الملحق الثقافي

الفولاذ يرشّ مطراً من نور

حركة النور والماء تحقق للمكان سحراً خيالياً (أرشيفية)

حركة النور والماء تحقق للمكان سحراً خيالياً (أرشيفية)

11 نوفمبر 2017.. ستذكر الأجيال القادمة جيداً هذا التاريخ الذي سيفتتح فيه واحد من أهم مشروعات القرن الثقافية: متحف اللوفر أبوظبي، الذي ينتظر أن يؤسس لثقافة التسامح والانفتاح الحضاري والثقافي. وحتماً، سيشعرون بالفخر لأنهم يمتلكون هذا الصرح العالمي بين ظهرانيهم. ورغم ما يحمله من قيمة فكرية، ثقافية، فنية، وحضارية، فإن «اللوفر أبوظبي» هو أيضاً استثمار ثقافي وسياحي من طراز رفيع، ناهيك عن أنه أيقونة فنية لا تختلف عن محتوياته، بل تنسجم معها من حيث المعمار والتصميم.


«اللوفر أبوظبي» عالم يوحي بالرحابة وسحر اللقاءات والراحة، من خلال الانسيابية والتداخل بين الصحراء والماء، وبين الأضواء والظلال وانعكاسات الهدوء، بالإضافة إلى أنه ينتمي للمباني المستقبلية التي تحقق الاستدامة والحفاظ على البيئة، إذن كيف استطاع مصمم اللوفر أبوظبي أن يجعل منه تحفة معمارية تستطيع منافسة محتوياته على استقطاب الزوار؟ وهل جنح لتدويل شكله أم استوحى الثقافة والتراث والبيئة العربية أيضاً؟

جمالية الشكل الهندسي

إن أحد أسرار تميز اللوفر أبوظبي يكمن في طريقة تصميمه، حيث جعل منه مصممه المعماري الفرنسي الشهير جان نوفيل مبنى فخماً، وأيقونة فاتنة، وتحفة فنية. كما جعله من أكبر المتاحف في العالم، ما سيمكنه من منافسة أكثر المتاحف زيارة عبر العالم مثل لوفر باريس. واللوفر أبوظبي ليس نسخة مكررة عن اللوفر الفرنسي، وإنما حرص مصممه على جعل شكله الهندسي منسجماً مع خصوصية البيئة العربية وثقافتها، وإن كان محتواه سيجمع الثقافة الفرنسية والغربية والعالمية.
يقول جان نوفيل في إحدى مقابلاته الصحفية ما يؤكد مراعاته لخصوصية المنطقة العربية وثقافتها، في تصميمه للمتحف: «أردت أن أكون في مستوى المهمة عندما صممت اللوفر أبوظبي، وقد سبق وصممت معهد العالم العربي في باريس. وبإنشائي لمعلم ثقافي في منطقة صحراوية (جزيرة السعديات بأبوظبي)، أردت أن أجعلها تنتمي إلى تاريخ وجغرافيا هذا البلد. لم أرد أن يكون المتحف نسخة طبق الأصل من لوفر باريس وإنما أردته أن ينتمي لبيئته بكل معنى الكلمة، كما أردت أن يكون شكله محملا بنفحة روحية، لأن محتواه في الغالب يكون مغلفاً بالقدسية والثقافة بصفة عامة لها أبعاد روحية».
كما أن بناء صرح بتلك المواصفات يعد رداً على العنف والتقتيل الذي غزا الكثير من أركان العالم العربي، وكتأكيد على ذلك قال محمد خليفة المبارك رئيس مجلس إدارة دائرة الثقافة والسياحة ــ أبوظبي حول إنجاز اللوفر أبوظبي: «إن أفضل إجابة على البربرية التي تغزو العالم هي نشر الثقافة». ويهدف اللوفر أبوظبي إلى «إبراز المواضيع العالمية والتأثيرات المشتركة بين الحضارات».

بين رمل وماء
ومن أسرار جمالية اللوفر أبوظبي وأسباب تحقيقه لخصوصيته مقارنة بالمتاحف الكبرى عبر العالم، أنه مبنى نبت في الصحراء، وأحيط بالماء أو بعبارة أخرى يبدو شبه غارق في الماء، وبذلك يكون مصمّمه قد زاوج بين الرمال والبحر وبين الظل والضوء ليخلق تحفته التي تجسد الحوار بين الحضارات، متيحاً لزائره عيش تجربة فنية مفعمة بزخم فني باذخ.
واستوحى جان نوفيل الشكل الهندسي للمتحف من المدن العربية ومن الزخرفة الإسلامية، فهو يشبه مدينة مصغرة، حيث تظهر واجهات مختلفة، فيما الفضاء تحكمه العلاقة بين الداخل والخارج والتغيير والتعدد والشاعرية، وهي أمور تشحذ فضول الزوار للإقبال على استكشاف أرجائه ومحتوياته مغمورين بالنور الخافت وتزاوج الظل والضوء.
وأكد مبدع اللوفر أبوظبي جان نوفيل في كل حواراته الصحفية على حفاظه في تصميمه لهذه التحفة الفنية على أشكال وجمالية العمارة في الشرق الأوسط والفن الإسلامي، ومما قاله: «أردت أن يكون هذا المبنى منطقة محمية تنتمي إلى العالم العربي وإلى جغرافياته، فهو مستوحى من المكان ومن سياق وتاريخ أشكال وأسس العمارة في الشرق الأوسط». لقد استوحى الهندسة العربية، حيث تتداخل عناصر الطبيعة مع البناء كالضوء والماء، لكن جان نوفيل لم يخلص للعمارة التقليدية وإنما استطاع أن يجعلها مستجيبة للعصر ومنفتحة على المستقبل: «أحب أن أوائم المواضيع التقليدية للعمارة وأحولها وأعيد تفسيرها من خلال نهج جديد».
واختياره للون الأبيض كان صائباً لتجانسه مع البيئة المحلية بالإمارات وأيضاً لأبعاده الروحية، حيث يوحي باللانهائي والمطلق. كما أنه اللون المناسب للمباني التي يحيط بها الماء. وبهذا، يكون المعماري الفرنسي قد انزاح عن طريقة بناء المتاحف التقليدية والتي تتميز بالصلابة والانغلاق، فاستبدلها في تصميمه للوفر أبوظبي بجعل المبنى منفتحاً على السماء والماء، كترميز لجعله مركزاً للانفتاح الثقافي والحوار الحضاري، وتعبيراً عن روح الضيافة العربية، وأيضاً حقق تناسقه مع روح المكان.

