صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الإحساء و قلهات.. واحة التاريخ ومدينته

واحة الإحساء حيث يعانق التاريخ السماء (تصوير: عبد الله الشيخ)

واحة الإحساء حيث يعانق التاريخ السماء (تصوير: عبد الله الشيخ)

من المنامة أقرّت لجنة التراث الإنساني العالمي في الـ (يونسكو) إدراج واحة الإحساء السعودية ومدينة قلهات العمانية على لائحة التراث الإنساني العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، في فرع التراث الثقافي، وذلك في اجتماعها الـ 42، الذي ترأسته مملكة البحرين، وعقد في عاصمتها بين 24 يونيو وحتى 4 يوليو الحالي. وبهذا تكون واحة الإحساء خامس موقع سعودي يضم للقائمة كما تكون مدينة قلهات العُمانية سادس المواقع العمانية... هنا قراءة في الأهمية التاريخية والثقافية للموقعين.

تعد الإحساء أكبر واحة نخيل محاطة بالرمال في العالم، إذ تضم أكثر من 1.5 مليون نخلة منتجة للتمور، وتزخر بعيون المياه العذبة، وتعتبر الإحساء من أقدم مواطن الاستقرار البشري، وتميزت بنشاط زراعي كبير عبر التاريخ؛ فعرفت أساليب زراعية متنوعة وأنظمة ري متطورة، وتم الكشف عن قنوات ري تمتد على طول الأجزاء الشرقية للواحة تحمل الماء من العيون والينابيع إلى الأراضي الزراعية. وتمثل الإحساء 20% من مساحة المملكة العربية السعودية، وعدد سكانها حوالي مليون و800 ألف نسمة.

سهام «القَارَةُ» وعيونها
يمكنك اعتبارها «الحرة» فهي جبال ترامت على أطراف الصحراء قبل أن ترتوي بعيونها الضاربة في التاريخ بعراقة، أو تلك القبيلة الجاهلية التي «حذقت في الرماية»، فكانوا يسمونها (القَارَةُ)، لشدة ما كان أهلها (حاذقين) في تصويب السهام، لكن تضاريسها تدل على ميلانها للتعريف الذي يعتبرها (جبل صغيرٌ منفردٌ أَسودُ مستديرٌ ملمومٌ طويلٌ في السماءِ).
ما مر رحالة أو عابر على نخيل (هجر) إلا وذكر تفاصيل جبل القارة.. في العتمة والليالي المقمرة تجد تفاصيله معانقة للسماء.. تارة تعتقد بأنها الغيوم، أو شبح يقارب ما بين الإسفلت والنجوم لتعتقد بأن السماء التصقت به، وانحنت مع تجاعيده.. حينها ستكون أمام المغامرة التالية المتمثلة في دخول الواحة (الإحساء – شرق المملكة).
كل من قصد شرق المملكة عابراً من مدينة الدمام إلى الرياض، وجد تلك الجبال الصخرية مترامية ما بين اليمين والشمال، وما أن تقترب قليلاً من أطلال المدينة حتى ترى النخيل تحيط بالجبل من كل حدب وصوب، وتكاد تغطي بعض مساحاته لكثافتها.
يسرد الكبار قصصهم حول الجبل، والصغار يلهون بألعابهم خلف مغاراته، ويتيهون في أعماقه حينما يحاولون الدخول بين تجويفاته الصخرية، ولكن الهواء البارد الذي «يلفحك»، رغم حرارة أغسطس المشتعلة خارج الجبل، ستكون إعلاناً على وصولك إلى (غار الناقة).. تدخل في دهاليز (الفريز)، الذي يذكره كبار السن في القرى المجاورة التي تتعانق بيوتها مع الجبل، وتستعيد ما تختزنه ذاكرة الإحسائيين من أنهم كانوا «يترددون على الجبل في شهر رمضان ما بين صلاة الفجر إلى صلاة المغرب. حيث درجة الحرارة العالية خارج الجبل تنخفض كلما اقتربت من (الناقة)».

