الملحق الثقافي

ادعوني أستجب لكم

ألفة يوسف

من الأسئلة التي قد يطرحها بعض الناس: لماذا لا يستجيب الله تعالى لبعض الدعاء؟ أوَليس القرآن الكريم يؤكد أنه: «وقال ربكم ادعوني أستجب لكم...» (غافر 40، 60)، أليس القرآن يقرر أنه «إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان...» (البقرة 2، 186).

الحق أن من أبرز أسباب الخلافات بين البشر عدم وضوح المفاهيم، ذلك أن اللغة هي التي تحدد رؤيتنا للعالم. ولا يمكن أن نتواصل عبرها إلا إذا اتفقنا، وإن نسبياً، على بعض الدلالات. فالدعاء مثلًا يفيد معاني متعددة قد تختلف باختلاف السياقات. وقد ذهب بعض مفسري القرآن إلى أن من أبرز هذه المعاني العبادة. وهم يستندون في هذا التفسير إلى قوله تعالى: «إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم، فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين» (الأعراف 7، 194)، فيذهبون إلى أن «تدعون من دون الله» تفيد «تعبدون من دون الله». وإننا وإن كنا نعد هذا التأويل ممكناً، فإنه ليس في نظرنا التأويل الوحيد الجائز، ذلك أن الدعاء قد يكون ضرباً من ضروب العبادة ولكنه ليس كل العبادة التي تتجسم بأشكال مختلفة عبر الشعائر وعبر كل ما يمكن أن يفعله الإنسان من منظور طاعة الله تعالى.
أما المعنى الثاني للدعاء فهو الطلب أو السؤال، وهذا هو المعنى الأكثر شيوعاً، إذ أنه يتلاءم مع مفهوم الاستجابة المتعلقة بمفهوم الدعاء. فالسؤال أو الطلب يفتقران جوهرياً إلى استجابة.

اختلافات وتقابلات
وبهذا المعنى للدعاء، أي الطلب والسؤال، فإنه يمكننا أن نقر منذ البدء بأنه من المستحيل أن تتحقق الاستجابة الآنية لدعاء البشر جميعهم. ذلك أن دعاء الناس سيكون بالضرورة مختلفاً ومتقابلاً، فمصائب قوم عند قوم فوائد، وما أرجوه لنفسي وللآخر بل للكون عموماً قد يكون متقابلاً مع ما ترجوه أنت لنفسك وللغير وللكون عموماً. فمثلًا يمكن أن يكون دعائي الله تعالى بأن يربح فريقي الرياضي المفضل، ويكون في الآن نفسه دعاء «منافسي» بأن يربح فريقه الرياضي المفضل. والاستجابة لهذين الدعاءين أثناء المباراة الواحدة هي استجابة مستحيلة وفق مبدأ الثالث المرفوع الأرسطي، فإما أن يربح فريقي أو أن يربح فريق الخصم أو أن يتعادلا. وفي كل الأحوال لم تتم الاستجابة للدعاءين في آن واحد لاستحالة ذلك. وبغض الطرف عن هذا التدليل المنطقي لاستحالة الاستجابة المطلقة للدعاء بمعنى الطلب، فإن تأملاً إجرائياً بسيطاً في حياتنا وحياة سوانا يؤكد أن هناك بعض الدعاء الذي يتحقق والبعض الآخر الذي لا يتحقق. فكيف يمكن أن نفهم إذن الصيغة التشارطية في قوله تعالى: «ادعوني أستجب لكم»، وهي صيغة تفيد تحقق الاستجابة مطلقاً؟ وكيف يمكن أن نفهم الصيغة التقريرية التي تثبت إجابة الدعاء في حال حصوله استناداً إلى قوله تعالى: «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان»؟ (1)

