ثقافة

أربعة فنانين يمثلون الماضي والحرب والهجرة والطبيعة في بدائيتها

من أعمال آنا بوغيغيان (من المصدر)

من أعمال آنا بوغيغيان (من المصدر)

عصام أبو القاسم (الشارقة)

نظمت مؤسسة الشارقة للفنون منذ منتصف شهر مارس الماضي، وبالتوازي، أربعة معارض لأربعة فنانين عرب هم: العراقي لطيف العاني (1932)، والمصرية آنا بوغيغيان (1946)، والإماراتي محمد أحمد إبراهيم (1962)، والجزائرية زينب سديرة (1963). وتوزعت هذه المعارض التي تنوعت معروضاتها وأساليبها الفنية، على صالات المؤسسة بمقرها الكائن بمنطقة قلب الشارقة، إضافة إلى بيت السركال، وهي مجتمعة تختتم 16 يونيو.
وفيما يلي نقف على أبرز ماطرحته المعارض من أفكار ورؤى.

العاني: ريادة التوثيق بالصورة
تحت عنوان «عبر الكاميرا: 1953 ـ 1979»، جاء معرض المصور لطيف العاني، مقدماً 70 صورة عكست ملامح مختلفة من رحلة انتقال بلاد الرافدين إلى مرحلة التمدن والتحديث في الفترة الممتدة من خمسينيات القرن الماضي إلى سبيعيناته. الأرجح إن العاني ما كان ينتظر أن تكتسي أعماله قيمة فنية وثقافية يفوق نطاق جغرافيتها المحلية، كما هو حالها في الوقت الراهن، فلقد كان ينجزها في إطار عمله بمجلة كانت تصدرها شركة النفط العراقية، ثم مع وزارة الثقافة ولاحقاً في وكالة الأنباء العراقية، كانت صوراً توثيقية وإعلامية طُلب منه التقاطها لأغراض مهنية تتعلق بتقارير الأداء وسط إداريي المؤسسات التي كان موظفاً بها، إلا أن التحولات التي شهدها العراق ما بعد 2003 وتداعيات الحرب التي خلّفت دماراً واسع النطاق، وأتى على المشهد المديني بأكمله منح صوره التي حافظ عليها، معنى خاصاً، فلقد بدت كذكرى شجية لعراق واعد ومتطلع كان يبني نفسه في تلك الأيام، مفعم بالآمال والتطلعات، كما بدت كشيء عزيز ونادر كان لأحدهم الفضل في إنقاذه من كل تلك الأهوال التي مر بها العراق في السنوات الأخيرة.
حاز العاني جائزة الأمير كلاوس الهولندية سنة 2015 تقديراً لريادته وتثميناً لجهده التوثيقي، كما عرضت أعماله باعتبارها تذكاراً لمرحلة ذهبية من تاريخ العراق، في بينالي فنيسيا وفي لندن وانتشرت على نحو ملحوظ في العديد من الوسائط الإعلامية الغربية وأنجزت حولها العديد من القراءات.
العاني، الذي توقف من تلقاء ذاته عن التصوير أواخر السبعينيات، كان عليه، على أيام نشاطه، أن يوظف كاميرته لتعكس تحولات الحكم في العراق؛ فصوره تترجم الرسالة الايديولوجية للدولة في عهودها المختلفة، ففي ما بعد 1958، رصد العاني المصانع وحقول الزراعة وحراك الطبقة العاملة، وفي عهد القومية العربية، ما بعد 1963، وثق الاحتفاليات الخطابية والرموز الوطنية، إلخ.. وبحكم عمله، تنقل بكاميرته في العديد من المدن العراقية، كما أتيح له أن يلتقط أولى الصور لبغداد من الجو حين طلب منه إنجاز دعاية لطائرة جديدة اشترتها الحكومة العراقية.

السديرة: أفلام الهجرة والهوية
ويحيلنا معرض فنانة الفيديو والصور، الجزائرية زينب السديرة، في جانب منه، إلى سردية تشبه حكاية المصور العراقي، فثمة عملها الموسوم بـ«حارسات الصور» (2010) والذي يستعيد قصة المصور الجزائري محمد القواسي عبر بعض أعماله وشهادة لزوجته التي تعتبر حارسة أرشيفه، عبر شاشة الفيديو. والقواسي وثّق وقائع الثورة التحريرية الجزائرية (1954 إلى 1962) ويعتبر من رواد التصوير في بلده.
تحت عنوان «شؤون جوية: هراء بحري»، نُظم معرض السديرة، وهو من تقييم الشيخة حور القاسمي، رئيسة مؤسسة الشارقة للفنون، وهو يضم إلى جانب الأعمال المنجزة سابقاً للسديرة مجموعة من الأعمال الحديثة التي كلفتها بإنجازها مؤسسة الشارقة للفنون، مثل «قصة حطام السفينة» الذي يصور دور القوارب الخشبية التي سهّلت التجارة من داخل منطقة الخليج العربي وخارجها، وساعدت في تشكّل الأماكن من خلال حملها البشر والبضائع والثقافات عبر البحر، ذهاباً وإياباً.
للقوارب مكانتها المميزة في ذاكرة الفنانة المقيمة في بريطانيا؛ فهي كانت وسيلة أمها وأبوها للهجرة من الجزائر إلى فرنسا عبر البحر، وهي أيضا استعانت بالمراكب في هجرتها، ومن هنا كان استلهامها، في مقارباتها الفنية لوسيلة النقل هذه، بمثابة تمثيل بصري وصوتي متعدد ومتنوع، لما خبرته من شؤون ومخاوف وشجون الانتقال والهجرة والهوية.
ومن البحر إلى الفضاء ينقلنا عملها الفيلمي «شؤون جوية» (2018 ـ بتكليف من المؤسسة) وتحديداً إلى منطقة الخليج ومطارها الأول، إذ تستعيد سديرة عبر هذا العمل، من خلال بعض المواد الارشيفية كالصور والخرائط والعناصر المتحفية، سيرة مطار الخطوط الجوية البريطانية الذي أنشئ في منطقة المحطة في إمارة الشارقة في أكتوبر من عام 1932.

