دنيا

لماذا لم تعد «الأغنية الطقسية» رائجة؟

 هزاع الرئيسي

هزاع الرئيسي

أحمد النجار (دبي)

لا تزال الأغنية الشعبية التي تحتفي بأجواء الشتاء و«شيلات» المطر والغيم واعتدال الطقس الجميل، حاضرة في وجدان المتذوقين من عامة الناس، يرددها الآباء والأجداد كلما شدهم الحنين إلى الأيام السالفة، ليرددوا أهازيج وأغاني شعبية ابتهاجاً بالمطر، وتعبيراً عن فرحة الطقس بكلمات عذبة وشائقة تصف جمال الجو وروعة الغيم ونقاء هوائه وصفاء سمائه. ويردد سعيد مبارك الخاطري 58 عاماً «طاح المطر بيد الله.. كسّر حوي عبدالله»، كلمات وألحان خالدة من التراث، تمثل ملاذاً من لوثة الغناء الجديد الذي أفسد الأذواق والأمزجة، وطمس معالم «الأغنية الطقسية» التي توصف بأنها «أهازيج الجو والمطر» مملوءة بمشاعر الفرح الذي يغسل القلوب ويهذب النفوس تماماً كما يفعل النسيم العليل في تلطيف الخواطر، وكما وقع صوت المطر الذي يبدد ضباب الهموم.
ويحاول محمد بن سيف الشامسي 64 عاماً، أن يستحضر بعض تلك الأغنيات العالقة في ذهنه، ويرددها بشجن، فمنها على سبيل المثال، أغنية «أحب البر والمزيون.. وأحب البدو والأوطان» للفنان ميحد حمد، معتبراً أن هذه الأغنية القديمة تجسد أياماً قديمة من رحلات البر والبحر بالنسبة له، ويصنفها بأنها من أجمل أغاني التراث الإماراتي الذي يحتفي بصفو الجو وبهجته.

أهازيج تحتفل بالجو
الفنان سعيد السالم، رأى أن التراث الغنائي الإماراتي حافل بالأهازيج والقصائد المحتفية بأريحية الجو والمطر، لا سيما إن كان في أجمل حالاته، كما أن هناك أيضاً كلمات تصف حالات الحزن والفراق تعبيراً عن الطقس الحار والجو العاصف، إلا أن الفيض الغنائي المرتبط بالبرودة وكرم السماء بالمطر والغيث والرحمة، يطغى حضوره أكثر في الذاكرة الشعبية، بالنظر إلى ما يضفيه من أثر جميل على صفاء النفوس، وإلى ما يعكسه على الأرض من خضرة وبهاء وإشراقة تفاؤل.

الإقبال واهتمام الجمهور
وانسجاماً مع الفكرة، قال الشاعر علي الخوار، أن كتابة قصيدة غنائية تحتفي بالطقس الجميل، أو تتغنى به أصبح أمراً نادراً، مرجعاً السبب إلى كونها تصنف «أغاني موسمية»، فلا تذاع إلا في وقت يتحسن فيه الجو، فعمر بثها لا يتعدى بضعة أيام في السنة، وبذلك لا تلقى الاهتمام الكبير من الجمهور المقبلين على سماعها، إلا في أيام معدودات يتحسن فيها الجو، وقد يكون من النادر أن تترسخ في أذهان الناس، فالناس ينسونها طوال العام، ولا يتذكرونها إلا في وقت يتحسن فيه الجو. ولدى سؤاله عن نتاجاته الشعرية، بهذا الخصوص، يستحضر الخوار، قصيدة «الجو لندني» التي كتبها قبل عامين، وقد لحنها وقام بغنائها الفنان هزاع الرئيسي ووزعها موسيقياً الملحن إبراهيم السويدي، وقد تم بثها في بعض المحطات الإذاعية في الدولة وتناقلها الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتقول كلماتها: «دندني يا ريح في أذني دندني.. صوتك البارد فقدته من سنة».
عن أسباب غياب هذا النمط من الأغنيات عن الساحة الغنائية، يقول عنها الخوار: «أعطني جواً جميلاً طوال العام أعطك شعراً أجمل» موضحاً أن السبب الأبرز هو عدم تحسن الجو إلا في أيام قليلة في السنة، والسبب الثاني عدم وجود منتج لمثل هذه الأعمال، والسبب الثالث أن مثل هذه الأعمال لا تجد رواجاً في السوق مثل الأعمال العاطفية بحيث تفي بقيمة إنتاجها أو تعود بالربح على منتجها، وكما نعلم أن الأعمال الغنائية مكلفة مادياً، والسبب الأخير الذي يجعل الكتاب والمغنين لا يهتمون كثيراً بمثل هذه الأعمال هو كل الأسباب آنفة الذكر.

