الملحق الثقافي

سرد متوهج لتاريخ الإنسانية

عمال ينجزون قبة المتحف

عمال ينجزون قبة المتحف

«عملت على أن يكون هذا البناء صورة أرض محمية تنتمي إلى العالم العربي وإلى هذه الجغرافيا»، هكذا قال المعماري جون نوفيل، عن استلهامه المكان والسياق، وتاريخ الأشكال، كما جرى مع مؤسسي العمارة الشرق أوسطية، مبيناً كيف سطر شخصية المتحف العالمي، اللوفر أبوظبي. وقال «أحببت أن أكيّف موضوعات أبدية عن العمارة (...) وتغييرها، وإعادة تفسيرها بمقاربة جديدة».


بعد عشر سنوات من الأعمال، يفتح اللوفر أبوظبي، «أجمل متاحف العالم» (كما ذكرت فرانس انفو) أبوابه في 11 نوفمبر الحالي. إنه «هبة سماوية» لفرنسا (صحيفة «أويست فرانس»، 6 سبتمبر 2017)، ووسيلة للوجود الثقافي على المشهد الثقافي العالمي للإمارات العربية المتحدة.
نتاجات فنية ومعروضات منذ مولد الحضارات حتى يومنا الحالي... وهكذا سوف يسمح اللوفر أبوظبي لزواره من فهم التأثيرات التي تقاسمتها مختلف الحضارات عبر التاريخ. متصورا من قبل المعماري جون نوفيل على جزيرة السعديات، في قلب عاصمة الإمارات العربية المتحدة، ولد هذا المشروع على يدي اتفاق بين حكومتي البلدين في يونيو 2007. خلال ثلاثين عاما، ينص الاتفاق على أن تنقل فرنسا إلى أبوظبي خبرتها في مجال المتاحف، تعيرها نتاجات فنية وتنظم المعارض.

رد حضاري
«في الوقت الذي تقوم فيه بعض القوى بمحاربة التاريخ، وتدمر النتاجات الفنية، وتأخذ تراثنا القومي كرهينة، يعد المتحف عملاً جوهرياً»، هكذا علقت وزيرة الثقافة الفرنسية فرانسواز نيسان، «إنه الرد الحضاري على البربرية». وأضافت بكل وضوح مؤخراً: «هذا المتحف يحمل رسالة تسامح وسلام، ويسطر الالتزام المؤكد لبلدينا ونظرتهما على أن الثقافة والتربية يشكلان حاجزا أمام النزعات المتطرفة». وأعربت عن رغبتها «أن يكون متحفا شعبيا، من أجل العالم بأسره، يتوجه إلى شعوب الخليج والعالم». فالثقافة قادرة على محاربة الإرهاب والتطرف، ليس في بلد واحد، وإنما في جميع البلاد، وفي أي زمان أو مرحلة تاريخية يعتريها القلق من تفاقم حوادثه.
هذا المتحف يعتبر «الرد المشترك» لأبوظبي وباريس على التهديدات الموجهة للثقافة، أو عندما «تتعرض الثقافة لغارات»، على حد تعبيرها. بيد أن جون - لوك مارتينيز، مدير متحف اللوفر باريس، نظر إلى المشروع بأكمله من زاوية أخرى: «إنه الطموح المجسد لسرد التاريخ الإنساني».
«افتتاح اللوفر أبوظبي في 11 نوفمبر يوسم مرحلة كبرى في تطور التعاون بين الإمارات العربية المتحدة وفرنسا، بعد عشر سنوات من توقيع الاتفاق بين الحكومتين. بنقل خبرتها في مجال المتاحف وإعارة النتاجات الفنية من مجموعاتها الوطنية، فرنسا فخورة بالدور الكبير الذي تقوم به في حياة اللوفر أبوظبي ولعدة عقود قادمة... هذا المشروع يعد من المشروعات الثقافية الأكثر طموحا في العالم بأسره، يتألق بفعل التصميم المعماري الاستثنائي لجون دانيال»، كما شهدت ف. نيسان، ووزيرة الثقافة الفرنسية.

