صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

لوركا.. الأندلسي

لقطة من مسرحية عرس الدم لغارثيا لوركا (أرشيفية)

لقطة من مسرحية عرس الدم لغارثيا لوركا (أرشيفية)

الشّاعر هو وسيط الطبيعة الذي يظهرُ عظمتها بالكلمات.

الشعر هو تحويل المستحيل إلى ممكن والقيثارة إلى قلوبٍ ونيرانٍ بدلاً من الأوتار. *

لوركا واحد من أشهر الكتاب في إسبانيا عبر التاريخ، ترك بصمته في أدب عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين بشعر غنائي استوحى العادات الشعبية والأقصوصة الغنائية الغجرية والمناظر الساحرة لبلده الأندلس منذ العام 1928. وكتب مجموعة من القصائد عن الغجر محتفياً بالأندلس وعاداتها المحلية. وقد تبلورت شهرته ككاتب مسرحي عام 1933 مع أول مسرحية درامية ناجحة له عالمياً بعنوان: «عرس الدم».


لما عاد غارثيا لوركا من مدريد في يوليو 1936 إلى منزله في غرناطة في الصيف، ألقي عليه القبض بادعاء أنه مثلي الجنس، بناءً على أوامر حاكم غرناطة في أغسطس 1936، وأعدم بعد ثلاثة أيام فقط من دون محاكمة. موقع الجريمة معروف ولكن لم يتم العثور على جثته إلى اليوم. لسنواتٍ، بعد انتصار فرانكو في عام 1939.
اليوم، يتم الاهتمام بحياة غارثيا لوركا على غرار كتبه. فمؤخراً عرض فيلم عن حياته في مسرح (سادلر ويلز) بلندن، قدمه عازف الفلامنكو الشهير باكو بينيا الذي عزف مقطوعة (باترياس) والتي تعني أرض الوطن وقد عنون الفيلم أيضاً هكذا.

الطريق إلى المُلهمات
تقودُ طريق ثانوية ومتربة في منطقة شبه صحراوية بالأندلس من مدينة ألميرية إلى غرناطة موطن شاعر إسبانيا التاريخي فيديريكو غارثيا لوركا بالقرب من الطريق السريع، مروراً بتلال ذهبية وبساتين زيتون وقرى بيضاء وقلاع عربية قديمة. هناك، توجد بناية تاريخية تعود إلى القرن الثامن عشر، بناية شبه مخرّبة تدعى: (كورتيخو ديل فرايل)، مرمية تحت شمس حارقةٍ ووليمة للريح الجافة المحملة بالغبار، بقربها مزرعة منهارة وكنيسة مهجورة اكتسبت شهرتها سابقاً وصمودها في المكان المُقفر هذا من شهرتها الأدبية والفنية التاريخية؛ إذ إنها ذُكرت في قصائدٍ ومسرحيات للوركا مثل مسرحية «عرس الدم» وصوّرت في أفلام تاريخية. ويوجد بقرب المكان علامات للأعمال الفنية العديدة التي أقيمت في المكان مثل فيلم الغرب الأميركي الشهير للمخرج الإيطالي سيرجيو ليوني عام 1966 «الطيب والشرس والقبيح». لقد تعرضت البناية لقذائف الهاون، لتصير الأمكنة هذه شاهدة على الوضع الحقيقي للمأساة التاريخية من الخيانة والقتل في أقصى جنوب إسبانيا خلال بداية فترة حكم الدكتاتور فرانكو.
ألهمت الأراضي القاحلة والمنسية في الجنوب الإسباني الشاعر والكاتب المسرحي فيديريكو غارثيا لوركا في أوائل القرن العشرين، فكتب العديد من النوادر الأدبية الدرامية والتراجيدية مثل التحفة المسرحية «عرس الدم» 1932، والتي استند إلى موضوع الجريمة والشرف لحياكتها، فظهرت قصة العروس الهاربة من زواجها المرتب على ظهر فرس عابرة بمرتفعات الأندلس والطرق الوعرة لتلتحق بحبها الأول الذي سيقتله أحد أقاربها فيما بعد لتظل البنت عانساً إلى أن صارت مسنة، وتتوفى كقصة درامية وتراجيدية شغلت العالم في وقتها. وقد استند لوركا إلى قصة واقعية لعروس تدعى فرانسيسكا كانيادا تخلت عن خطيبها في اللحظات الأخيرة، فقررت الفرار من العرس باتجاه الريف مع ابن عمها فرانسيسكو كانيادا؛ الذي كان حبيبها الأول. وفي الواقع، عاشت العروس عقوداً أخرى في عداء دائم مع أهل قريتها، متهمة بإثارة الفتنة والإساءة إلى شرف العائلة وتقاليد سكان الأندلس. في مسرحيته الدرامية هذه، استغلّ لوركا حجم المأساة التي سببها الحادث وزاد إراقة الدماء، مصوراً الأماكن - كما تُرى بالعين المجرّدة - في طبيعة الأندلس الساحرة مثل؛ الكهف الواسع الذي يشبه الجيوب القديمة وهو موجود في منطقة (بورولينا وغوادكس)، حيث إن البلدات الجنوبية في مقاطعة غرناطة معروفة بمتاهاتها وبكهوفها البيضاء الكثيرة. وقد أصيب الكاتب بحب تلك المساكن النادرة والحياة التقليدية هناك ووعورة مسالك الأرض بكهوفها التي يعود بعضها إلى القرن السادس عشر.
تمكن لوركا من إبراز المناظر الطبيعية لبلده الأندلس وفلكلورها الشعبي وعاداتها وتقاليدها في أغلب أعماله، معتبراً إياها مصدر إلهامه الأول، كما أن للبساطة الريفية للمنطقة دور كبير في تطوير نوعية كتاباته الخاصة، فنجد العشب المائل والنوافير المتدفّقة ومرتفعات (سيرا نيفادا) الشامخة والكهوف البيضاء المنتشرة والمنازل المنحوتة في التلال والمنثورة في سطور لوركا أشياءً حقيقية.
«أحسُّ أني مرتبط بهذه الأشياء بكامل كينونتي،» قال غارثيا لوركا ذات مرة معبّراً عن عشقه لبلده في العام 1934 خلال حوارٍ في بوينس آيرس الأرجنتينية، مضيفاً: «إن أولى ذكريات طفولتي تعود إلي بنكهة طعم الأرض كلما أردت أن أكتبَ».

