الملحق الثقافي

قيامة الضوء والماء في الصـحراء

واجهة المتحف المطلة على البحر

واجهة المتحف المطلة على البحر

كان حلماً وأصبح حقيقة. متحف اللوفر أبوظبي، وبعد سفر طويل بين المستحيل والممكن، الواقعي والخرافي يفتتح قلوبه الفضفاضة أمام عموم الزوار، للاحتفاء برقي الجمال وسمو معناه، وهو يعيد تضفير جدائل الحقب التاريخية في كهف إبداع الوجود، بلغة لا أبوة لها طافحة بنبض فلسفة الاتحاد تؤكد في رسالتها «أن الحياة لا تحمل نهاية قاطعة»، بل هي حواس تتكامل لتعتلي أحداثاً متوالية ينتهي بعضها، ليبدأ بعضها الآخر، مقتفياً طريق بعضها البعض في بوتقة واحدة حرة من مركزية المركز في حركتها وحيويتها واحتفائها بالمشترك الإنساني في حوار مع الأبدية نحو لغة إنسانية عالمية تتسع للجميع.


قد نتساءل: أي قدرة للفنون في رسائلها المفتوحة على إعادة صياغة مفهوم جديد للتاريخ البشري؟ وقد نتساءل أيضاً: أين ينبع التفرد في رسالة متحف اللوفر أبوظبي؟ هل هي من قيمة الأعمال الفنية المقتناة في المتحف، أم هي من ضرورة إنسانيتها العالية، وقد نجح آباء الفن في تمرير حيلها الجمالية بذكاء القنص على لحظات الإنسان في أقصى تجلياته، والقادرة على أن تكون «مرايا الروح» تعكس المشترك الإنساني رغم اختلاف الهوية والأزمنة، وتشكل لنا اليوم مرآة أخرى تفتح عين القلب على جوانب من الواقع من المتعذر التقاطها؟
في هذا التحقيق نحاول تعقب خيوط قصة اللوفر أبوظبي، عبر التوقف عند محطات منتقاة من حالات التفرد التي يتربع عليها المتحف في رسائله المتعددة..

«عش طائر»
قصة هندسة وبناء اللوفر أبوظبي، حكاية غاوية، فاتنة، معقدة بفصولها، وتحدياتها، تنبض جمالاً في معنويات التشكيل والتكوين برشاقة الامتداد والارتفاع، وتكامل الظاهر مع الباطن، ومرونة الانبساط والانفتاح، وجنوح الحسي إلى المجرد في مودة متبادلة، وهو يتفيأ ظلال «عش طائر مقلوب» يبحر في سماء مقلوبة، يتنفس إيقاع مائها المعطر بفراشات الضوء، وهي تنزلق شلال حرير من نجوم سماوية، بسكونية متحركة متبدلة، فيها الديمومة، والدوام والنعومة، ككتلة من المشاعر الدافئة القادرة على فتح قارات مجهولة قصية من الخفة الهاربة من عبودية الزمن نحو حقول من الدلالة وبذخ المعنى.
وقد صمم المتحف المعماري الشهير جان نوفيل الحائز جائزة بريتزكر العالمية، مستلهماً ملامحه من تقاليد الثقافة المعمارية العربية. ويتكون المتحف المدينة من 55 مبنىً منفصلاً، بما فيها 23 قاعة عرض، ويدخل في تكوين واجهات هذه الأبنية نحو 3900 لوحة من الخرسانة عالية الأداء والجودة.
وحول هذا الإنجاز يقول المهندس المعماري جان نوفيل: «هذا المكان الرائع يجمع بين العديد من الثقافات البشرية التي يتجاوز مداها البحار والعصور.. استوحيت هندسة قبته من «سعف النخيل العربية» المتداخلة التي كانت تستخدم في سقف المنازل التقليدية في المنطقة، وتسمح لأشعة الشمس بالنفاذ من خلالها لتشكل ما يعرف بـ «شعاع النور»، وتعمل كمظلة تغطي الساحات الخارجية وتحميها من خلال عكسها لأشعة الشمس، ما يساهم في تقليل الحرارة، وترشيد استهلاك الطاقة وإتاحة المجال أمام الزوار للتنقل براحة في أرجاء المتحف الذي يحاط تدريجاً بالماء، ما يعطي انطباعاً بأن القبة تطفو على سطح الماء».