2.5 مليون سنة تاريخ
يتكون «جبل القارة» من تكوينات صخرية وحجر جيري رملي، يعود عمرها الجيولوجي للحقبة الثالثة (2.5 مليون سنة)، ويرتفع عن سطح البحر 210 متر وطوله 1000متر من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب 800 متر.
كما يعتبر من أبرز المعالم السياحية في المحافظة وتبلغ مساحة قاعدته حوالي 14 كم مربع أي 1400 هكتار، ويطل الجبل على مساحات شاسعة من أشجار النخيل والبساتين وعدد من القرى أبرزها: (القارة) التي اتخذ الجبل اسمه منها. قرية (التويثير) والتي تطلق على الجبل اسم جبل (أبو حصيص) الذي شهد موقعة الملك عبد العزيز مع قبيلة العجمان حين دخوله الإحساء في العام 1313هجرية، وقرية (الدالوة)، و(التهيمية).
ويتكون الجبل من صخور رسوبية تميل إلى اللون (الأحمر)، ذات الأشكال المختلفة، وتتميز مغاراته التي يصل عددها إلى (12 مغارة) بالبرودة، فهي باردة صيفاً ودافئة في الشتاء، ولا تتجاوز درجة الحرارة داخله العشرين درجة مئوية، وهذا ما يجعل العديد من أهل الإحساء يتسامرون في عدد من المغارات التي تتسع بعضها إلى 300 شخص.

مغارات الجبل
الإعلامي والكاتب جعفر عمران تحدث عن مغارات الجبل، وقال بأن ما لا يعرفه السياح والزائرون هو وجود مغارات في القرى الأربع المجاورة للجبل. يؤكد عمران بأن في كل قرية يوجد عدد من المغارات المعروفة عند أهالي القرية نفسها ويكون مدخلها من القرية. في قرية «القارة» عدد منها وهي المغارات الرئيسية التي تمثل الجبل. جميعها تحتوي على حكايات ضاربة في عمق الجبل الذي أصبح جزءاً من سكان القرى المحيطة به. ومن هذه المغارات: غار (العيد) وغار (الميهوب) وغار (عزيز)، وكان الناس ينامون في كهوفها الباردة في فصل الصيف وفي أيام رمضان بشكل خاص، وأضاف عمران بأن في كل قرية مغاراتها الخاصة، ولكن ما يؤسف له أن ذلك غير مؤرخ في بطون الكتب، وإنما هو فقط في ذاكرة الناس مما يعرضها للنسيان.

حكايات وقصص
قليلة هي الرويات والأساطير حول الجبل الذي تتعايش الذاكرة الإحسائية مع كافة التفاصيل المتعلقة به، الصغيرة منها والكبيرة. ومن أهم تلك الحكايات، أن أهل القرى المجاورة للجبل يستفيدون من كافة المغارات المتواجدة فيه وخصوصاً مغارة «الناقة»، وبالإضافة إلى سمر الليالي الرمضانية، شهدت مغارات الجبل، كما يقول عمران، التعليم غير النظامي (الكتاتيب) حيث كان كبار معلمي القرآن يتخذون من ساحات الجبل المكشوفة فرصة لتعليم الأطفال القرآن الكريم.. كما يضيف عمران بأن ذاكرة أبناء القرى المحيطة بالجبل تمتلئ بالكثير من المواقف والحكايات الغريبة التي تأخذ شكل الأساطير، وتزيد من غرابتها وغموضها الأشكال العجيبة والنادرة التي تلمحها عندما تمعن النظر إلى تكوينات صخوره، فترى رسومات لرؤوس وأجساد بشرية، وأشكالا مختلفة لطيور وحيوانات، وربما ستكون لديك الرغبة في تصديق ما تسمع عن هذا الجبل.

