صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

ثناء على الكُتّاب المنحوسين

عندما نتحدث عن الأدباء الكبار نحن نعتقد عموماً أنهم كانوا سعداء يعيشون حياة رغيدة ويستمتعون بأضواء الشهرة والمجد. وربما اعتقدنا أنهم ما أصبحوا كباراً إلا لتفوقهم في نظم الشعر والقوافي أو سرد الروايات الرائعة، ولكننا ننسى شيئا آخر هو الأكثر حسماً وأهمية: إصابتهم بمرض شخصي أو بفاجعة حقيقية هي التي دفعتهم دفعاً لأن يصبحوا عباقرة. ولذا فلا يمكن التحدث عن هؤلاء العباقرة دون ذكر الجراحات الشخصية. فالواقع أن هذه هي التي تجعل منهم كتاباً كباراً. قد تختلف هذه الجراحات والفواجع من كاتب إلى آخر ولكن هناك جرحا ما، جرح حقيقي غائر في الأعماق والأقاصي، جرح ينزف باستمرار.. هذا ما نفهمه من ذلك الكتاب الذي أصدره مؤخراً النجم التلفزيوني الفرنسي اللامع باتريك بوافر دارفور.

كرس دارفور لهؤلاء العباقرة المفجوعين بألف شكل وشكل كتاباً ممتعاً بعنوان: ثناء على الكتاب المنحوسين. وقد استعرض منهم على مدار الصفحات قصة ما لا يقل عن ثمانين كاتباً عركتهم الحياة، أو نبذهم المجتمع، أو لم يحالفهم الحظ في الوجود. نذكر من بينهم، على سبيل المثال: شارل بودلير، أنطونين آرتو، صموئيل بيكيت، دوستويفسكي، غارسيا لوركا، كافكا، لوتريامون، غي دو موباسان، جيرار دو نيرفال، نيتشه، نوفاليس، ادغار آلان بو، فيرلين، فيرجينيا وولف، وستيفان زفايغ، الخ.. بالطبع لن نستطيع التحدث عنهم جميعاً في هذه العجالة، وأنما سنكتفي بالتوقف عند بعضهم.

آرتو
البداية كانت سعيدة بالنسبة لهذا الكاتب الذي سيلخص في شخصه لاحقاً كل آلام العصر وفواجعه. فقد ولد في أحضان عائلة غنية أحبته وراعته وأحاطته بكل أنواع العناية والاهتمام. ولكنه منذ سن الرابعة أصيب بمرض عصبي عجيب ونادر وابتدأ الكابوس. ولم تنجح كل أنواع العلاج في إنقاذه. فراح يصارع الأشباح النفسية التي تريد القضاء عليه أو هكذا يتوهم. ولكن على الرغم من كل ذلك فقد نبغ في الشعر والمسرح. كل شيء يحصل كما لو أن الطبيعة تحرمك من شيء لكي تعطيك شيئا آخر. يقول المؤلف: كل حياته كانت سلسلة من الفواجع والأمراض والصدمات النفسية. لقد سجنوه في المصحات العقلية طيلة قسم كبير من حياته ومع ذلك استطاع أن يبدع في الشعر والمسرح. وكان يشعر أن هذا الإبداع هو الحل الوحيد والخلاص الذي ينقذه من أزماته النفسية المتفاقمة. قد ترعبنا آلامه المبرحة ولكننا نحب إبداعه، جنونه الخلاق.. لقد دخل في الأدب كما يدخل آخرون في سلك الكهنوت والدين المسيحي. وقد اعترف في إحدى اللحظات بهذا الكلام الهام: أعاني من مرض روحي ونفساني رهيب. أنا تحت نفسي، هذا ما أعرفه، ولكني أقبل بكل هذا العذاب لكي لا أموت كليا.
ولكن أنطونين آرتو لم يمت من جنونه كما تصور. ولم ينتحر إطلاقاً. وإنما مات من السرطان. لكأنه لا تكفيه كل هذه العذابات والفواجع حتى ينضاف إليها مرض السرطان! شيء عجيب فعلا لا حظ له في الحياة. إنها حياة مشكلة من سلسلة متلاحقة من الكوارث ولكن مضاءة من وقت لآخر من قبل بعض أعظم نصوص القرن. حقا لقد دفع أنطونين آرتو ثمن إبداعه غالياً. ومن بينها كتابه الرائع عن قرينه في الإبداع والعذاب الرسام الهولندي الشهير فان غوخ. فقد كرس له كتاباً من أروع ما يكون بعنوان: فان غوخ المنتحر من قبل المجتمع. وليس المنتحر من تلقاء ذاته. المجتمع هو الذي نحره أو قتله مثلما قتل آرتو ذاته. المجتمع قد يجننك أيضاً إذا ما اعتبرك شاذاً خارجاً عن مسلك القطيع. يقول فيه هذه العبارة: لم يكتب أحد ولم يبدع رسماً أو نحتاً أو فناً إلا لكي يخرج من الجحيم.

