ألوان

الدعاء ?هو ?العبادة

بقلم الشيخ الدكتور/ يوسف جمعة سلامة خطيب المسجد الأقصى المبارك www.yousefsalama.com

بقلم الشيخ الدكتور/ يوسف جمعة سلامة خطيب المسجد الأقصى المبارك www.yousefsalama.com

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)، «سورة غافر: الآية 60». جاء في كتاب صفوة التفاسير للصابوني في تفسير الآية السابقة: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، أي ادعوني أُجبْكم فيما طلبتم، وَأُعطكم ما سألتم، قال ابن كثير: ندب تعالى عباده إلى دعائه، وتكفَّل لهم بالإِجابة فضلاً منه وكرماً (إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)، أي إنَّ الذين يتكبرون عن دعاء الله سيدخلون جهنم أذلاء صاغرين...»، (صفوة التفاسير للصابوني 3/&rlm107).
إن الدعاء ملاذُ كلّ مكروب وأملُ كلّ خائف وراحةُ كلّ مضطرب، كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، «سورة الرعد: الآية 28»، فالدعاء من أعظم العبادات التي ينبغي للمسلم أن يعتصم بها، خاصةً في أيام المحن والشدائد، فهو الصلة بين العبد وربه تبارك وتعالى، والمناجاة لله عزَّ وجلَّ، والافتقار والتذلل والمسكنة بين يديه سبحانه وتعالى، فقد جاء في الحديث الشريف أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»، (أخرجه الترمذي).

فضل الدعاء
من المعلوم أن ديننا الإسلامي الحنيف يأمرنا بالإكثار من الدعاء، فقد جاءت الآيات الكريمة في القرآن الكريم تحثنا على ذلك، منها:
- قوله سبحانه وتعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، «سورة البقرة: الآية 186».
- وقوله سبحانه وتعالى: (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، «سورة الأعراف: الآية 55».
- وقوله سبحانه وتعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، «سورة غافر: الآية 60».
- وقوله سبحانه وتعالى أيضاً: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ)، «سورة القمر: الآية 10».
كما حثَّت السنة النبوية الشريفة على ذلك في مواضع كثيرة، منها:
- قوله- صلى الله عليه وسلم-: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَم عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الدُّعَاءِ»، (أخرجه الترمذي).
- وقوله- صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْكُرَبِ، فَلْيُكْثِر الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ»، (أخرجه الترمذي).
- وقوله- صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْراً خَائِبَتَيْنِ، (أخرجه الترمذي).
- وقوله- صلى الله عليه وسلم-: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ»، (أخرجه مسلم).
وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟ قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ، (أخرجه أحمد).
أيها القارئ الكريم: احرص على أن تكون دعوتك دعوةَ خير لا دعوةَ شرٍّ أو ظلم، دعوة لا إثم فيها ولا قطيعة رحم، واعلم أن هذا الدعاء الذي يخرج من قلبك متوجهاً به إلى الله سبحانه وتعالى له واحدة من ثلاث حالات، وكلها خيرٌ لك إن شاء الله تعالى، إمّا الادخار عند الله سبحانه وتعالى، وليس هناك أعظم من ذلك، وإمّا أن يصرف عنك من السوء مثلها، وإمّا أن يستجيب الله سبحانه وتعالى دعوتك ويعجل لك الخير الذي طلبته، لذلك يجب عليك أيها القارئ الكريم أن تكون من المكثرين بالدعاء لله سبحانه وتعالى في جميع الأحوال، موقناً باستجابة الله عزَّ وجلَّ لدعائك، كما جاء في الحديث الشريف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ»، (أخرجه الترمذي).
أخي القارئ: لا تيأس من رحمة الله، إذا ضاقت بك الأمور، وإذا ما احتدمت شدائد الأيام، وإذا ما اكفهرتْ جنبات الحياة، فَعُد إلى كتاب الله وسنة رسوله.
إذا كنت في خوفٍ فقل: (حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، (سورة آل عمران: الآية 173»، وإن كان مرضك في جسمك، فقل ما قاله نبي الله أيوب- عليه الصلاة والسلام-: (أَنّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، «سورة الأنبياء: الآية 83»، وإذا كان الأعداء يمكرون لك ليؤذوك ويدبروا لك المكائد، فقل ما قاله مؤمن من آل فرعون: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بالْعِبَادِ)، «سورة غافر: الآية 44»، وإن كنتَ تعاني من همٍّ أو غمٍّ أو حزنٍ، فقل ما قاله نبي الله يونس - عليه الصلاة والسلام-: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، «سورة الأنبياء: الآية 87».