وثائق الجبل
ومن بين العادات التي يتحدث عنها الإعلامي وابن بلدة «القارة» جعفر عمران أن أهالي القرى المجاورة للجبل اعتادوا على دفن أوراقهم الخاصة والعامة في الجبل، ومن بينها أوراق من المصحف الكريم، ووثائق وصكوك ممزقة وأثرية ملقاة على جنبات بعض المغارات أو مدفونة مثل (القرآن الكريم) بين جنبات الجبل، مضيفاً بأن الشيخ والمؤرخ جواد الرمضان (80 عاماً) عثر على عدد منها في الجبل، واستفاد منها معلومات مهمة كمؤرخ، إذ كانت تحتوي على تاريخ بعض الأسر الإحسائية والشخصيات المهمة.

ذاكرة «المشقّر»
في وسط قرية (القارة) جبل مرتفع ملفت للأنظار، غريب الشكل، يسميه أهالي البلدة «رأس القارة»، وتفيد الكتب التاريخية بأنه هو (المشقَّر) (يوم من أيام العرب الشهيرة في العصر الجاهلي). وقد اختلف المؤرخون حول تسميته وادي «المُشقَر»؛ حيث ذكر العلامة حمد الجاسر - رحمه الله - في كتابه (المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية المنطقة الشرقية - القسم الرابع) أن المؤرخين اختلفوا في موضع المُشقّر، فقيل «إنه موضع في الحجاز، ووادٍ في أجأ، أحد جبلي طيء، وحصن في البحرين، وهذا أشهرها».
ويتحدث الجاسر عن اختلاف المؤرخين في موقع المُشقّّر، فهناك من يعتبره سوقاً في الطائف، وحصنا بين نجران والبحرين، ويذكر في معجمه: «إذا أجملنا أرض البحرين وهي أرض المُشقَّر، فهي: هجر مدينتها العظمى، والعقير والقطيف والإحساء، ومحلّم نهرهم». وهذا ما وصل إليه الباحث عبد الخالق الجنبي في بحث تاريخي صدر في كتاب عام 2004م بعنوان «هَجر وقصباتها الثلاث، المُشقّر، الصفا، محلّم». حيث يؤكد الجنبي في كتابه بأن القارة سميت بهذا الاسم لأن جنوبها يلتصق بتلّ كبير الحجم، غريب الشكل والتكوين ذو كهوف متفاوتة الحجم، وفوقه صخرة كبيرة منحوتة بشكل عجيب: إنها ثلاثة رؤوس أحدها متجه إلى الجنوب وهو يشبه رأس امرأة، وآخر متجه نحو الشمال وهو يشبه رأس رجل، ويتوسطهما ثالث يشبه رأس أسد، وهذا الجبل ما زال يُعرف حتى اليوم باسم جبل (رأس القارة) وهو الذي عناه الجغرافيون العرب، وأن حصن المُشقَّر هو نفسه هذا التلّ العجيب التكوين، وهو تكوين إلهي ولا يد للإنسان في تكوينه، كما يقول الجنبي في كتابه.
واعتبر الدكتور عفيف عبد الرحمن في كتابه «الشعر وأيام العرب في العصر الجاهلي» المُشقَّر يوماً من أيام العرب، وهي حرب وقعت بين تميم وعامل الفرس في اليمن، وفيه أن (باذام) عامل كسرى باليمن بعث إلى كسرى قافلة تحمل ثياباً ومِسكاً، فاعترضها بنو حنظلة بن يربوع وقتلوا حراسها، في مكان يسمى (حَرَض).. ولما بلغ الخبر كسرى أعدّ فخاً بوساطة عامله بالمُشقَّر نصبه لتميم في سنة قحط، وقتل عدداً كبيراً منهم.
و (حَرَض) هي مركز تابع لمحافظة الإحساء في التاريخ الحديث. فيها آبار قبيلة بني هلال، كما أنها بوابة على الربع الخالي.
وجاء ذكر المشقَّر أيضاً في الجزء الرابع من معجم ما استعجم لأبو عبيد البكري: «قال ابن الأعرابي: المُشقَّر: مدينة عظيمة قديمة، في وسطها قلعة، على قارة تسمى عطالة، وفي أعلاها بئر تثقب القارة، حتى تنتهي إلى الأرض، وتذهب في الأرض. وماء هجر يتحلب إلى هذه البئر في زيادتها. وتحلبها: نقصانها.
ويُرجع العلامة حمد الجاسر في معجمه الجغرافي برودة كهوف الجبل إلى وقوعها أسفل الواحة، ما يمنحها تلك الطراوة، فضلا عن أن الصخور العظيمة تحجب حرارة الشمس ما يسهم في تبريد التيارات الهوائية الداخلة. وفي أثناء توغلك في المكان وتشعباته والتواءاته يتفاوت اتساع الطرق والمغارات وضيقها تفاوتاً كبيراً، فمن طريق يضطرك إلى حشر نفسك بين الصخور الملساء بصعوبة لتعبره إلى طريق آخر قد يصل إلى أمتار عدة في اتساعه، وكذا في الكهوف والمغارات، فبعضها لا تستطيع ولوجه إلا منحنياً وجاثياً على ركبتيك أو حتى زاحفاً، وبعضها الآخر قد يصل اتساعه إلى بهو قصر كبير مثل (مغارة الناقة) التي تستوعب أكثر من 500 شخص، وكان بعضهم ينام فيها ويضطر إلى التلحف بغطاء ثقيل لشدة البرودة في أشد الأيام قيظا.