الاستجابة بالقوة
انطلاقاً من إيماننا بأن قدرة الله تعالى لامتناهية ومطلقة، فإن غياب الاستجابة لا علاقة له طبعاً بالله تعالى جل شأنه، وإنما هو غياب متصل بالدعاء البشري. ويمكن تأويل غياب الاستجابة هذا من ثلاثة أوجه متصل بعضها ببعض.
1 ـ الدعاء تجسيم للعبودية: الاستجابة حاصلة بالقوة
إن وظيفة الدعاء الأساسية لا تتجسم في مضمون الدعاء بل في عمل الدعاء نفسه، وبعبارة أخرى فإن وظيفة الدعاء باعتباره قولًا تتجسم كما يقول اللغويون في العمل المقصود بالقول (acte illocutionnaire) وهو الطلب، لا في المضمون القضوي (contenu propositionnel) وهو موضوع الطلب.
إن العمل المقصود بالقول في الدعاء هو أن يجسم الدعاء باللغة، مهما يكن مضمونه، الإنسانَ سائلاً والله تعالى مسؤولاً، فيثبت موضع كليهما الأصلي بصفتهما مخلوقاً وخالقاً. وهذا ما عبر عنه ابن عربي بمن «يسأل لا للاستعجال ولا للإمكان، وإنما يسأل امتثالًا لأمر الله تعالى في قوله: ادعوني أستجب لكم، فهو العبد المحض». (2)
أما مضمون الدعاء، فإنه يضمر عند البعض مفارقة أشار إليها الرازي في مفاتيحه، مفادها أن «المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع عند الله كان واجب الوقوع، فلا حاجة إلى الدعاء وإن كان غير معلوم الوقوع فلا حاجة أيضاً إلى الدعاء» (3). وهذا التصور يقوم على افتراض التقابل بين مشيئة الإنسان مثلما تتجسم في الدعاء من جهة ومشيئة الله كما تتجسم في الواقع من جهة ثانية. ونحن نرى أن هذا التقابل وهمي إذ أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف ما يشاؤه هو فعلياً. ذلك أن مشيئة الإنسان الظاهرة ليست إلا الوهم المتخيل الذي يحجب مشيئتنا الصادقة أي ما نحتاجه فعلًا، ولا يمكن أن يكشف لنا حقيقةَ ما يلزمنا إلا اللهُ تعالى. وعندئذ نتبين أن دعاءنا يجب أن يكون دعاءً لله كي يكشف لنا حقيقة شوقنا التي نجهلها نحن ويعرفها هو وحده. وهي الحقيقة التي لا يمكن أن نقترب منها إلا بقدر ابتعادنا عن متخيل ذواتنا وعبادة صورنا الوهمية وانتظاراتنا الشخصية الصغيرة. ومن هنا يمكن أن نفهم أن الدعاء مستجاب له بالقوة لأن ما يحصل لنا هو ما يجب أن يكون وإن كنا كارهين له، فعسى أن نكره شيئاً وهو خير لنا (4)، وعسى أن نحب شيئاً وهو شرّ لنا. وهذا الضرب من الدعاء يدخل في غير المعين لأنه يشمل كل ممكن يحدده الله تعالى ويقول له «كن فيكون» (5)، وهو بذلك دعاء مستجاب له بالقوة، فمن ذلك أن يقال: «يا رب أعطني ما تعلم فيه مصلحتي من غير تعيين لكل جزء ذاتي من لطيف وكثيف» (6).
إن هذه المقاربة للدعاء في الاستجابة إليه بالقوة موجودة لدى المسيحيين أيضاً من خلال الدعاء الشهير: «أيها الرب، فلتتحقق إرادتك» (Que Ta Volonté soit faite). والحق أنه لا يبلغ هذا المستوى من الدعاء إلا صفوة من الناس، ذلك أنه دعاء يجعل إرادة الإنسان خاضعة لإرادة الله تعالى، وهو دعاء يستند إلى ثقة مطلقة في الله تعالى. وهو يذكرنا بحكاية شيخ فقد ابنه، فطلب منه بعض خلانه أن يدعو الله تعالى حتى يعود الابن، فأجاب: إن رغبتي في تحقق قضاء الله تعالى في ولدي أكبر من رغبتي في عودته إليّ. ولا يعني هذا الخبر أن الشيخ المذكور يريد الأذى لابنه، ولا يعني أن الابن لن يعود، ولكنه خبرٌ يبين مدى قدرة بعض الناس على أن تكون إرادتهم الخاصة هي فحسب تحقق إرادة الله تعالى فيهم. وهذا شبيه بما يُسند إلى عمر بن الخطاب من أنه قال: «ما أبالي على أي حال أصبحت على ما أحب أو على ما أكره، لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره». (7)