عضلة الضوء
تتفرد الهندسة المعمارية لمتحف اللوفر أبوظبي، بتضفير نواعير الضوء والظل في نمط هندسي يرتحل من البساطة الخادعة إلى العميق من الغامض، ما يجعل من الضوء أداة اقتناص واستكشاف تولد «مسرحاً حسياً» من الترحال المشترك في كهف الوجود البشري الطافح بإشارات الكلام.
وهو ما يشرحه جان نوفيل بقوله: إن المهندس المعماري يُعتبر لصاً، فهو دائماً يحاول اقتباس الأحاسيس والتفاصيل والأشياء التي يراها. فهو مسترق نظرٍ بارع، حيث يشاهد الأشياء ويحفظها في رأسه ويُعيد تحويلها. وفلسفتي هي: إن كل مشروع مختلف عن الآخر. لكن الشيء الذي استحوذ على اهتمامي هو اقتباس الإحساس المأخوذ من الحالة الخاصة لهذا المشروع، بحيث يتكامل في رؤيته مع رؤية ونيّة القائمين عليه. وهذا المتحف قد صُمّم لهذا المكان هنا. ولا يمكن نقله إلى مكانٍ آخر».
ويفصّل نوفيل آليات البناء الهندسية فيقول:«إن القبة بالتأكيد هي القسم الأكثر دقّةً في البناء، باعتبارها عملاً إبداعياً. يبلغ قطرها 180 متراً. بنيت من طبقتي: طبقة خارجية وطبقة داخلية، يفصل بينهما هيكلٌ كبيرٌ سمكه 5 أمتار. والصعب فهمه هنا هو أن القبة ستكون مُثقبّة من أجل خلق مناخ محلي في الداخل. فعندما تتجول تحت ظلها سترى أنها مثقّبة بالكثير من الفتحات الصغيرة. إن هذه الفتحات ليست نفسها التي تراها في المصفاة. وليست فتحات موزعة بانتظام، وتسمح للضوء بالدخول من خلالها. على الضوء أن يعبر من خلال المصافي (الفلاتر) للطبقات الثمانية جميعاً. كي تدخل أشعة الشمس من خلال الفتحتين ومن ثم يتم حجبها بالفتحة الثالثة. فنحصل على بقعٍ ضوئية تتلاشى تارةً وتظهر تارةً أخرى، تتوسع تارةً وتتقلص تارةً أخرى. والهدف من ذلك خلق أحاسيس جديدة عن طريق تأثير الضوء والتي لم نستطع تخيلها من قبل. إذن، فإن التاريخ البشري هنا هارب من كهولة الماضي، في هدنة تأمل حر للدلالات، يزور نفسه ذهاباً وإياباً، تحت أفق من أمطار الضوء فيه صدى الحنين إلى صياغة نفسه بانفتاح الهوية على الهوية، وانكشاف الذات على الآخر، وتصالح الحاضر مع الماضي دون مقدمات البداية والنهاية، وهو شديد الإصغاء لتقاطع المصائر الإنسانية مع الأسئلة كلها في تعددها الإنساني، والثقافي، والديني، والعرقي مثل الأطلس الجغرافي الناطق بالأمكنة والألسنة، دون قيود الزمن.. وبهذا المعنى يتحدث رئيس دائرة الثقافة والسياحة ـ أبوظبي محمد خليفة المبارك، فيقول: «يجسّد اللوفر أبوظبي رؤية الإمارات الراسخة بأنّ تقدم الأمم، وتطور حضارتها، يُبنيان على التنوع الثقافي، والتسامح، وتشجيع الحوار المشترك، والانفتاح على الآخر، خاصة أن أسلوب سرده يؤكد تواصل العالم منذ القدم. ويستكمل المتحف مسيرة طويلة بدأها الآباء المؤسسون لدولة الإمارات في الحفاظ على التراث الوطني والثقافي وصون قيمته».
وعن أبعاد رعاية سفر الفن الحر من الذات إلى الآخر، في تعدد اللغات، والمناطق، وعتبات التطور التاريخي بما يُوحد التجربة الفنية الإنسانية، قال جان فرانسوا شارنييه، المدير العلمي للوكالة الفرنسية للمتاحف (الهيئة المكلفة بتأسيس اللوفر أبوظبي): إن الهدف من التنظيم هو خلق منظور عالمي للأشياء، منظور ليس غربياً ولا شرقياً، بل منظور ينطلق من موقع أبوظبي ومكانتها كملتقى طرق حيوي للطرق. وعن الخطوط العريضة الفنية التي تمثل تفرد توجهات (أول متحف عالمي في الشرق الأوسط) شرح مانويل راباتيه مدير متحف اللوفر أبوظبي، في حديثه إلى الجمهور في «منارة السعديات» عام 2016: «سنتحدث عن جميع الحضارات منذ بداية التاريخ، وصولاً إلى عصر العولمة الذي نعيش فيه اليوم»، وستكون هذه هي المرة الأولى التي سيُمنح فيها الزوار فرصة الاطلاع على سرد عالمي يبدأ منذ البدايات الأولى للفنون الجميلة في عصور ما قبل التاريخ، والتي لطالما تضمنت أعمالاً فنية وحضارات تبنّت مفاهيم الرؤى المشتركة والتعايش المشترك.

