دنيا

«إفطار صائم» وجبات الرحمة في الشهر الكريم

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

ثقافة التطوع وإخراج الصدقات وإفطار الصائمين ثقافة متجذرة في المجتمع الإماراتي، تتكاتف الأيادي البيضاء وتبادر بشتى الوسائل وتترجم في إطلاق مبادرات مبتكرة لإسعاد الفقراء والمساكين، ولا يقتصر ذلك على ميسوري الحال، بل يشارك كل فرد فيها كل حسب قدره وقدرته، ومن المبادرات التي ترسخت في المجتمع ولاقت صدى طيباً وأصبحت تقليداً سنوياً مشروع إفطار الصائم التي تشمل مختلف الإمارات من خلال التعاقد مع عدد من المطاعم لتزويد الصائمين والأسر المتعففة بوجبات إفطار صائم وفق معايير دقيقة للتأكد من جودة الطعام الذي سيقدم للصائمين وتنوع الأغذية في الوجبة الواحدة، وإقامة موائد إفطار الصائمين بالقرب من المساجد أو توزيعها على العمال، وهي مبادرات تلقائية يشارك فيها العديد من المواطنين والمقيمين بالمال والتطوع.
رنا أرمشي شريكة بمطعم تؤكد أنها تستقبل يومياً طلبات الناس الذين يتبرعون بمبالغ مالية لإعداد وجبات إفطار صائم، لافتة إلى أن ثقافة التبرع أصبحت نهجاً في المجتمع، مؤكدة أن أصحاب الأيادي البيضاء يأتون لمطعم مندي البلاد بالخالدية الذي يوفر وجبات تناسب جميع المتبرعين ابتداء من 9 دراهم إلى الأطباق الكبيرة والصواني، حيث هناك من يتعاقد مع المطعم من أجل إخراج عدة وجبات يومياً مقابل مبلغ مالي، وهناك من يطلب أطباقاً جماعية لتقديمها كوجبة جماعية لمجموعة من الصائمين وقت الإفطار، مشيرة إلى أن المطعم يوسّع نطاق خدماته ليشمل خدمات تقديم وتزويد الطعام، مع قوائم شاملة ومتنوّعة تحفل بأطباق متنوعة خلال شهر رمضان.

تنظيم وحسابات
وعن طريقة التعاقد مع مطعم مندي البلاد توضح أن بعد الأفراد يأتون للمطعم بشكل شخصي لتقديم طلب من أجل إعداد وجبات فردية أو جماعية مقابل مبلغ مالي، على أن تتضمن هذه الوجبات الماء واللبن والتمر لتكون متكاملة، بينما يسهر أصحاب المطعم على الجانب التنظيمي والحسابات وإعداد الطعام وتوزيعه، كما يطلبه المتبرعون، ويدفع المتعاقد مبلغاً من المال يومياً أو أسبوعياً أو شهرياً، ويتم استقطاع يومياً جزء من هذا المبلغ حسب الاتفاق حتى تتم تغطية المبلغ المالي، بينما هناك من يأتي للمطعم يومياً ويقدم مثلاً مبلغ 1000 درهم، ويطلب منا توزيعها وقت الإفطار، كما أن هناك من يأتي للمطعم بمجموعة من العمال ليحتفي بهم ويدفع في عين المكان، موضحة أن الوجبات التي يتعاقد عليها يومياً تكفي ما يفوق 500 شخص، موضحة أن جميع المتبرعين يتوصلون بفواتير يوميا وفق ما تم صرفه من مال.
وتشير أرمشي إلى أن المطعم اكتسب هذه السمعة الطيبة من خلال ما يتعامل به من شفافية ونزاهة مع المتبرعين، كما أن موقعه الاستراتيجي بالقرب من أحد المساجد جعل المبادرة تتم في سلاسة تامة، بحيث يتوافد للمسجد مجموعة من الناس المحتاجين، بالإضافة إلى أن هذه المنطقة تضم الكثير من العمال، مما سهل عملية التبرع، كما أن مساهمة المتطوعين الذين يبادرون يومياً ويساعدون في توزيع الوجبات ويفرشون السفرة ويقومون بعملية التنظيم والتنظيف».