دوستويفسكي
اسمحوا لي أن أنتقل الآن إلى مجنون آخر لا يقل عبقرية وعظمة إن لم يزد أضعافا مضاعفة: إنه فيدور دوستويفسكي. في السابعة عشرة من عمره كتب رسالة إلى أخيه يقول فيها: «عندي مشروع كبير: أن أصبح مجنوناً. ليتدبر الناس أمرهم، ليعالجونني إذا استطاعوا، ليحاولوا أن يعيدوا إليّ العقل». لماذا كتب دوستويفسكي هذا الكلام في مثل هذه السن المبكرة؟ هل كان يرهص بما سيحصل له بعد عشرين سنة عندما حكم عليه بالإعدام ثم عفى عنه القيصر في آخر لحظة قبل إطلاق النار بثوان؟ هل كان يدرك بشكل لاواعٍ أنهم سيرسلونه إلى مكان التعذيب في سيبيريا حيث سيقضي أربع سنوات من الجحيم؟ من المعلوم أنه بعدئذ أصيب بداء الصرع أو ما ما يدعى مرض النقطة. وهو مرض كان يصرعه أرضاً عندما يجيئه. ولكنه لم يصبح مجنوناً فقط وأنما أكبر عبقري في تاريخ الآداب الروسية ربما باستثناء تولستوي. يضاف إلى ذلك أن هناك سببا آخر لجنون دوستيوفسكي الإبداعي الخارق هو: أنه كان طيلة الوقت مشغولا بالسؤال الميتافيزيقي الأعظم: من أين جئنا، والى أين المصير؟ وهل الله موجود أم لا؟ إذا لم يكن الله موجودا فكل شيء مباح. هل يعقل ذلك؟ هذا السؤال سوف يشغله على مدار كتبه ورواياته ولن يتركه يهدأ لحظة واحدة حتى وصل إلى بر الأمان، إلى الإيمان بالله عز وجل. كان يتساءل: وماذا لو كانت السماء فارغة والله غير موجود؟ ألن يصبح العالم عندئذ تراجيديا لا عزاء فيه. ألن يدفعنا دفعا إلى الجنون؟ وحده الإيمان بالله ينقذنا ويخلصنا.
يقول المؤلف ما معناه:
عندما نغطس في سيرته الذاتية ومؤلفاته العظيمة، الضخمة، الهائلة، فإننا نقتنع فورا بجنونه. لا يمكن أن يكتب مثل هذه الروايات العبقرية شخص طبيعي. لا نجد فيها إلا الأهواء الجامحة المتفاقمة، والعنف، والسوداوية. لا نجد فيها إلا تصويرا للبشرية على هيئة مرعبة، وسخة، دنيئة، خسيسة، مشجية، رائعة، في غاية السمو. كل ذلك دفعة واحدة. ينبغي علينا الاعتراف: دوستويفسكي هو عملاق الأدب العالمي وليس فقط الروسي. ولكنه على المستوى الشخصي إنسان غريب الشكل، هوسي، هائج، متصوف، غارق في ملكوت الله. إنه يشعر بوجود الله في داخله، هذا شيء مؤكد. ولكنه في ذات الوقت يشعر بوجود الشيطان: هذا الشيطان اللابد، الكامن، المتربص، في أعماق