المقتنيات.. خريطة إبداعية لتاريخ الحضارات

في 23 (فبراير) عام 2009 اقتنى المتحف أولى مقتنياته، وهي لوحة للفنان الهولندي الشهير بيت موندريان، تعود إلى عام 1922، وتحمل اسم «تشكيل بالألوان: الأزرق والأحمر والأصفر والأسود»، وهي لوحة وصفت من قبل مدير المتحف «بأنها جزء أساسي من هوية المتحف المعاصرة وإرثه الفني». في اللوحة نرى مجموعة من الخطوط المستقيمة والأشكال المستطيلة التي تتوزّع على بعضها الألوان الرئيسية الثلاثة، أي الأحمر والأزرق والأصفر، وكل مرة بترتيب مختلف، تمثل حسب النقاد بحث موندريان الدائم عن المعرفة الروحية، والبساطة، والتناغم المطلق، ونقاء الألوان من خلال استخدام الأشكال والتكوينات الهندسية عبر «التجريد» الذي يرى فيه موندريان السبيل الوحيد للاقتراب من الحقيقة، والعودة بها إلى الأصول والبدايات.
ومن مجموعة (سانت لوران - بيرجيه) اقتنى المتحف «مقعد مقوس» من تصميم (بيير لوغرين) وينتمي إلى الحركة الفنية (آرت – ديكو) التي تعد من العلامات الباريسية المميزة والغالبة على الهندسة المعمارية والتصميم في العاصمة الفرنسية الأنيقة.
ومن عمليات الانتقاء الدائمة التي جرت لاحقاً في اللوفر أبوظبي لوحة (ثيسيوس يعثر على سيف أبيه) وهي لوحة للفنان الفرنسي (لوران دولاهير) الذي حقق مشاهد دينية رائعة وتأثّر بمدرسة فونتينبلو (1530 - 1610) وبالمذهب التكلّفي، وانخرط في التيار «الرومنطيقي» لزمن لويس الثالث عشر. اللوحة تعود إلى القرن 17 يظهر فيها البطل اليوناني «ثيسيوس» مؤسس العاصمة أثينا بحضور أمه «أيثرا»، وهي تشير بأصبعها إلى السيف المخبأ تحت الصخرة الكبيرة التي كان البطل يقوم برفعها ليحصل على سيف والده الملك «أيجوس.»
كذلك من ضمن المقتنيات التي تم شراؤها مجموعة من المنمنمات الهندية المقتناة من قبل المخرج السينمائي الأميركي ومقتني الأعمال الفنية المعروف (جيمس آيفوري) اقتناها منذ أكثر من 50 عاماً، ويعود تاريخ أقدمها إلى الفترة الممتدة من 1520 إلى 1525 م. قال عنها «آيفوري في الجلسة الحوارية الأولى لمتحف اللوفر أبوظبي عام 2015 «هي لوحات مصغّرة تعبّرعن ثقافة الهند بألوان رائعة مستوحاة من الطبيعة نفسها. تتناول موضوعات متعددة كالثيمات الدينية، أو الثيمات العلمانية. وكثيراً ما لخّصت الأحداث اليومية لشعب الهند بطابع رومانسي واقعي ومتخيّل، مثل الفوز في المعارك، ارتداء الذهب، الحياة العائلية وغيرها».
وتحتوي مقتنيات المتحف الدائمة والمتعلقة بالعهد القديم على قطع فنية نادرة بمصدرها التاريخي وتركيبتها الفنية، أولها المجموعة الجنائزية للأميرة المصرية حانوت طاوي، التي حصل عليها المتحف عام 2014.
وتعود هذه المجموعة الجنائزية للأميرة التي تحمل اسم «سيدة القصر المبجلة» إلى النصف الثاني من القرن العاشر قبل الميلاد، بداية السلالة الحاكمة الثانية والعشرين، وتقدم مثالا رائعا على أعمال التحنيط.