الاستجابة بالفعل
2 ـ دعاء المضطر: الاستجابة حاصلة بالفعل:
يقول الله تعالى: «أمن يجيب المضطر إذا دعاه...» (النمل 27، 62)، وهذه الآية تشير إلى شرط أساسي لتحقق الدعاء وهو الاضطرار. ونحن نرى أن الاضطرار هنا يعني أن الإنسان الداعي يكون في حال افتقار تام إلى مضمون الدعاء. وقد حاول بعض المفسرين تحديد هذا الافتقار بالإشارة إلى نوع الدعاء وحال الإنسان أثناءه استناداً إلى حديث للرسول عليه الصلاة والسلام: «واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ»، فاعتبروا أن من يدعو دون خشوع أو تركيز لا يُقبل دعاؤه، في حين أن دعاء الخاشع مقبول بالضرورة. وذهب الرازي إلى أن الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل النفع عديم الأثر. وإننا لا ننفي هذا التأويل ونراه جائزاً ممكناً، ولكننا نذهب إلى أن افتقار الإنسان إلى الدعاء ليس متصلاً فحسب بشكل الدعاء وطريقته على أهميتهما، وإنما هو متصل أيضاً بحال الداعي، ذلك أن كلمة المضطر، وهي في الآية في صيغة الصفة المشبهة باسم المفعول، ليست محيلة على الدعاء وإنما هي محيلة على الداعي نفسه. واضطرارُ القائم بالدعاء أو افتقاره التام إلى تحقق مضمون الدعاء مما لا يمكن للإنسان أن يحدده، وذلك خلافاً للاضطرار الذي أشار إليه القرآن عند تحديد المحرم من الطعام، وقوله تعالى: «إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه» (البقرة 2، 173). ففي هذه الآية نجد الإنسان لغوياً في وظيفة الفاعل، وهو الذي من شأنه أن يقدر الاضطرار الذي يبيح له ما هو محرم في الأصل. أما في قوله تعالى: «أمن يجيب المضطر إذا دعاه»، فالإنسان في وظيفة المفعول به، ذلك أن الله تعالى هو وحده القادر على تقدير مدى الاضطرار وحدوده بما «يضمن» الاستجابة للدعاء. إنه عزّ وجل وحده يعلم حدود تحمل كل نفس، ولذلك يتكرر في القرآن تأكيده تعالى أنه لا تكلف نفس إلا وسعها (8). فليس التكليف هنا محيلاً على التكاليف الشرعية وحدها، وإنما معناه أرحب وأكثر انفتاحاً دلالياً. إن التكليف يشمل وفق قراءتنا كل ما يمكن أن يصيب الإنسان في حياته. ومن هذا المنظور فإن الله تعالى لا يكلّف النفس إلا ما هي قادرة على إطاقته وعلى تحمله، ولذلك يؤكد القرآن أن الله عز وجل يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر (9). وفي هذا المقام يتنزل دعاؤنا: «...ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به...» (البقرة 2، 286)، فهو دعاء مستجاب له ضرورة لأن الله تعالى وعدنا بأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، ومن ثم فإن الله تعالى لن يحملنا ما هو ليس في طاقتنا وإن توهمنا أنه كذلك (10).
وفي مقام الاستجابة الفعلية للمضطر تتنزل استجابة الله تعالى لدعاء الأنبياء في حال الكرب والهم والألم. فقد استجاب الله تعالى لأيوب عليه السلام: «وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر...» (الأنبياء 21، 83-84). وقد تحققت الاستجابة الفعلية لدعاء يونس عليه السلام أيضاً: «وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه- فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين- فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين» (الأنبياء 21، 86-87-88). واستجاب الله تعالى لدعاء نوح عليه السلام: «ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم» (الأنبياء 21، 76). ونجد نفس الاستجابة ليعقوب إذ «قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنه هو العليم الحكيم» (يوسف 12، 83). وقد تحقق رجاء يعقوب ودعاؤه الله تعالى بعودة يوسف وأخيه.