قلهات.. تاريخ البهارات
تعتبر مدينة قلهات التاريخية أول مدينة يتم ضمها إلى قائمة التراث العالمي، وخامس المواقع العمانية المدرجة في القائمة. وحول موقعها الجغرافي وأهميتها التاريخية قالت الكاتبة والباحثة والمشرفة بوزارة التربية العمانية الدكتورة بدرية بنت علي الشعيبية بأن «قلهات مدينة ساحلية قابعة على ضفاف بحر عمان. شهدت على مر تاريخها العديد من الأحداث بسبب موقعها الاستراتيجي الهام المشرف على طرق التجارة البحرية، فكانت محطة تجارية هامة تتوقف عندها السفن القادمة من شبه القارة الهندية والصين. وتقع قلهات شرق عمان، وهي تتبع اليوم مدينة صور بمحافظ جنوب الشرقية».
ولفتت الدكتورة الشعيبية أن «قلهات لا تشغل حيزاً كبيراً من المساحة، وساهم الزلزال الذي تعرضت له سنة 1498م إلى فقدان العديد من أراضيها التي طمرت تحت البحر مما جعل مساحتها تتقلص بشكل أكبر».
وأشارت الدكتورة بدرية إلى أن «التوسع العمراني والنمو السكاني خلال فترة سيطرة مملكة هرمز على قلهات، أي بين القرن الثالث عشر والسابع عشر، جعلت السكان يواجهون مشكلة توفر مياه عذبة كافية للجميع، ولهذا لجأوا إلى جلب المياه من طيوي، وهي قرية مجاورة تفصلها عن قلهات بضعة كيلومترات.
وحول اسم المدينة قالت الشعيبية بأن موسوعة أرض عمان ذكرت سببين للتسمية: الأول أن كلمة قلهات جمع غير قياسي لكلمة قُلى وتعني رؤوس الجبال. أما السبب الثاني فيعود إلى عبارة (قل وهات) التي شاعت نتيجة لكثرة الأخبار والأحداث المرتبطة بهذه المدينة، مما دفع الناس إلى تناقل الأخبار والحكايات الخاصة بها فكثر حولها القال والقيل.
بينما يقول ابن المجاور إنها سميت بهذا الاسم لأن مالك بن فهم الأزدي، ملك مملكة تنوخ (196- 231م) حين سيطر عليها كان يأمر أصحابه بعبارة (قل هات) أي أن يقولوا لأصحاب السفن بالرسو في البلدة. وتضيف الشعيبية بأن مما يؤكد هذه الرواية أن الروايات الشعبية المتداولة في وقتنا الحالي تعيد اسم (قل هات) نتيجة نشاط سوقها وتنوع معروضاته التجارية، أو أنها جاءت من عبارة تنزيل البضائع وتحميلها إلى السفن، فكان العمال الذين يقومون بهذه المهمة يقولون لأصحاب السفن (هات).
ومن وجهة نظر الشعيبية فإن اسم قلهات جاء من شكلها؛ إذ كانت قبل الزلزال الذي ضربها في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي عبارة عن مساحة مستديرة في منطقة جبلية، ويمكن رؤيتها من أماكن بعيدة، ونستدل على ذلك من وصف ابن بطوطة الذي زارها في القرن الثامن الهجري حيث قال: «ووصلنا إلى مرسى قرية كبيرة على ساحل البحر تعرف بصور ورأينا منها مدينة قلهات في سفح الجبل».. ولكن بعد الزلزال انهارت أجزاء كبيرة من المدينة وغمرت في البحر. وهي اليوم موازية تقريبا لسطح البحر وليست في مكانها السابق.