القرون الوسطى
وتتميز المقتنيات الخاصة بالقرون الوسطى بمقتنيات تنبع من ثقافات متنوعة وتتنوع بتنوعها. فمنها ما يعود إلى إمبراطورية (تانج) في الصين في القرن الثامن والتاسع، ومنها إلى سلالة (تشولا) من (تاميل نادو) الحالية في جنوب الهند، ومنها مايعود إلى الإمبرطورية (السهلية) في غانا في القرن الثالث عشر.. تلك الثقافات التي شهدت عالماً منفتحاً شهد فيه الهيمنة الثقافية والفكرية للمدن الكبرى مثل مدن (تشانغان) و(القسطنطينية) و(بغداد)، كما شهد ازدهار العلاقات تجارية مثل (طريق الحرير) الذي سمح بنقل المعرفة والفنون وتبادل البضائع والمنتجات.
ومن هذه المقتنيات النادرة «كتاب الساعات» وهو «مخطوطة فنية مدهشة من الورق الفاخر»، تتألف من 138 ورقةً كبيرةً، و47 لوحة رسم منمنمة، وكُتبت في مدينة بروج البلجيكية، ثم صُدرت إلى إنجلترا من جانب «ورشة عمل ويليام فريلانت» خلال الفترة 1470-1475 تقريباً.

بدايات العصر الحديث
من بين مقتنيات اللوفر أبوظبي الخاصة ببدايات العصر الحديث يلفت النظر لوحتان «بفن نامبان» تصفان خريطة العالم و»مملكة اليابان» بألوان زاهية على خلفية من الأزرق الداكن، في مشهد آسر يضفي طابعا جماليا قويا، علما بأنه لا يتوفر منها في جميع أنحاء العالم سوى عشرين نسخة. ويرجح الخبراء أن هذه الخرائط قد تكون مصممة لهدف رمزي أو علمي، وكانت موجّهة للشخصيات السياسية التي تتحلى برؤية غربية فيما يتعلق بالتقسيمات الجغرافية والمنطقة التي كانت تحتلها المملكة اليابانية.
أما القطعة الثانية، فهي «خوذة حماية من الدولة العثمانية» تعود إلى النصف الثاني من القرن الخامس عشر بعد الميلاد (أناضولية المنشأ تعود لقبيلة الآق قويونلو أوالآغ قويونلو - الخرفان البيض وهي من القبائل التركمانية التي حكمت شرق الأناضول، أذربيجان، فارس، العراق أفغانستان وتركستان ما بين 1467-1502م) وهي مصنوعة من الفولاذ المطعّم بالفضة وزخارف ذهبية، وترمز الكلمات المكتوبة والشكل التصميمي إلى السلطة والقوة، وكانت تستخدم بهدف التزيّن في الاحتفالات وليس للحروب، يرتديها الرحّالة.