قراءة مستحدثة
3 ـ الدعاء المطلق: في الحضرة الإلهية
ربما أحال التأويلان السابقان للدعاء على بعض ما قد ذهب إليه بعض من قرأ القرآن، وإن لم نعبر عنه بالأسلوب نفسه وبالشكل ذاته. أما هذا التأويل الثالث، فنزعم أنه قراءة مستحدثة على حد علمنا طبعاً. ذلك أن مفسري الدعاء في القرآن جنحوا إلى اعتبار لفظ الدعاء إما دالاً على العبادة أو دالاً على الطلب والسؤال. وكانت تفاسيرهم كلها مستندة إلى هذين المعنيين. ولم يشيروا إلى لطيفة دلالية في كلمة الدعاء، وهي إحالة الكلمة على المعنى الأول الذي يفيد المناداة أو الدعوة. وهذا ما أشار إليه ابن منظور في لسان العرب، وفي تفسيره اللغوي لما اتصل بجذر (د،ع،و) إذ استشهد بالقول: «يدعون عنتر: معناه يقولون يا عنتر».
إن الدعاء بهذا المعنى هو رديف الدعوة، وهو ما ينسجم تماماً مع الآيتين المذكورتين أول المقال، فهما آيتان لم تستعملا المصدر: «دعاء»، وإنما عمدتا إلى الفعل «دعا»، سواء في قوله تعالى: «ادعوني أستجب لكم»، أو في قوله: «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان». إن الآيتين تؤكدان إمكان أن يدعو الإنسان الله تعالى، وتؤكدان ضرورة استجابة الله تعالى لا بمعنى تحقيق أمنية أو رغبة أو اتقاء مشكل أو مضرة، وإنما بمعنى حضور الله تعالى في كل آن وكل حين كلما دعوناه. ومن هنا فإنه يمكن أن نعتبر أن دعاء الله وذكر الله عبارتان تنتميان إلى الحقل الدلالي نفسه. إن دعاء الله تعالى هو استحضاره في كل حين وهو تأكيدٌ للغاية الوحيدة التي من أجلها خُلق الإنسان. يقول الله تعالى: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» (الذاريات 51، 56). وتتأكد هذه الغاية الوحيدة من الخلق إذ ينظر المرء في حياته اليومية، فالإنسان يُمضي حياته منتقلًا من فعل إلى فعل، ومن عمل إلى عمل، ولكن ما أن يتحقق الفعل، أي فعل، حتى ينفتح على فعل آخر، وما أن تتجسم الرغبة مهما تكن، حتى يجنح المرء إلى رغبة أخرى. وهذا يعني أن الأفعال في ذاتها مهما تكن لا يمكن أن تجيب الإنسان عن جوهر ذاته، وبذلك يظل كل ما يفعله الإنسان عاجزاً عن أن يملأ فراغ نفسه ووحشتها، إلا إذا كانت حياته كلها قائمة على ذكر الله تعالى وإذا كانت أفعاله جميعها لوجه الله تعالى، وإذا كان واعياً أن جوهر حياته هو عبادة الله تعالى أو ذكره أو استحضاره أو دعوته.
لماذا نتحدث هنا عن «دعوة الله» تعالى أو دعائه؟ ولماذا نؤكد أن الاستجابة لهذه الدعوة حاصلة دوماً؟ بكل بساطة لأن المدعو، وهو هنا الله عز وجل، حاضر في كل حين وآن. فـ«ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا...» (المجادلة 58، 7)، إن المشكل هو في الداعي البشري النسبي الذي ينسى أحياناً دعاء الله تعالى، المشكل هو في غياب استحضار الإنسان لله عز وجل. وفي مقابل ذلك، فإنه كلما حصل الاستحضار البشري النسبي، وُجد الله تعالى في حضرته المطلقة، وكلما تذكر الإنسان الله كانت الاستجابة. ويمكن أن نعبر عن الأمر بصورة تشير ولا تمثل، فلا يمكن للمخلوق أن يمثل علاقته مع الخالق فضلاً عن تمثيل الخالق ذاته. هذه الصورة مفادها أن الإنسان إذا كان في غرفة مغلقة ستائرها منسدلة فإنه سيكون في ظلام دامس، ولكنه إذا فتح الستائر وشرع النوافذ وترك نور الشمس يلج الغرفة، فإنها ستكون منارة ضرورة. وبعبارة أخرى، فالنور موجود دوماً، والإنسان هو الذي يختار، واعياً أو غير واع، أن يفتح له نافذة القلب أو أن يغلقها عنه.
