رأي الناس

طيف السعادة

خلف الوجوه الأنيقة التي تعبر حياتنا أو نلمحها في دروبنا ألفُ ألف حكاية.
الأشخاص الذين ننبهر بهم، أو نتأثر بمسيرتهم يحملون في جعبهم آلاف القصص التي لا ندري عنها شيئاً.
لكل منا أسطورته الخاصة وبطولة يعيشها في رواية ما.
لكل واحد منا رصيد من السعادة والفرح، ولكل منا أيضاً حزمة من الخيبات والفشل ونصيب من الحرمان والألم.
كل واحد منا له أزمنة رمادية لا تشفيها إلا العزلة الماطرة لساعات وساعات في محراب العزلة...
كل شخص له أسرار لا يكشفها إلا لنفسه خلسة في حُلم عابر أو في لحظة غفوة أو في لحظة سهو من الوعي! لكل منا مشاريع فرح قيد الإنجاز، أحلام يافعة قيد النمو، استكانات تفرضها علينا اهتراءات العزيمة.
ولكل منا جزء حزين في ثنايا القلوب وأفراح تزهر على جنبات الجراحات القديمة.
لكل منا مساحات يسكنها الحب والأمل وحكايات تستحق أن تُعاش وتستحق المثابرة، حكايات تستحق أن نختار لها نهايات تليق بسعينا، تليق بالأحلام التي راودتنا ربما ذات ظهيرة على إيقاع براءة طفولة غادرتنا باكراً.
نهايات تليق بالأحلام التي تراءت لنا ذات مساء في غفوة من الزمن: الأجدر بنا أن نحسن النهايات، أن نختارها ونجعلها كما نحب لأن البدايات لا نختارها دائماً، بالأحرى لا نعي بالضبط متى تكون البداية إلا عندما نجد أنفسنا وسط الطريق.
لا وجود لحياة مثالية ولا أحد يعيش سعادة مطلقة! ما قد يبدو لنا من كمال أو شبه كمال في حياة الآخرين مجرد وهم نابع من عدم الرضا عن حياتنا، تماما كما تبدو لنا نواقص حياتنا، نستعظمها لدرجة أنها تطغى وتجعلنا لا ننتبه للجمال في حياتنا، لمواطن الفرح والسعادة فيها.
رغبتنا في الحصول على ما يملكه الآخرون قد تعمينا عن النعم التي من فرط تعودنا عليها لم نعد ننتبه لها.
آه فقط لو كنا نعلم نواقص حياة الآخرين لما تمنينا أبداً تبادل الأدوار معهم، لما غبطناهم! واه لو كنا نعلم فقط كم هي جميلة حياة أولئك الذين نشفق عليهم خلسة ظنا منا بأن حياتنا أفضل من حياتهم: قد يملك هؤلاء ما لا نملكه، بل قطعا يملكون أو سيملكون أشياء جميلة لا نملكها! لقد خُلق كل واحد منا ليكون فريداً!
الحياة عادلة تماماً، وبطريقة تناسبية عجيبة، ليس من السهل تَلمّسها..
وحده الإنسان من قد يكون غير عادل مع نفسه، وحده الإنسان لا يرحم نفسه! نحن من نتجاوز الأفراح الصغيرة التي تنمو حولنا، لا نهتم بها ولا نرعاها، نتغافل عنها منشغلين بسراب أفراح تلوح على ضفاف الأفق، أفراح مزيفة كلما اقتربنا منها اكتشفنا أننا كنا ندوس على قطع من ذواتنا كانت مشروع نجاحات كبيرة.
اكتشفنا زيف جمال السراب وحجم مكره الأخاذ! يكفي فقط فقد لنعمة البصر أو لنعمة السمع مثلًا لكي تستفيق البصائر لنعي مدى سمك الحجاب الذي منعنا من الاستمتاع بما لدينا وانشغالنا برسم تفاصيل أشياء قد تكون أو لا تكون… حينئذ فقط نكتشف أننا لم نكن مجرد قصص حزينة تعيش على هامش الحياة، بل كنا حياة تضج بالحيوات.
نكتشف أننا كيانات يمكنها أن تُفَصّل الفرح على مقاسها ولا ضير إن فَصّلنا الفرح أحياناً على مقاسه ولو كان ضيقاً علينا.
كلُّ ما يهم هو أن نَكْسو كل ثنايا وجودنا بلون من أطياف القناعة والفرح والرضا بما نحن عليه.
أن نبحث عن نور السعادة في دواخلنا وفي غيابات أرواحنا، أن نلمسها في كل تفاصيلنا...
حينها فقط لن تتوقف القلوب عن الرقص على إيقاع الحياة المتزن ولن يخفت وهج السعادة التي أضناها الشوق للعودة إلى المهج.
نبيلة مسعودي - أبوظبي