الفن المعاصر
ضمن مقتنيات المتحف الممثلة لمرحلة التصوير الفوتوغرافي المبكرة (الداجيروتيب أوالداجيرية) وهي تقنية جديدة ظهرت في القرن التاسع عشر، صورة (عيوشة، 1843) النادرة، وهي توفر أقدم تمثيل تصويري معروف لنساء محجبات من العالم الإسلامي للمصور الفرنسي (جوزيف فيليبرت غيرل دي برانغي)، إلى جانب لوحات مرحلة الاستشراق مثل لوحة (عثمان حمدي بيه «الأمير الشاب» مؤسس علم الآثار العثمانية رسمها عام 1878)، إلى جانب معارض صالات الفنون الحديثة والمعاصرة التي تعرض أعمالاً مهمة واستثنائية لكبارالفنانين العالميين.

المجموعات المعاصرة
كلّف «اللوفر أبوظبي» اثنين من أشهر الفنانين العالميين، هما الإيطالي «جوسيبي بينوني» والأميركية «جيني هولزر»، تنفيذ قطع فنية تعرض في المتحف عند افتتاحه. وبتعاون الفنانين مع فريق عمل اللوفر أبوظبي تم تنفيذ أعمال تجسد مسيرة المتحف، وتتناغم مع شكله الهندسي.
وقد أبدع أهم فناني إيطاليا المعاصرين «جوسيبي بينوني» عملاً فنياً بعنوان «جيرمينيشن» وتعني «النشوء»، وهو عبارة عن عمل تركيبي يتكون من أربع قطع، يتوسطها قطعة رئيسة أطلق عليها الفنان اسم «أوراق النور»، وهي على هيئة «شجرة الكرز البرية» مصنوعة من معدن البرونز، تتفاعل مع فكرة التصميم المعماري للمتحف.
كما أبدع «بينوني» عملا آخر يحمل إسم (بروباجيشن - الانتشار) وهو عمل ينبع من فكرة «بصمة الإصبع»، يتوسطها بصمة إصبع المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كنقطة محورية للعمل التركيبي تجسد الأثر البالغ للمغفور له في تشكيل الاتحاد كدوائر تتسع بالنمو والإرادة.
أبدعت الفنانة الأميركية «جيني هولزر»، ثلاثة جدران حجرية، نُحت فيها على الجدار الأول مقتطفات من «المقدمة» لابن خلدون، أما الجدار الثاني فيحمل نصوصاً مستوحاة من لغات بلاد الرافدين (السومرية والأكادية المكتوبة بالخط المسماري) الموجودة على «لوح الأسطورة»، في حين تبرز على الجدار الثالث نصوص مدعمة بالشرح من مقالات الكاتب والفيلسوف الفرنسي «ميشال دومونتي» تعود إلى طبعة عام 1588.