خروج مالك الأزدي
وألمحت الدكتورة بدرية إلى أن المصادر القديمة تناولت قصة ملك مملكة تنوخ، مالك بن فهم الأزدي، فذكرت بأنه خرج ومن معه بخروج عمرو مزيقيا بن عامر، الذي كان ملك مأرب (السد العظيم الذي بناه أهل مأرب لتنظيم خط طريق تجارة اللبان والبخور)، مؤكدة أن أسباب هجرة مالك مختلفة، ولكن المصادر تجمع على أنه خرج من اليمن بقبيلته وأولاده إلى أرض السراة، ومن السراة انقسم قومه إلى فرق؛ فآل جفنة بن عمرو بن عامر ارتحلوا إلى الشام، أما الأوس والخزرج فسكنوا يثرب، وظل بعض الأزد في السراة. وانفصل عن مالك ابنه جذيمة الأبرش الذي قرر التوجه إلى العراق ومعه جماعه من الأزد. أما مالك فواصل مسيره إلى عمان وحين وصل ظفار أعلنت قبيلة المهرة رغبتها التوقف في ظفار وعدم إكمال المسير. وأصر مالك أن يصل ببقية من معه إلى عمان التي كان يسكنها العرب لكنها كانت تحت حكم الفرس، فأرسل نساءه وخدمه ومعهم كتيبة من الفرسان لحمايتهم عن طريق البحر إلى مدينة قلهات الساحلية، ودخل هو ومن معه من الفرسان عمان، وحين وصل سلوت أرسل رسالة إلى الفرس يطلب منهم الإذن بالبقاء في عمان، فرفض الفرس طلبه، ودارت في سلوت معركة بينه وبينهم انتهت بانتصاره عليهم. وبعد هذا الفوز توجه مالك إلى قلهات واستقر بها، بعد أن سمح لبقية الأزد أن يختاروا المكان المناسب لهم ليستقروا في عمان.
ولقد شغل موضوع هجرة مالك بن فهم الأزدي إلى عمان عدداً من الباحثين المعاصرين، الذين حاولوا تقديم تصور منطقي لهجرته وتحديد هوية شخصيته أو تحديد خط سير رحلته. وتقول الدكتورة الشعيبية حول شخصية مالك بن فهم بأنه لم يكن شخصية عشوائية وإنما رجل صاحب فكر ثابت وهدف واضح، وأحد ملوك اليمن وظفار خلال القرن الأول الميلادي. كان مهتما بتأمين طريق اللبان العالمي، بشقيه البحري والبري، بعد أن تعرضت تجارة اللبان للخطر، والتي كان مركزها شواطئ ظفار وسمهرم، ومنها يتم تصدير اللبان إلى جميع دول العالم. وكان اللبان في هذه الفترة سلعة عالمية رائجة وباهظة الثمن مما عرضها إلى خطر الفرس ومطامعهم. وقد استطاع مالك بن فهم رسم خطة محكمة لتأمين طرق اللبان في شبه الجزيرة العربية والسيطرة عليها، لإبعاد الفرس عن خط سير قوافل اللبان؛ الطريق البري الذي يبدأ من ظفار إلى جبال السراة ثم يثرب والأيلة وبلاد الشام ومصر وأوروبا، أو الطريق البحري الذي يبدأ من ظفار أيضاً ثم ينطلق إلى موانئ شبه الجزيرة العربية إما باتجاه البحر الأحمر فمصر وأوروبا أو عمان والخليج العربي ثم العراق والشام وأوروبا.. أو من ظفار إلى الهند وشرق آسيا، فقرر مالك السيطرة على كل من السراة، والبحرين والعراق، وظفار، والأبلة، وقلهات، وأرسل جيوشاً إلى هذه المناطق للسيطرة عليها، وعين عليها إما أحد أبنائه كجذيمة الأبرش الذي قاد تنوخ وسيطر على العراق واتخذ من الحيرة مقراً لحكمه، وزياد بن مالك الذي يلقب بالحمار وسيطر على الأيلة ومعه قبيلة معد وعدد آخر من طوائف اليمن. وأرسل قبيلة موالية له هي المهرة إلى ظفار للسيطرة عليها، وأرسل عدداً من قبائل الأزد إلى البحرين، وأرسل أحد أبنائه ليقود مجموعة من قبائل اليمن في كرمان. واتجه مالك بن فهم بنفسه للسيطرة على قلهات لأهميتها التجارية في تلك الفترة وسيطرتها على معبر اللبان الرئيسي، وهو الطريق البحري.