عام زايد
من جانبه قال بلال بني يونس من مطعم مندي البلاد بالخالدية إن الحركة الخيرية الإنسانية تزيد في رمضان وتعتمد على الأيادي البيضاء، ويكثر نشاط المتبرعين وأعمال الخير تتعزز في المجتمع، وقد لاحظنا هذه السنة أن هذه المبادرات تضاعفت بالتزامن مع عام زايد، ونستقبل يومياً طلبات من أول يوم في رمضان، فهناك من طلب وجبات فردية وهناك من يساهم في توزيع وجبات بالتضامن، بحيث نجمع المال من مساهمات الناس ثم نعمل على تقديمها على شكل أطباق إفطار يوميا، بحيث هناك من يدفع 5 دراهم وهناك من يدفع 1000 درهم، بدورنا نعمل على تجهيز أطباق فردية وصوانٍ كبيرة، وتحمل هذه المبادرة التي ترسخت بشكل تلقائي طابع خيري في أرض الواقع، وتتعلق بإفطار صائم، وقد بدأنا هذا المشروع بدون سابق تخطيط، واستمر 6 سنوات إلى اليوم، وأصبح تقليداً ومقصداً سواء للمتبرعين أو للفقراء والمحتاجين إلى طعام الإفطار أو للمتطوعين الذين يتوافدون يومياً لمد يد العون والمساعدة لفرش السفرة وتوزيع الوجبات على أماكن الجلوس، بحيث نغطي يوميا أكثر من وجبة 500 شخص، وتقل هذه النسبة خلال نهاية الأسبوع بما يتعادل مع نسبة 10 في المائة.

شهادة تطوع
وتستقطب مثل هذه المبادرات الإنسانية المجتمعية مجموعة من المتطوعين الذي يساعدون في تنظيم الصائمين وتوزيع الوجبات، منهم الأطفال مما يعزز يومياً ثقافة التطوع في المجتمع، إلى ذلك قال بني يونس إن الناس تأتي تلقائياً للمساعدة من الكبار والصغار، منهم الطفل زيد والطفل سيف اللذان دأبا على مساعدتنا يومياً منذ سنتين، مما جعلنا نفكر في تكريمهما على هذه البادرة الطيبة، تشجيعاً لهما على الإقدام على مبادرات أخرى، تعلم الطفل العادات الحسنة وتساعده على تحسيسه بأنه جزء من منظومة متكاملة للتطوع والتبرع وفعل الخير، وبالتالي الوصول إلى جيل مبني على العطاء والكرم والخير.
وينبغي أن ينشأ الأطفال على عادة تقديم المساعدة، ولأن الطفل يتعلم من خلال المشاهدة ومراقبة تصرفات المحيطين به فمن الأفضل أن تكون القدوة حسنة، إلى جانب المبالغ المالية التي يساهم بها الناس لتقديم وجبات إفطار صائم، فإن هناك العديد من المتبرعين الذين يأتون للمكان ويتبرعون بالماء والتمر والبطيخ واللبن والفواكه، بحيث ينخرط الجميع في هذه البادرة الإنسانية.

بذور الخير
تخصيص بعض المال للجمعيات الخيرية ولموائد الرحمن وإفطار الصائمين أصبحت ثقافة متجذرة في المجتمع الإماراتي، وهذا ما أكدت عليه زهرة الزعابي التي تأتي شخصياً إلى المطعم وتقدم 1000 درهم توزيع وجبات إفطار الصائم يومياً، مؤكدة أنها اختارت مطعم مندي البلاد لأنه يقع في موقع استراتيجي بالقرب من أحد المساجد مما يضمن تواجد الناس، كما أن هذا التقليد ساعد وبتلقائية تامة توزع هذه الوجبات التي يتم تناولها في عين المكان، بحيث تمد سفرة طويلة وتوضع عليها الأطباق، وهذا ما يزيدنا سعادة، بحيث نرى الأطباق تتوزع بكل شفافية نزاهة وسلاسة أيضا، وبدأت هذه المبادرة الإنسانية منذ السنة الماضية، وتضيف: «نحن نسير على خطوات والدنا المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، هو من زرع بذور الخير، فما نعمله ما هو إلا جزء بسيط مما كان يعمله، كما أن فعل الخير أصبح جزءاً من حياتنا ومجتمعنا وبه نشعر بالتكافل والتراحم والترابط مما يزيدنا سعادة.