مصرع لوركا
إن البحث عن أندلس غارثيا لوركا هو تعقب لشظايا الشعر والخسارة. لم يتم الصمت عن ما حدث له منذ ما يزيد على ثمانية عقود مضت من الزمن على رحيله وهو في عمره الثامن والثلاثين، حيثُ اغتيل في صيف 1936 من طرف مجموعة مسلحة بسبب أفكاره المناهضة للفاشية ولسياسة فرانكو القمعية؛ فدائماً ما يتم إحياء ذكراه. ولو أنه دُفنَ في مقبرة جماعية مجهولة في مكان ما في الحقول التي تحيط بمدينة غرناطة، فقد ظل صوته القوي واحداً من الأصوات التي تجمع عشاق الأدب في كل أنحاء العالم على غرار إسبانيا تحت شعار الحرية والفن. أثناء فترة دراسته في الثانوي، قام لوركا بجولة في قطار بخاري لأول مرة مع أستاذ التاريخ والفن وطلبة آخرين لاكتشاف منطقة الأندلس وعمره 18 عاماً، فقال: «عندها أدركت نفسي كإسباني من الأندلس لأول مرة؛ فقد عشقت جمال الريف والأماكن النائية».
امتد حب غارثيا لوركا للأرض إلى كل كتاباته، التي تستكشف مآسي الحياة الدرامية والتراجيدية للنساء الريفيات والفقراء في الأندلس مبرزاً ثقافة المكان، حيث يتشابك خط الحب مع خط الموت في أوقات عدة عندما تُمسّ الكرامة. فنجد هذه الثقافة الأندلسية منتشرة في ثلاثيته المسرحية العظيمة «عرس الدم» و«يرما» و«بيت برناردا آلبا».

في متحف لوركا
زيارة قرية فوينتي فاكيروس التي توجد على سهول غرناطة هي الطريقة المثلى للتعرف على حياة وأعمال غارثيا لوركا، حيث يوجد منزله الذي تم تحويله إلى متحف. فيمكن رؤية الغرفة التي ولد فيها وغرفة نومه منفصلة على غرفة والديه بستارة. أيضاً في المتحف مهده وثلاثة إطارات تحتوي على صور لطفولته مع أصدقاء المدرسة، وشهادة تعميده. بجوار هذا المتحف الذي يقع في وسط القرية، توجد المحفوظات التاريخية، حيث يتم الاحتفاظ بالوثائق الخطية والتسجيلات والصور الخاصة بحياته وأعماله. صار بيتُ لوركا بلونه الأبيض الناصع، الآن، عبارة عن متحف وملاذ لعشاق الأدب والتاريخ. غرفة المعيشة مظلمة وتنبعث منها رائحة الياسمين، مؤثثة بصور بيضاء وسوداء تعود إلى عدة عقود مضت، يتوسطها لوركا صبياً أمام جهاز بيانو كبير، وصورة أخرى للكاتب متأملاً الأفق بشعره الأسود المتموج وعينيه الحادتين وهو يرتدي رداء باهتاً. في الطابق العلوي، توجد غرفة نومه ومكان دراسته مجهزة بسرير صغير ومكتب مصنوع من خشب البلوط يبدو ملطخاً بالحبر كما تركه.
قبل اغتياله، انعزل غارثيا لوركا عن المجتمع المحلي مشتكياً من أن «غرناطة تسكنها طبقة حاكمة باردة وانطوائية لا تهتم بالفن،» كما سبق أن قال. ومع ذلك، فقد أسس جمعية أدبية للشباب المثقف في العشرينيات تحت مسمى (إل رينكونسيلو)، وكان يعقد اجتماعاته في إحدى المطاعم التي تسمى اليوم (تشيكيتو)، وهو مطعم يقدّم طعاماً أندلسياً شعبياً، كان لوركا يقوم بقراءات شعرية فيه عندما كان يدعى مقهى (ألا ميدا). لا يزال المكان هذا يحتفل بذكرى لوركا، حيثُ قال صاحبه في حوار سابق: «ما زالت أعماله تُقرأ بمكبرات الصوت من الطاولة نفسها في الزاوية التي كان يجلس فيها». في العام 2015، تحولت زاوية الكاتب المفضلة إلى شبه ضريح مع تمثال برونزي بالحجم الطبيعي لغارثيا لوركا، وهو جالس على طاولة من الرخام مع كأسه؛ وبالتالي يقوم الزوار بإلقاء التحية على روح لوركا، خصوصاً عندما تحتفل غرناطة بذكراه سنوياً في 19 من أغسطس، حيث ترقص كل المدينة الفلامنكو من منتصف الليل إلى مطلع الفجر.
في ضوء خافت، لا تزال أصوات الأغاني الغجرية العميقة تصدح في المكان، وهي الموسيقى التي ألهمت لوركا في كتابة الشعر ودفعته إلى حب الموسيقى كذلك، والعزف على القيثارة. فقد عشق نغماتها وصوتها المتقطع شبيه زقزقة الطيور وموسيقى الأدغال وينبوع الماء. لقد آمن بضرورة الحفاظ عليها لأنها تمثل روح الموسيقى القديمة للمضطهدين والمظلومين من الأندلس كالعرب واليهود والغجر الذين فروا إلى الجبال في القرن الخامس عشر هروباً من محاكم التفتيش الإسبانية.

