وفي الدورة الثانية 2007/‏‏2008 فاز عيضة السفياني بالمركز الرابع وناصر الفراعنة بالخامس.
وفي الدورة الرابعة 2009/‏‏2010 حلت الشاعرة حصة هلال (ريمية) في المركز الثالث، وجزاء البقمي في المركز الخامس.
وفي النسخة الخامسة 2011/‏‏2012 حصل سيف مهنا السهلي على المركز الثالث، وعلي البوعينين التميمي على الرابع، وعبدالله بن مرهب البقمي على الخامس، وفي النسخة السادسة 2013/‏‏2014 جاء مستور الذويبي في المركز الثالث. وفي النسخة السابعة 2015/‏‏2016 حصل محمد السكران التميمي على الثاني، وعبدالمجيد ربيع الذيابي على الثالث، وخزام السهلي على الرابع.