إطعام الطعام
يؤمن الكثير من الناس أن أفضل الصدقات إطعام الطعام مصداقا لقول رسلونا الكريم، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «خِيَارُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ»، (رواه أحمد)، من هؤلاء إكرام المدني التي دأبت على التعاقد مع أحد المطاعم منذ أكثر من سنتين خلال شهر رمضان، مؤكدة أن الشهر الكريم تشيع فيه روح المحبة والتآخي والتراحم ومن هذا الباب تسعى جاهدة كباقي أفراد المجتمع أن تسعد المحتاجين ولو بشيء بسيط مؤمنة بأن الصدقة تقرّب الإنسان من ربه وخالقه، كما أنها تصد الأذى عن المتصدق وأهله وأولاده، ناهيك عن أن الإنفاق والتبرع يشعرانني بطاقة روحانيّة عجيبة، فليس هناك أجمل من أن يهب الإنسان لغيره ما هو بحاجة ماسّة إليه، ولا أقوم بهذا الفعل داخل شهر رمضان فحسب، بل خلال السنة كاملة ترحماً على والدي ووالدتي أيضا، وبخلاف ذلك، فإن الصدقة تظهر مقدار الحب والتعاون المنتشر في المجتمع، فالمناطق التي تكثر الصدقات فيها يكون مقدار المحبّة فيها أكثر، وتنتشر فيها أواصر التآخي وهذا ما نلمسه في الإمارات، فلا نكاد نمر من مكان إلا ونصادف الخيم الرمضانية والمبادرات الفردية، فالتصدق أصبح ثقافة في مجتمع الإمارات وتجربة قل نظيرها في الكثير من المجتمعات».

توزيع الوجبات
أكد المدني أحمد أنه اعتاد على التعاقد مع أكثر من مطعم خلال شهر رمضان لإخراج صدقة إطعام صائم، وذكر أنه يفضل الوقوف بنفسه وقت توزيع الوجبات للتأكد من وصولها لأصحابها، مشيراً إلى أنه يقدم مبلغاً مالياً كل يوم لأحد المطاعم ويتفق معه على وجبة 11 درهماً، بحيث يقدم يومياً 20 وجبة طوال شهر رمضان، على أن توزع على عمال النظافة وبقية المساكين الذين يأتون للبحث عن مثل هذه المبادرات في هذه الأماكن، وعن الهدف من مبادرته قال إنها تمثل جزءاً من المسؤولية المجتمعية كما أنها صدقة لأولاده ورحمة لوالديه المتوفين».

إفطار جماعي
لا يقتصر التعاقد مع المطاعم على إخراج حصة طعام يوميا خلال رمضان قبل أذان المغرب، بل هناك من يتعاقد مع المطعم في إطار مبادرة إنسانية بحيث يعمل على إحياء حفل إفطار لمجموعة من العمال في شركة معينة، من هؤلاء أم محمد والتي رفضت ذكر اسمها بالكامل، إيماناً منها أنها لا تقوم بهذا الفعل رياء، بل رغبة إدخال السعادة على هذه الفئة من العمال، حيث لفتت إلى أن فعل الخير الذي أصبح ملاذها، يدخل عليها السعادة ويشعرها بالإيجابية، مؤكدة أنها تعاقدت مع أحد المطاعم الشعبية ونظمت حفل إفطار جماعي لبعض العمال.