قلهات تهزم الفرس
وتقول الباحثة العمانية الدكتورة بدرية الشعيبية بأن أحمد بن سعود السيابي ذكر في كتابه (الوسيط في التاريخ العماني) بأن مالك بن فهم اتخذ من إزكي عاصمة له بعد أن هزم الفرس في موقعة سلوت، وأن مالك مات ودفن فيها. وأنه بعد هزيمة الفرس، اتخذ من قلهات الساحلية وليس قلهات الداخلية قاعدة له. وفي ذلك يقول سلمة بن مسلم العوتبي في كتاب (الأنساب): «نزل مالك بن فهم ومن كان معه من الحشم والعيال والنساء والأثقال إلى جانب قلهات من شط أرض عمان، ليكون أمنع لهم».
وتضيف الدكتورة بدرية قائلة بأن مالك بن فهم بعد أن تخلص من الفرس عاد إلى حاشيته في قلهات، وعمل على تحقيق الهدف الرئيس الذي قدم من أجله، ففرض حماية على المدينة وبنى حولها سوراً لحمايتها، وبنى فيها ميناء وجعل عليه حامية عسكرية لمراقبة حركة سفن اللبان والبخور، وأمر كل سفينة تمر في بحر عمان أن تنزل بقلهات لتفتيشها ولتموينها بالمؤونة والماء إذا تطلب الأمر. ووكل أمر مراقبة أمور البلدة والميناء ليلا إلى أبنائه لفرض حماية مشددة على المدينة وأهلها وأسطول السفن الذي يعبر في مياهها. وكان مالك حريصاً على متابعة الأمر بنفسه صباح مساء، ويفرض عقوبة صارمة على أبنائه ممن يتهاون منهم في أداء مهامه. واستمرت قلهات في ازدهار تجاري لفترة من الزمن ثم انتقل الملك إلى ولد معولة بن شمس بن عمرو فبدأ حينها نجم قلهات كمدينة تجارية في الأفول ليسطع نجم مدينة صحار، وتصبح صحار هي الميناء الأهم والأبرز في عمان.