لسان فصيح من أرقام

في فبراير 2006، وصل وفد فرنسي رفيع المستوى إلى الإمارات العربية المتحدة برئاسة وزير الثقافة والاتصالات الفرنسي الأسبق رينو دونديو دو فابريس، مع فريق من كبار المسؤولين من المتاحف الوطنية الفرنسية لوضع خطة إطارٍ اتفاق مبدئي في صفقة فرنسا مع الإمارات العربية تم التوصّل إليها في محادثات أولية قبل بضعة أشهر ألا وهي: إنشاء متحف اللوفر أبوظبي.
* في 6 آذار مارس عام 2007 وقع كل من معالي الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان، ووزير الثقافة الفرنسي رينو دونديو دوفابريس، اتفاقية تعاون لبناء متحف اللوفر أبوظبي على مساحة تصل لـ24 ألف متر مربع في جزيرة السعديات.
هناك سبب للمقاييس فائقة الدقة المطبقة في مبنى اللوفر في أبوظبي. إنه مبنى مصمم للقرن 22 وربما لوقت أبعد. وبذلك سيكون عمر المبنى أطول من أعمارنا جميعاً، فالحد الأدنى من عمر مواصفاته بكل ما فيها من تعقيدات يبلغ 100 سنة.
* صُمم المتحف على شكل مدينة مصغرة تشبه أرخبيلاً في البحر وتضم في المجموع 55 مبنى أبيض استوحي من تصاميم المنازل المنخفضة في الهندسة العربية التقليدية.
- واجه بناء متحف اللوفر أبوظبي خلال سنوات بنائه تحديات البناء الهندسي «الخمسة الكبار» من حيث التعقيد وهي: الأعمال الداعمة، أعمال بحرية، الهيكل الصلب، التشطيبات المعقدة والأعمال الكهروميكانيكية. وستحيط مياه البحر بالمتحف.
* تصل المساحة الإجمالية الداخلية للمتحف إلى 8600 متر مربع، تتضمن قاعات العرض والمعارض ومتحف الأطفال، بينما تصل مساحة قاعات العرض إلى 6400 متر مربع، تحتوي على 600 تحفة فنية، فضلاً عن 300 عمل فني مُعار من مؤسسات ثقافية فرنسية.
* تبلغ المساحة الإجمالية المخصصة لإقامة المعارض المؤقتة قرابة 2000 متر مربع، بينما تم تخصيص 200 متر مربع لمتحف الأطفال.
* يضم المتحف 23 صالة عرض دائمة تقدم تحفاً فنية تروي قصصاً من الحقب التاريخية المختلفة التي مرت بها البشرية، وصولا إلى الوقت الحاضر في 12 سلسلة مختلفة.
* تتألف قبة المتحف التي استغرق بناؤها سنتين(85) قطعة فائقة الحجم يبلغ وزن القسم الواحد قرابة 50 طناً.
* ترتفع القبة التي يبلغ وزنها الإجمالي 7000 طن ما يعادل وزن برج إيفل تقريبا على أربعة أعمدة تفصل بينها مسافة تُقدر بـ 110 أمتار، ويصل ارتفاعها عن مستوى الطابق الأرضي وحتى الحافة السفلية للقبة إلى 29 مترا. أما أعلى نقطة في القبة، فهي على ارتفاع 40 مترا عن مستوى سطح البحر، و36 مترا عن مستوى الطابق الأرضي.
* يبلغ عرض القبة 180 مترا.
-تتألف القبة من ثماني طبقات. أربع طبقات من الكسوة فوق القبة مصنوعة من الحديد الصلب، وأربع طبقات داخلية يفصلها هيكل فولاذي بارتفاع خمسة أمتار.
* تتألف كسوة القبة من 5000 طن من الفولاذ الهيكلي كبير الحجم، تغطيها قطع من أشكال هندسية تبلغ 7850 من الألمنيوم، وأما الأبنية فتتضمن 4,680 قطعة مصنوعة من مادة خرسانية مدعمة بالألياف ذات أداء عال.
* لتأمين طريق الوصول إلى اللوفر أبوظبي ومتحف «غوغنهايم» ومتحف «زايد» الوطني، بطول 1.2 كيلومتر، تطلب الأمر حفر 200000 طن من الرمال والصخور، وإنشاء 6000 طن من الحديد الداعم وأرضية إسمنتية بسماكة متر واحد، بالإضافة إلى طبقة مضادة للحرارة والماء.
* غمر بعض أجزاء المتحف حتى 30 متراً مربعاً من الماء بوزن نحو 12 طنا تطلب عمل 18 مضخة بشكل مستمر لمدة ست سنوات من أجل التخلص من المياه، مزيلة بذلك 13 مليون متر مكعب من المياه ما يكفي لملء ما يقارب 5200 حوض سباحة أولمبي، وبالتالي كان إطفاء 15 مضخة كفيلاً بالسماح للمياه بغمر المكان بمعدل ثابت يومياً قدره 15 سم في اليوم.
* لتحقيق الأثر التاريخي القديم على جدران المتحف بما يوحي بإحساس حجر السيكلوبيان الجاف، الذي يوجد عادةً في القلاع الإغريقية القديمة، اضطر مصممو المتحف لاستخدام مواد من أحدث الأنواع التي من المستحيل أن تكون موجودة بأكثر دول العالم تقدماً.
* تكشف الكسوة الخرسانية البيضاء للمتحف المكسوة بألياف ذات أداء عالي مصفوفة من الألياف الزجاجية لزيادة قوة الضغط والشد، والتي تمتاز أيضاً بالحد الأدنى من التقلص والتسريب الذي يعد ميزة مهمة لمادة سوف تكون على اتصال مستمر بمياه البحر التي ستتدفق في نهاية المطاف من خلال الساحات الخارجية للمتحف مُحولة المجمع بأكمله إلى نسخة مصغرة من مدينة البندقية الإيطالية، لكنها واقعة على الخليج العربي..
* تم تسليح ألواح الجدار الخارجي بالفولاذ المقاوم للصدأ من الداخل، بحيث تملك جميع الألواح شكلاً يشبه الحجر الطبشوري الذي يتقلب ما بين الأبيض الناصع والخافت واللامع وعديم اللمعان، اعتماداً على الضوء والظروف الجوية وموقع الناظر.