روحه، أو في الطبقات السفلية لشخصيته. وهذا الشيطان قد يتخذ شكل الشك الذي ينهشه نهشاً من الداخل ويجعله يشك بوجود الله مجدداً بعد طول إيمان. لقد كان دوستويفسكي شكاكاً وظل طيلة حياته رجلاً قلقاً إلى أقصى حدود القلق. إذا كان الجنون تصرفات خارجة على المعايير المشتركة، إذا كان هيجانات مفرطة، مبالغات قصوى، هلوسات خارقة، عذابات هائلة، فان دوستويفسكي كان مجنوناً من دون أدنى شك. ولكنه جنون العباقرة الخلاقين لا جنون الأشخاص العاديين. كل روايات دوستويفسكي كانت عبارة عن مرايا تعكس له جنونه، ولكنها اليوم تعكس لنا عبقريته.
ثم يردف المؤلف قائلا: أنا شخصياً أعتبر رواية «الجريمة والعقاب» بمثابة أعظم رواية في التاريخ. لقد كتب هنا دوستويفسكي رائعة أدبية مطلقة تخترق القرون. أنها رواية تدوخك تماما بكل بساطة. أكاد أقول: إنها رواية «بوليسية» لا نظير لها في تاريخ الآداب العالمية. ولكن دوستويفسكي في النهاية يظل إنسانا من أروع ما يكون. وذلك لأنه كان حساسا جدا للألم البشري ويشعر بتعاطف هائل مع المعذبين والمسحوقين. صحيح أنه أمضى حياته في حالة تجاذب بين الله والشيطان ولكن الله انتصر في نهاية المطاف. والدليل على ذلك روايته العبقرية: الأخوة كرامازوف.
في 8 يناير من عام 1880 ألقى دوستويفسكي خطابه الشهير بمناسبة مرور مائة عام على موت - أكاد أقول استشهاد - شاعر روسيا الأعظم بوشكين. وقد ختمه بالقول: «لقد مات الشاعر في أوج قواه ونضجه وإمكانياته وحمل معه إلى القبر سراً كبيراً. وها نحن الآن مدعوون لأن نسبر هذا السر بدونه». وبعد أن انتهى من إلقاء الخطاب هجم عليه الجمهور لكي يقبل يديه وركبتيه. وراحوا يصرخون: هذا هو النبي، أنه نبي روسيا. وتساقطوا على قدميه تبجيلاً وإعجابا لا حدود له. وكسف كل أدباء روسيا الحاضرين ومن بينهم تورغنييف.
وفي الختام يقول المؤلف: لم يعد دوستويفسكي كاتباً مداناً ولا ملعوناً بعد أن حاز نهائياً على روح البشر وعقولهم. وبعد القرن العشرين الذي شهد انتصار البربرية النازية والفاشية ربما سيكون القرن الحادي والعشرون مختلفاً. ربما سيكون قرناً دوستويفسكياً: أقصد أخوياً وإنسانياً بالمعنى الرائع لكلمة النزعة الأخوية والإنسانية. فقد كان في أعماقه إنساناً من أعمق ما يكون.