«الجو لندني»
وعن تجربته في أغنية «الجو لندني» التي قال إنها لا تزال رائجة على «سوشيال ميديا» لا سيما في فترة اعتدال الجو وهطول المطر في إمارات الدولة، قال المطرب هزاع الرئيسي إنها كلمة دارجة في دلالة على التشبيه بجو لندن البارد، وقال إن فكرتها التقطها من حساب الشاعر علي الخوار في موقعه على «إنستغرام»، وأضاف: «بعد أن شدني بيتان منها، طلبت إليه أن يكمل القصيدة لتكون أغنية «طقسية»، وتحمست كثيراً إلى تلحينها وغنائها، لما تحمله من بساطة ومحاكاة لروعة الطقس والجو». ولم يخف هزاع سعادته لما حققته الأغنية من انتشار واسع، حيث تتم تداولها بكثافة كلما تحسن الطقس وانهمر المطر، وتنتعش مواقع التواصل الاجتماعي بروابط ومشاركات وتعليقات حول أغنية «الجو لندني» التي وصفها بـ«حالة استثنائية» يعتزم تكرارها. وأضاف الرئيسي أن على الكاتب والملحن والمغني اليوم أن يكون معايشاً ذكياً ولاقطاً اجتماعياً للأحداث لترجمتها شعراً أو لحناً أو غناءً، بما يعكس جمال الأجواء التي تحاكي ابتهاج الناس باعتدال الطقس أو هطول المطر.

غياب الفنون الشعبية
أما المطرب والملحن جاسم محمد، فقال إن له تجربة مميزة في الأغنيات التي تحتفي بالطقس، حيث استخدم فيها الإيقاعات الشعبية مثل إيقاع العيّال والحربية وإيقاع عيّالة العين، وفن العازي، ولفت محمد إلى أن تأثير هذه الأغاني بالنسبة للجيل الجديد والقديم يكمن بكونها تغرس روح الوطنية والحماس، مشيراً أن السبب الجوهري لاختفائها عن الساحة الغنائية، يعود إلى جملة من الأسباب، ومنها: حصر الفنون الشعبية الغنائية على المناسبات الوطنية والاجتماعية بشكل كبير، واختفاء دور الجمعيات الاجتماعية في إعداد المواطنين الشباب لهذه الفنون الشعبية وتعليمهم الأساسيات التي تبنى عليها هذه الفنون.
ولفت جاسم إلى أن دور وزارة الثقافة ووزارة التربية والتعليم في النشر والاهتمام بهذه الفنون وإدخالها في المناهج التعليمية بالنسبة للتعليم في المراحل الدراسية، إلى جانب عدم وجود معهد موسيقي أكاديمي معتمد في الدولة يسبب ضرراً كبيراً على مستوى اكتشاف المواهب الإماراتية الشابة وتثقيفهم، أما بالنسبة للجمهور فهو يتقبل أي شيء وهو متذوق واعٍ جداً لهذه الفنون الشعبية، وهذا واضح جداً، كما نراه ونلمسه في المحافل الوطنية والاجتماعية في داخل الدولة.

دور المطرب
وأعرب الملحن الإماراتي خطاف عن تفاؤله بانتعاش هذه الأغنيات التي تحفل بالجو، لا سيما مع توجه كثير من المطربين إلى تجديده وطرحها بقوالب وأساليب لحنية جديدة بأصوات مختلفة وباستخدام الآلات موسيقية حديثة. معتبراً بأنها تحاكي التراث وجزءاً من تقاليد وموروثات الشعب الإماراتي، ووصفها بأن تتسم بكلمات بسيطة وشفافة دون تكلف، وهو ما يشجع إلى عودتها واستدعائها لإحيائها مجدداً.