إن الإشارة إلى الدعاء وردت ضمن الآية 186 من سورة البقرة في سياق تساؤل البعض عن الله تعالى. «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان». والمتأمل في التركيب يتبين أن «أجيب دعوة الداع إذا دعان» يمكن أن تعتبر عطفاً على صفة القريب بمعنى تعداد صفات الله تعالى من القرب إلى إجابة الدعوة. ولكن الأكثر اتساقاً مع فصاحة اللغة العربية أن تكون إجابة الدعوة تجسيماً لوجه من وجوه القرب لعله الوجه الأساسي. فكأن القرآن يؤكد أن من وجوه قرب الله تعالى أن يجيب دعوة الداع إذا دعاه. إن الشرط أو الظرف في أداة «إذا» يحيل على الإنسان الذي يمكن أن يدعو أو ألا يدعو، أما استجابة الله تعالى فحاصلة مطلقاً لوجوده المطلق. وهذا ما يحيلنا على قوله تعالى: «ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد» (ق 50، 16). إن الله تعالى في هذه الصورة البديعة يؤكد أنه أقرب إلينا من أنفسنا، ولما كان من العبث بل من المستحيل أن ينكر الواحد منا أنه موجود، فمن العبث بل المستحيل أن ينكر أن الله تعالى هو الموجودُ الحق. وكلما استحضر الموجودُ بغيره أي الإنسانُ الموجودَ الحق أي الله تعالى (11) إلا وجده حاضراً مستجيباً. وهذا هو الدعاء الجوهري الذي لا يُرد ولا يُنفى. إنه دعاء مستجاب إليه أبداً لأن المدعو هو الحاضر المطلق الذي لا يمكن أن يكون الدعاء نفسه إلا به.
«ادعوني أستجب لكم»... الله تعالى مستجيب دوماً، فهل نتذكر، نحن البشر، بأن ندعو؟
الهوامش:
1 ـ يقول ابن هشام الأنصاري حول الأداة إذا: «فالغالب أن تكون ظرفاً للمستقبل مضمّنة معنى الشّرط، وتختصّ بالدّخول على الجملة الفعليّة»، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، بيروت، دار الفكر 1985 ص127. وهذا المعنى الشّرطيّ قائم في قوله تعالى: «إذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب أجيب دعوة الدّاعي إذا دعان».
2 ـ محي الدّين ابن عربي، فصوص الحكم، بيروت، دار صادر 2005، ص25.
3 ـ فخر الدّين الرّازي، مفاتيح الغيب، بيروت، دار الفكر 1985، مج3 ج5 ص105.
4 ـ «كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبّوا شيئاً وهو شرّ لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون» (البقرة 2، 216).
5 ـ «إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون» (يس 36، 82).
6 ـ فصوص الحكم، ص 24.
7 ـ أحمد بن محمّد بن حنبل، كتاب العلل ومعرفة الرّجال، الرّياض، دار الخاني للنّشر والتّوزيع، ج1، ص447.
8 ـ «...لا تكلّف نفس إلاّ وسعها...» (البقرة 2، 233) - «...لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها...» (البقرة 2، 286) - «...وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلّف نفساً إلاّ وسعها...» (الأنعام 6، 152) - «والّذين آمنوا وعملوا الصّالحات لا نكلّف نفساً إلاّ وسعها...» (الأعراف 7، 42) - «ولا نكلّف نفساً إلاّ وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحقّ وهم لا يظلمون» (المؤمنون 23، 62).
9 ـ «... يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر...» (البقرة 2، 185)
10 ـ «والتّعجيل بالمسؤول والإبطاء للقدر المعيّـن له عند الله. فإذا وافق السّؤال الوقت أسرع بالإجابة وإذا تأخّر الوقت -إمّا في الدّنيا وإمّا في الآخرة- تأخّرت الإجابة» فصوص الحكم، ص25.
11 ـ «وليس إلاّ افتقارنا إليه في الوجود وتوقّف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه»، فصوص الحكم، ص 20.

استجابات
من قصص الأنبياء، نعرف أن الله تعالى استجاب لدعائهم في حال الكرب والهمّ والألم. فقد استجاب الله تعالى لأيّوب عليه السّلام: «وأيّوب إذ نادى ربّه أنّي مسّني الضرّ...» (الآية). كما تحقّقت الاستجابة الفعليّة لدعاء يونس عليه السّلام أيضاً: «..فاستجبنا له ونجّيناه من الغمّ وكذلك ننجي المؤمنين» (الآية). واستجاب الله تعالى لدعاء نوح عليه السّلام: «ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له..» (الآية). وكذلك تحققت الاستجابة ليعقوب حينما دعا الله تعالى بعودة يوسف وأخيه.

قصة
نتذكر حكاية شيخ فقد ابنه، فطلب منه بعض خلّانه أن يدعو الله تعالى حتّى يعود الابن، فأجاب: إنّ رغبتي في تحقّق قضاء الله تعالى في ولدي أكبر من رغبتي في عودته إليّ. ولا يعني ذلك أنّ الشّيخ يريد الأذى لابنه، ولا يعني أنّ الابن لن يعود، ولكنّه يعني أن إرادته الخاصة، هي أن تتحقق إرادة الله تعالى.