مؤسسة أصيلة
والمتحف، كثمرة تعاون غير مسبوق بين فرنسا وأي دولة أخرى (كما ذكرت الصحف الفرنسية، من دون استثناء)، لا يعتبر بأي حال من الأحوال – حسبما ذكرت صحف معينة – نسخة مقلدة من اللوفر. على العكس، المتحف العالمي الأول في العالم العربي الذي يتبدى حاليا كمؤسسة أصيلة، يصيغ صورة المتحف العالمي، كانعكاس لزمنه والتقاليد المحلية لبيئته. فهو يرتكن على آلية مستحدثة لعرض المجموعات الفنية. وبذلك، يبني فرادته على رؤية متجاوزة للإبداع الفني. فالمتاحف تعرض تقليدياً لوحاتها حسبما الفصل بين المدارس، التقنيات الفنية وغيرها، وعلى الرغم من أن هذا الفصل (الذي يراه البعض كلاسيكيا) يسمح بمعرفة الفرادة لمجموعة معينة، إلا أنه يتجنب رؤية التأثيرات، والتبادلات، وسريان الأفكار. ويتجاهل كل ما يربط تاريخ فني بآخر. وهذا ما تحاشاه فعلياً تصميم اللوفر أبوظبي، بناء على إرادة القائمين عليه.
في الواقع، تستغل المقاربة المتحفية المتميزة للوفر أبوظبي التواصل بين الحضارات أو الثقافات التي يتبدى أن كل واحدة منها بعيدة عن الأخرى سواء في الزمن أو المكان. ولهذا يجتاز – عبر التصميم الفريد لقاعاته – الزائر مختلف العصور والحضارات كرونولوجيا وموضوعيا في آن معا. موضوعات عالمية وتأثيرات مشتركة ظاهرة تبين جليا التماثلات المرتبطة بنفس التجربة الإنسانية ما وراء الوقائع الجغرافية والثقافية. ولهذا يعتبر متحف اللوفر أبوظبي في حقيقة الأمر عالمي، حسبما كلام موقع «ليه ذار ديكواتيف» المتخصص.
تسمية «متحف اللوفر»، التي تربط بين أبوظبي وباريس، ثمرة تعاون لم يتحقق من قبل أبدا على مستوى التعاون الثقافي: «أمر استثنائي للغاية، إنها المرة الأولى التي يكون هناك مشروع كهذا في الشرق الأوسط»، كما قال مانويل راباتييه، المدير الفرنسي للوفر أبوظبي.

دينتامية ثقافية
بيد أن موقع «كرونيك آرشيتكتور» المتخصص في مجال العمارة، عنون مقاله المتخصص «المشروع ليس سرابا»... «فالمتحف يقترح سرداً غير مسبوق، ويستغل تاريخ الفن تحت منظور جديد. التأثرات المعمارية للبناء تبين عرض المنتجات الفنية للإنسانية وتفتح الطريق أمام تفاعلات جديدة».
ومن ناحية أخرى، كتب موقع «ليه ذار ديكواتيف»، الفني المتخصص، تحت عنوان «عمل فني مبتكر»: «متحف ذو قيم إنسانية عالمية. الأول من نوعه في الإقليم. يجسد متحف اللوفر أبوظبي دينامية العالم العربي المعاصر، وهو يحتفي بالإرث الثقافي المتعدد للإقليم. وبفضل دعم وكالة فرنسا - المتاحف (التي تضم سبع عشرة مؤسسة ثقافية مشهورة في فرنسا) ومساهمتها، يمثل اللوفر أبوظبي مناسبة استثنائية من اتحاد النظرة الجريئة والانفتاح الثقافي للإمارات العربية المتحدة مع الخبرة الفرنسية في مجال الفن والمتاحف».
«ما معنى عالمي؟»، بالنسبة للوفر أبوظبي، التركيز على ما يوحد: تاريخ الابداعية الإنسانية الذي يتجاوز الثقافات، الحضارات، العصور والجغرافيا. هذه النظرة الجديدة، المبتكرة في حد ذاتها، ترشد المتحف في كل خطواته، منذ بداية توقيع الاتفاق في 2007 حتى اليوم، كثمرة تعاون بين بلدين، ببناء معماري مدهش، يجمع بين مصمم فرنسي وإرث العالم العربي. وبالتالي يسعى اللوفر أبوظبي إلى الاحتفاء بمجمل الإبداع العالمي للإنسانية من دون استثناء، بدءاً من إبداعات ما قبل التاريخ إلى يومنا الحالي. منذ البداية، هذه المقاربة كانت محددة من خلال اختيار النتاجات الفنية المعروضة في الغاليرهات المختلفة وطريقة «توحيدها» في حضن المتحف، وتحت قبته المتلألئة. لا تنفصل هذه الغاليرهات عن بعضها البعض جغرافيا وإنما تتعاقب، الواحد إثر الآخر، في إطار هدف صريح: تحقيق الاحترام، الفضول، الاكتشاف والاستبطان.
وكما العادة، لم تهمل الصحف الفرنسية عامل المحافظة على الأعمال الفنية وحمايتها. ولحظت الحلول العلمية التي ابتدعت لحماية المقتنيات، في ظروف مناخية ملائمة. وتحدثت جميع الصحف الفرنسية من دون استثناء، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من «لوفيغارو» إلى «لومانيتيه»، عن الشروط الأمنية التي وفرتها دولة الإمارات العربية المتحدة، خصوصا وأنها تعتبر في مقدمة الدول المحاربة للرهاب وأدواته.
وفي هذا الصدد، حسب مجلة «لوبوان»، وكثير من الصحف والمطبوعات الفرنسية، تم التركيز على ما ذكره محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي، من أن حماية المقتنيات «أمر حيوي، ونحن لدينا كافة الوسائل». (تم كتابة هذه الجملة بنصها في جميع المطبوعات والمواقع الفرنسية).
وعلى عكس متاحف أخرى تعرض تصنيفات متعلقة بالأساليب أو الحضارات، يقدم اللوفر أبوظبي عرضا جديدا يبين عمليات التواصل والتأثير المتبادل بين الحضارات والثقافات. وهي ذي «رؤية عرضانية غير مسبوقة للإبداع الفني».