معشوقته إشبيلية
ترك لوركا آثاره في أماكن أخرى على غرار مدينته، فإن لم نقل أن روحه موجودة في كل أنحاء الأندلس، فمدينة إشبيلية شاهدة على هذا المبدع صاحب الصوت الحر، وهي المدينة التي أحبها لوركا بجغرافيتها وبنهرها (غوادلاكويبير) الذي يقسمها إلى قسمين، ويتدفق إلى خارجها باتجاه المحيط الأطلسي، فاحتفى به لوركا كثيراً في قصيدة: «سهم ثابت» معتبراً إياه «نهرٌ يمرُّ كطلقة مسدّس». تملأ إشبيلية رسومات (Duende)- المرتبطة بفن الفلامنكو- وقد عُرِفَ على لوركا عشقه لهذه الرسومات الروحانية والعجائبية، فنجدها تملأ المقبرة، حيث دفن نجم حلبة الكوريدا إغناسيو سانشيث ميخياس، وهو مصارع ثيران وشاعر وكاتب مسرحي وروائي كان صديقا مقربا للوركا. بعدما نُطحَ إغناسيو أثناء تأدية مباراة له في العام 1934، كتب غارثيا لوركا قصيدة طويلة تكريماً ومرثاة له بعد وفاته بسبب الإصابة، قصيدة حزينة بعنوان: «بكائية إغناسيو سانشيث ميخياس». الآن، تحاط معظم الآثار القديمة والمنازل الزراعية المنهارة التي تذكر بلوركا بسياج لمنع دخول السياح، لأنه يجب ترميمها خوفاً من وقوع أي حادث. كما يمنع دخول مقبرة مدينة نايجار، حيث دفنت عائلة كانيادا الحقيقية. إن الباحث في قصة حياة لوركا يتعقب روح الأمة الإسبانية المكسورة في زمن القمع، بدأ من سقوط الحضارة الأندلسية، من خلال إبداعاته التي احتفت بالجنوب الإسباني ككنز من ذهب. لقد صور لوركا مأساة ريف الأندلس وطبيعتها الخلابة في شعره وكتاباته، ما يدفع العديد من السياح والباحثين في ميدان الأدب إلى تعقب هذه الآثار والسؤال عنها حالما يضعون أقدامهم في بلاد الأندلس.
..............
* لوركا مقدّماً أولى دواوينه الشعرية بقصيدة.

أشياء لوركا الحقيقية
أصيب غارثيا لوركا بحب تلك المساكن النادرة والحياة التقليدية هناك ووعورة مسالك الأرض بكهوفها التي يعود بعضها إلى القرن السادس عشر.
تمكن لوركا من إبراز المناظر الطبيعية لبلده الأندلس وفلكلورها الشعبي وعاداتها وتقاليدها في أغلب أعماله، معتبراً إياها مصدر إلهامه الأول، كما أن للبساطة الريفية للمنطقة دورا كبيرا في تطوير نوعية كتاباته الخاصة، فنجد العشب المائل والنوافير المتدفّقة ومرتفعات (سيرا نيفادا) الشامخة والكهوف البيضاء المنتشرة والمنازل المنحوتة في التلال والمنثورة في سطور لوركا أشياءً حقيقية.