نوفيل.. لغة المكان
ولد مصمم متحف اللوفر أبوظبي جان نوفيل عام 1945 جنوب غرب فرنسا. ونال العديد من الجوائز العالمية، منها جائزة «عظماء المعماريين» عام 1987 عن مجمل أعماله الهندسية، وجائزة «مبدع العام» الهندسية عام 2005 عن مساهماته الفاعلة في خلق حركة هندسية جديدة، وجائزة «بريتزكير» العالمية للأعمال الهندسية (وهي جائزة بمثابة «نوبل» عام 2008). من أعماله في فرنسا مبنى مجلس «لوسيرن»، ومتحف «كي برانلي»، و»مبنى معهد العالم العربي «في باريس و«أوبرا ليون»، وبرج «توري أغبار في إسبانيا».
وهو يشكل علامة مائزة وفارقة في عالم التصميم الهندسي موسومة بهاجس الابتكار وعشق اللعب على الأضداد، وحس مرهف نحو قيمة «الضوء» و«الظل» الذي يعتبره السؤال الأصعب في كل عمل هندسي تكمن إجابته في إتقان لغة المكان شيئاً فشيئاً.
تتميز تصاميمه الهندسية بإدراك عميق لجغرافية المكان، ولغة التاريخ تجعل من هندسته المعمارية حارساً وفياً للموروث الثقافي للمكان الذي سيقام فيه مشروعه يتضافر فيها حسه المرهف في قراءة مزاج الظل والضوء كللت أعماله بلغة هندسية خاصة تختلف عن خطوط الحداثة، وما بعد الحداثة، متمردة ترفض الانصياع للخطوط التقليدية الجامدة في مفهوم الحداثة والمعاصرة بشكل يجعل من كل عمل هندسي له متفرداً في بصمة الضوء فيه.

متحف الأطفال
يمثل متحف الأطفال في اللوفر أبوظبي منصة إبداعيّة وتعليمية فريدة للزوار (6 – 12 عام) وأسرهم، وهو يقع ضمن مساحة مركزيّة تحت القبة الرئيسة لمتحف اللوفر أبوظبي، وبالقرب من قسم المعارض المؤقتة. ويرتكز هذا المتحف على برنامج متكامل ومتعدد المواضيع يشمل استضافة معارضه المؤقتة وأعمال فنية وأدوات ووسائط تفاعلية ضمن الطابق السفلي، إلى جانب وتنظيم ورش عمل وأنشطة عمليّة في الطابق العلوي.
ويعرض متحف الأطفال مجموعة رائعة من الأعمال ذات المواضيع المتنوعة، ويمكن للزوار أيضاً الاستفادة من مجموعة المرافق التفاعلية الفريدة المتاحة في المتحف. وستوفر المعارض والأنشطة للزوار اليافعين الأدوات الضرورية التي تعزز تفاعلهم مع متحف اللوفر أبوظبي وتثري شغفهم باستكشاف مجموعاته من المقتنيات الفنيّة. وسيضمن ذلك لليافعين اكتساب مهارات لا تُقدر بثمن مثل القدرة على الملاحظة والرصد والتحليل وتقدير قيمة الأعمال الفنية.
وسيزخر المتحف بمجموعة متنوعة من المرافق والأنشطة التفاعلية، بما يشمل محطات للوسائط المتعددة، وتنظيم جولات برفقة مرشدين متخصصين أو جولات تعريفية باستخدام الوسائط المتعددة، الأمر الذي سيوفر للزوار تجربة غنية ومتنوعة أثناء وجودهم في المتحف.
ويمكن للزوار اليافعين دون سن 13 عاماً دخول المتحف مجاناً، سواء كانوا برفقة مجموعات مدرسية أو مع أسرهم.