رسالة تسامح
واهتمت الصحافة الفرنسية، بالمنجز الابداعي الذي حققه مصمم المتحف جان نوفيل، فنقلت عنه أنه استلهم الكثير من الثقافة المعمارية العربية لكي يتصور هذه «المدينة/‏‏‏ المتحف»، المغطى في جزء كبير منه بقبة، 180 مترا، مرصعة بنجوم (7850 نجمة) تتسلل عبرها «أمطار النور».
وفي حوار الأشكال الموروثة والتقاليد المعمارية، أبلغ نوفيل صحافة بلاده أنه اغترف من العلاقة المؤسسة المكثفة: أي علاقة الظل والنور، علاقة تكافؤ المناخ، الطلاوة والحرارة: «إنه مناخ مصغر قد ولد، بالارتكان إلى الأحاسيس العديدة المنقولة عبر العمارة العربية الكبيرة، التي تعمل على السيطرة على النور والهندسة (...) بنية الظل، السلوك والاكتشاف (...) مدينة شبه جزيرة تتقدم نحو المياه وتستغل هذه المياه بدورها لكي تخلق مناخا مصغرا بفضل الهواء الذي يجتاز فتحات القبة (...) لقد عملت من قبل في معهد العالم العربي. أمتلك دوما الإرادة بأن أكون على قدر المسؤولية، لأن مدينة ثقافية سوف تبنى هنا، على جزيرة خالية، مع خمس متاحف كبرى (واللوفر أولها)». وقال أيضا عن نفسه، إنه «معماري مفاهيمي»، ويسعى إلى «أن ينتمي هذا المتحف إلى تاريخ الإمارات العربية المتحدة وجغرافيتها. لا أريد أن نبني لوفراً باريسياً، بل متحفاً ينتمي إلى هذا المناخ، بكل ما يحمله المعنى من دلالات. وأريد أيضا، رمزيا، توفر شكل من الروحانية لأن المحتوى دوما مقدس والثقافة دوما بعد روحاني».
وهكذا «هجنت» القبة تحت صيغة الاستلهام الحر للمشربية، كعنصر آخر من العناصر الموروثة من الماضي، ما يعني العودة إلى الفنون التزيينية العربية الأصيلة كوسيلة لتكييف الهواء تقليدياً، والإنارة الطبيعية في آن واحد... وهكذا، عبر النور المتسلل، تلطف القبة أجواء الصالات.
«أمطار النور»، الساقطة من القبة تحمل ذكرى «الدرابزين الحجري» الذي ينعكس ظله بهندسته على الحوائط. بالمثل، الفضاء الذي يلمع بالمياه تحت القبة يمنح اهتزازا للنور الذي ينعكس تحت «جلد» القبة. هذا الضوء، هذا التموج الدائم يستدعي أهمية دور المياه في العمارة العربية وقيمتها. في الليل، يكون الموقع كما واحة نور تحت قبة مرصعة بالنجوم. 8000 نجمة تجعل من القبة مظلة شمسية. أنه أحد أجمل المتاحف في العالم، إن لم يكن أجملها»، حسبما قال مارتينيز لفرانس انفو. «العمارة، أي تعديل في عصر معين حالة المكان من خلال الإرادة، الرغبة والمعرفة لدى بعض الرجال. لا نبني بمفردنا. نحن نبني شيئا ما دوما، بالتأكيد لأجل شخص واحد أو أشخاص، ولكن نبني للجميع»، هكذا قال جون نوفيل.
يتعلق الأمر، إذن، «إن دولة الإمارات العربية المتحدة ترسل رسالة تسامح»، كما قال محمد خليفة المبارك، لوكالات الأنباء، ووعد بأن تكون النتاجات مؤمنة كليا. وأضاف «نحن لسنا مجتمعاً مغلقاً، لدينا (الإماراتيون والفرنسيون) هدف مشترك. لقد شرحنا للعالم كيف أن تاريخنا موصول (...) عندما يفتح المتحف أبوابه، سوف يعرف العالم بأسره الحدث».

لوحات أصلية
من بين اللوحات، التي اقتناها اللوفر أبوظبي ويعرضها للجمهور، لوحة «الحدادة الجميلة» لليوناردو دافنشي المستعارة من اللوفر، ولوحة «بونابرت يجتاز جبال الألب» لجاك - لوي دافيد (متحف فرساي)، و»بوتريه ذاتي» لفنسان فان غوخ (متحف أورسيه).
وغالبية النتاجات المعارة أو المقتناة من جانب المتحف تسطر التاريخ القديم للحضارات، بمختلف الثقافات والأديان، وتزينها صحائف القرآن، بالإضافة إلى الإنجيل الغوطي وأسفار موسى الخمسة.