نيتشه
أخيرا اسمحوا لنا أن ننتقل بكم إلى شخص آخر أكثر جنوناً بكثير، وإن لم يكن أكثر عبقرية ولكنه لا يقل. انه شخص تجاوز كل حدود المعقول واللامعقول وقلب كليا في الجهة الأخرى من سفح الجنون. انه الفيلسوف العبقري والشاعر العظيم فريدريك نيتشه. ومعلوم أنه أمضى السنوات العشر الأخيرة من حياته فاقدا للوعي حتى مات عام 1900. فماذا يقول عنه مؤلف هذا الكتاب الممتع باتريك بوافر دارفور؟ انه يقول ما معناه: إن نيتشه هو بالإضافة إلى كافكا ودوستويفسكي أحد أعظم كتاب العصور الحديثة. انه ليس فيلسوفا ضخما فقط وإنما كاتباً ضخماً أيضا. لقد جمع المجد من طرفيه. وقد كان منحوسا كسواه من العباقرة. فقد مات أبوه وهو في الخامسة فقط. ثم مات أخوه الصغير بعد عام واحد من ذلك التاريخ. ثم أصبح شبه أعمى وهو في الثلاثين فقط. وأخذ يعاني من صداع رهيب في الرأس. ولكن كل هذه المشاكل والمصائب لم تمنعه من إصدار رائعته الفلسفية والأدبية الأولى، ولادة التراجيديا، عام 1872 وهو في الثامنة والعشرين فقط! ولكنه سقط صريع المرض بشكل خطير عام 1879 فأصدرت الجامعة قراراً بإعفائه من التدريس وهو في الخامسة والثلاثين. وعندئذ ابتدأ حياة التشرد والتيه على الطرقات والدروب... وراح يغادر ألمانيا كلياً تقريباً باحثاً عن الشمس والدفء لتهدئة أمراضه العديدة في مدن الجنوب الأوروبي: كالبندقية، ونابولي، وجنوة، وتورين، ونيس، الخ.. وكان يمشي ساعات وساعات وحيداً بلا أنيس ولا رفيق وبالأخص رفيقة. كان يحاول تهدئة شياطينه الداخلية لكي لا تفتك به أكثر فأكثر. «قل أعوذ برب الناس من شر الوسواس الخناس». وذلك لأن العباقرة يعانون من هواجس نفسية مقلقة لا يعاني منها الناس العاديون الطبيعيون عادة. ولكن ذلك لم يمنعه من تأليف عدة كتب أحدثت ثورة راديكالية في تاريخ الفلسفة. وقد توجت بكتابه الشهير هكذا تكلم زرادشت. ثم سقط صريع الجنون عام 1889 وهو في الخامسة والأربعين فقط. ولكنه في لحظة صحو نادرة قال لأخته إليزابيت: ألم أكتب كتبا جميلة؟
يقول المؤلف مختتما: نيتشه لم يكتب فقط كتباً جميلة وإنما قدم لنا كتباً رائعة لكي تقودنا على طريق الصعود الطويل والصعب نحو السوبرمان: أي نحو الإنسان الأعلى الذي يتجاوز الإنسان الحالي بكل نواقصه ونقاط ضعفه. وربما أزف ذلك في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين. ربما اقترب موعد تنفيذ مخطط نيتشه. وعلى أي حال فقد كان أحد كبار الشخصيات الروحية والفكرية في تاريخ البشرية.

80 منحوساً
كرس النجم التلفزيوني الفرنسي اللامع باتريك بوافر دارفور لهؤلاء العباقرة المفجوعين بألف شكل وشكل، كتاباً ممتعاً بعنوان: ثناء على الكتاب المنحوسين.
وقد استعرض منهم على مدار الصفحات قصة ما لا يقل عن ثمانين كاتباً عركتهم الحياة، أو نبذهم المجتمع، أو لم يحالفهم الحظ في الوجود. من بينهم، على سبيل المثال: شارل بودلير، أنطونين آرتو، صموئيل بيكيت، دوستويفسكي، غارسيا لوركا، كافكا، لوتريامون، غي دو موباسان، جيرار دو نيرفال، نيتشه، نوفاليس، ادغار آلان بو، فيرلين، فيرجينيا وولف، وستيفان زفايغ، الخ.