دنيا

الصيام .. زكاة للنفس وتربية على التقوى

أحمد محمد (القاهرة)

يزيد شرف المؤمن وكرامته عند ربه، أن يتوجه الخطاب الإلهي إليه بنداء خاص من بين آيات الذكر الحكيم، فيهديه إلى التي هي أقوم ويرشده إلى خيري الدنيا والآخرة، وفي هذا النداء أسرار وحكم تظهر للمتدبر لكتاب الله عز وجل، فإن نداء الله سبحانه وتعالى: (يا أيُّها الذين آمنوا)، فيه خصوصية الخطاب للمؤمن، وهذه الخصوصية مملوءة بالعناية من الله سبحانه.
ويخاطب الله المؤمنين من هذه الأمة آمرا لهم بالصيام، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، «سورة البقرة: الآية 183»، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع، بنية خالصة لله عز وجل، لما فيه من زكاة النفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة، وذكر العلماء أنه كما أوجبه سبحانه عليهم، فقد أوجبه على من كان قبلهم، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك.

المتدبر للقرآن
وذكر الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر، أن المتدبر للقرآن الكريم‏،‏ يراه يهتم بتعليل ما أمر به أو نهى عنه‏،‏ فإنه يوضح النتائج‏،‏ ولقد ختم الله تعالى، الآية التي تأمرنا بالصيام ببيان الحكمة من هذا الأمر بقوله‏ لعلكم تتقون‏،‏ تصلون إلى درجة التقوى والخشية من الله، فمن أسرار الصيام وآثاره، التربية على التقوى، فإن الله عز وجل لم يشرع العبادة لنتعذب بها، أو يصيبنا منها الحرج والمشقة بالامتناع عما نشتهي، ولكن لحكمة التربية على مراقبة الله في السر والعلن والصبر على ذلك، وأن نترك الشيء لأجله سبحانه، حتى لو كان محبوباً مشتهى في النفوس.
ولا شك في أن هذه الفريضة ترتفع بصاحبها إلي أعلى عليين‏،‏ متى أداها بآدابها وبشروطها‏،‏ ويكفي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «الصوم جنة»، أي وقاية من الوقوع في المعاصي‏،‏ ومن عذاب الآخرة‏،‏ ومن العلل والأمراض الناشئة عن الإفراط في تناول بعض الأطعمة والأشربة‏.‏
والتشبيه في قوله - تعالى - كما كتب على الذين من قبلكم راجع إلي أصل إيجاب الصوم وفريضته‏،‏ أي‏ أن عبادة الصوم كانت مكتوبة ومفروضة على الأمم السابقة‏،‏ ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله‏،‏ إذ لم يرد نص يبين لنا كيف كان صيام الأمم السابقة على الأمة الإسلامية‏، ومن فوائد هذا التشبيه‏،‏ تسهيل هذه العبادة على المسلمين‏،‏ لأن الشيء الشاق تخف مشقته على الإنسان عندما يعلم أن غيره قد أداه من قبله‏، وأيضاً إثارة العزائم والهمم للنهوض بهذه العبادة‏،‏ ولقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم اتباعه الذين يؤدون هذه الفريضة بإخلاص وخشوع ببشارات متعددة‏،‏ منها أن دعاءهم مستجاب، وبأن رائحة أفواههم أطيب عند الله من رائحة المسك‏،‏ وأن لهم باباً في الجنة هو «الريان».

أصل الصيام
وقد كان الصوم بمعنى الإمساك عن الطعام والشراب معروفاً، عند العرب في الجاهلية، فقد كانوا يصومون يوم عاشوراء، ويشمل ظاهر الآية كل من سبقنا من آدم إلى عيسى عليهما السلام، وليس اليهود والنصارى فقط، وأن كل من سبقنا كانوا يصومون، لكن لا يلزم أن يكون صومهم هو نفس صومنا الشرعي، ولا أن يكون فرض عليهم شهر رمضان، وإنما المقصود فرض عليهم أصل الصيام لا صفته، وفي الآية معنى عجيب، فالله خاطبهم بالإيمان، وهذا فيه نوع من إثارة الإيمان بهم وحثهم على السماع والتنفيذ، ثم الإشارة أنه كتب عليهم، لأنه لو كان مسنوناً فربما فرط فيه بعض الناس.