مملكة هرمز
وتضيف الدكتورة الشعيبية بأن مدينة قلهات أخذت تزدهر في العصر الإسلامي وتنمو من جديد بوتيرة بطيئة إلا أنها ثابتة الخطى، مؤكدة على أن عودة الازدهار تعود إلى سيطرة أحد أفراد قبيلة الجلندي على قلهات ويدعى زكريا بن عبد الملك الجلنداني في القرن الخامس وذلك سنة 448 هجرية/‏ 1056م. وفي القرن السادس الهجري وصف الإدريسي قلهات أنها بلدة صغيرة آهلة بالسكان. وتقول الدكتورة بدرية بأن قلهات أخذت تنمو شيئاً فشيئاً حتى أصبحت أهم الموانئ التجارية في القرن السابع الهجري بعد أن سيطرت عليها مملكة هرمز، حيث طلب تجار قلهات، وعدد من المدن التابعة لها كطيوي وصور من حاكم هرمز القديمة أن يفرض سلطته على مدنهم لحماية تجارتها وسفنها التجارية، فوافق حاكم على ذلك مقابل مبلغ يسدد له كل عام.

خيول قلهات الأصيلة
تتميز مدينة قلهات، بحسب الباحثة العمانية الدكتورة بدرية، بأنها منطقة عبور لتجارة الشرق، فكان أغلب تجار قلهات من تجار الجملة، الذين يقومون بدور الوساطة التجارية بين تجار الهند والصين وبين تجار شبه الجزيرة العربية وأوروبا. تخصص تجار قلهات في تجارة الخيول، وكانت الخيول العربية الأصيلة التي تربى في المناطق القريبة من قلهات كقريات وإقليم جعلان العماني، تجلب إلى ميناء قلهات، وتباع لحكام دولة المغول في الهند بأسعار مرتفعة. وكان تجار قلهات يصدرون أيضا سلالات مميزة من البغال والحمير التي تجلب من البر الفارسي وتتميز بحجمها الكبير، والتي تصل أسعار بعضها إلى مبالغ تفوق أسعار بعض سلالات الخيول.
وتختم الدكتورة بدرية الشعيبية حديثها بأن سكان قلهات كانوا من شعوب مختلفة، فهناك العرب والفرس والأتراك، وترجع أهمية قلهات التاريخية إلى موقعها الاستراتيجي على بحر عمان، ووجود ميناء ذا عمق بحري مهيأ طبيعيا لرسو السفن فيه.

خامس مواقع السعودية
واحة الإحساء خامس موقع سعودي يضم للقائمة بعد موقع مدائن صالح، وحي الطريف بالدرعية التاريخية، وجدة التاريخية، ومواقع الرسوم الصخرية في موقعي جبة والشويمس بمنطقة حائل.

صور الجبل
التشكلات الصخرية لجبل القارة فتحت مخيلة المصورين لالتقاط العديد من الصور الفوتوغرافية له.. وقد تمكن عدد كبير منهم من الحصول على جوائز عالمية عن صور تم التقاطها في محيط الجبل ومغاراته وتم عرضها عالمياً، ذلك أن المحيط الزراعي ومشهد النخيل الذي يحيط في الجبل يمنحان الصورة الفوتوغرافية رؤية مختلفة.

ابن بطوطة في قلهات
ترى الباحثة الدكتورة بدرية بنت علي الشعيبية أن اسم قلهات جاء من شكلها؛ إذ كانت قبل الزلزال الذي ضربها في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي عبارة عن مساحة مستديرة في منطقة جبلية، ويمكن رؤيتها من أماكن بعيدة، ونستدل على ذلك من وصف ابن بطوطة الذي زارها في القرن الثامن الهجري حيث قال: «ووصلنا إلى مرسى قرية كبيرة على ساحل البحر تعرف بصور، ورأينا منها مدينة قلهات في سفح الجبل».. ولكن بعد الزلزال انهارت أجزاء كبيرة من المدينة وغمرت في البحر. وهي اليوم موازية تقريباً لسطح البحر وليست في مكانها السابق.

خامس المواقع العمانيّة
قلهات العُمانية هي الموقع الخامس المدرج على قائمة التراث العالمي بعد مواقع: الأفلاج الخمسة، قلعة بهلا وسورها في محافظة الداخلية، مستوطنة ومدافن بات الواقعة في محافظة الظاهرة ولاية عبري، طريق اللبان في وادي دوكة، آثار الواحات في الشصر وموانئ خور روري والبليد.