بوغيغيان: أشعار وتشكيلات
وفي بيت السركال التراثي، استضافت المؤسسة معرضاً استعادياً، بلا عنوان، ضم العديد من الأعمال التي أنجزتها الفنانة الأرمينية المصرية آنا بوغيغيان، خلال تجربة فنية تمتد لأكثر من أربعة عقود. لوحات وأعمال تركيبية وصور فوتغرافية وكتب، هذا ما ضمه المعرض الذي جاء بتقييم الشيخة حور القاسمي رئيسة المؤسسة وكارولين كريستوف-باكارغيف مديرة متحف كاستيلو دي ريفولي للفن المعاصر.
ويبدو واضحاً في أعمال بوغيغيان المتنوعة تتبعها لتجارب أدبية وفلسفية من الشرق والغرب لمبدعين ومفكرين من أمثال قسطنطين كفافيس، وأحمد شوقي، ورابندرانات طاغور، وفريدريك نيتشه، وتعمد إلى تمثيلها وتجسيدها، عبر اللون والتكوين والصور. كما تستهلم بوغيغيان مرئيات رحلاتها وأسفارها عبر القطار في مدن ومجتمعات متعددة ثقافياً، مثل الهند ونيبال، تلويناً وكتابةً.
ومن بين الأعمال التي ضمها المعرض ثمة عملها البارز: «تجار الملح» (2015)، المكونة من 8 هياكل خشبية، إضافة إلى 144 إطاراً و76 رسمة و30 خلية نحل ورمل، ملح، حوض سمك، صخور ملحية، شراع مطوي، وشراع مع خريطة، شراع أحمر، وقارب، فهو بمثابة قصة مصورة عما مثله ويمثله ملح الطعام، فالعمل يثير في ذهن متلقيه العديد من الذكريات الثقافية والسياسية والاقتصادية والعرقية والصحية المتعلقة بمعرفة وتوظيف البشر للملح.
وفي أعمالها الأخرى مثل «مسرحية للعب» (2013) (متأسسة على أعمال الشاعر رابندرانات طاغور) و«السمفونية غير المكتملة» (2011 ـ 2012)؛ وسلسلة رسومات «شاعر على حافة التاريخ» (قسطنطين كفافيس) (1995 - 2017)؛ ومجموعة كبيرة من الكراسات المصورة (1981 ـ حتى تاريخه)، تظهر بوغيغيان مثابرتها في لملمة وتخليق أعمالها المتداخلة مع ضروب إبداعية شتى، والمتشكلة بخليط من الخامات والأدوات والمنجزة بحلول تقنية دقيقة.

أعمال محمد إبراهيم التركيبية.. نشيد في مديح عناصر الطبيعة الأولية
أما معرض الفنان الإماراتي محمد إبراهيم الذي جاء تحت عنوان «عناصر»، وهو من تقييم الشيخة حور القاسمي، فيقدم لأعمال الفنان على مدى ثلاثة عقود من مسيرته الفنية، متضمناً لوحاته ورسوماته ومنحوتاته وأعماله التركيبية، إضافة إلى أعمال توثّق اكتشافاته الواسعة في «فن الأرض». أعمال إبراهيم التركيبية التي يوظف فيها مجموعة واسعة من الأغراض والأصباغ والأشكال، هي بمثابة نشيد في مديح عناصر الطبيعة الأولية والبسيطة والبدائية، والتي لا تكاد تلفت النظر، يجمعها إبراهيم ويداخل بينها في تكوينات موحية وألوان غنية وتراكيب معقدة عاكساً عبرها قوة طبيعة وحيوية بيئة خورفكان على وجه الخصوص.
ويشتمل المعرض على تنويعات إبراهيم الفنية، ويتتبع القضايا الجمالية والمفاهيمية المتداخلة مع ممارسته الفنية، مثل استخدامه لـ«التباديل» ومشاغله المتعلقة بملمّات الطبيعة وزوالها جراء التنمية الحضرية، وليتجلى ذلك في مختلف مشاريعه الفنية الأرضية والأدوات التي ينتجها، ما يوّلد أفكاراً على اتصال بالبدائية.