قبة النجوم
إن أهم ما يميز متحف اللوفر أبوظبي تلك القبة البيضاء المبهرة المكونة من أشكال هندسية نجمية متداخلة، وما يمنحها جماليتها، أن طريقة تركيبها وأشكالها مستوحاة من الزخرفة الإسلامية، وإن كانت مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وهي تشكل مظلة تغطي أجزاء المتحف المختلفة. وطريقة تركيبها تتيح تسرب النور عبر الفتحات الموجودة في السقف والتي تسقط كمطر من النور وتنعكس على شكل نجوم، ويصف جان نوفيل ذلك بقوله: «إنها مظلة ترش مطراً من النور».
وحققت القبة للمتحف روحانيته، يقول جان نوفيل: «إن روحانية المكان يساهم فيها النور المتسرب من القبة. والهندسة العربية العظيمة، هي هندسة لا تنفصل عن الأضواء. ولقد حاولت إيجاد شيء يحقق ذلك، فجعلت القبة مصنوعة من أشكال نجمية عبارة عن طبقات، ليتسرب النور عبر فتحاتها، ومع تحول الشمس، فإن الأشكال الهندسية لانعكاس النور المتسرب من القبة تتغير وتتحرك ونقاط النور تظهر وتختفي، فيصبح هذا النور نابض بالحياة في تغيرات شكله وحركيته مضاف إليه انعكاس المياه التي تدخل تحت القبة في قنوات، فتخلق جواً مفعماً بالسحر».
والنور المتسرب من التخريمات بسقف القبة بطريقة شاعرية وإيقاعية وبديعة وخلابة، ناتجة عن تركيب القطع الهندسية الفولاذية حيث تم تغليف القبة بثماني طبقات من تلك الأشكال، لإضفاء جمالية على طريقة تسرب النور وحركيته وأشكاله، حيث الخفاء والتجلي والظل والضوء اللذان يعدان أحد أسرار جمال اللوفر أبوظبي. واستوحى جان نوفيل ذلك من المدينة العربية وخاصة من الأسواق القديمة، حيث كانت السقوف تغطى بسعف النخل المتداخلة والتي تسمح بمرور الضوء عبرها، كما استوحاه من النور المخترق لأشجار النخيل، كما أن الماء الذي يمر تحت القبة من الإضافات الجمالية فهو أيضاً عاكس للضوء، وعن ذلك يقول نوفيل: «إن الفضاء المتلألئ من المياه التي تمر تحت القبة تسمح باهتزاز الضوء الذي ينعكس على جوانب المبنى، فيذكر ذلك بأهمية وقيمة الماء في العمارة العربية، وفي الليل يصبح المشهد عكس ما ذكرنا ويتحول لواحة من الضوء تحت قبة كالكوكب». وتمرير نوفيل لقنوات مائية تحت القبة يذكرنا بنظام الري عند العرب. وبذلك تكون قبة اللوفر أبوظبي البيضاء قد حققت للمبنى جماليته وروعته وانسجامه مع محيطه، ويلخص جان نوفيل أسباب استيحائه للعمارة العربية لما صمم القبة بقوله: «لكي أنجز القبة البيضاء استوحيت هندسة المدينة العربية، كما أنني مع فكرة أن المتحف هو حي كامل أكثر مما هو مبنى واحد، لأنه مكان للاجتماعات والمناقشات، كما أن هناك انفتاحه على البحر، مع القوارب، الأمر الذي يخلق إحساساً رمزياً بحوار الحضارات، كما استغللت انفتاح الصحراء على حافة الماء».
وما يمكن تأكيده أن جان نوفيل استوحى قبة اللوفر أبوظبي من قباب المساجد والأضرحة والقصور، لكنه حرر شكلها، فجعلها بأبعاد شبه مسطحة، وخفضها بشكل ملحوظ، وجعل الطبيعة تتداخل مع المبنى من خلال المياه ونور الشمس المتغلغل للداخل من خلال السقف ذي الأشكال النجمية المتشابكة، فالطبيعة حاضرة بقوة في المتحف وهي جزء منه، ويؤكد ذلك جان نوفيل بقوله: «لقد خلقنا مناخاً مصغراً، واعتمدنا على أحاسيس استكشاف العمارة العربية العظيمة، وهي لعبة تقوم على السيطرة على الضوء والهندسة. كما استخدمنا المياه في الظل لخلق ظاهرة مناخية بفضل الرياح التي تتسرب تحت القبة». وبما أن اللوفر أبوظبي ينتمي للعمارة المستقبلية والتي من أحد شروطها تحقيق الاستدامة، فإن قبة اللوفر بالإضافة إلى ما هو جمالي وضعت لأغراض بيئية أيضاً، حيث تحيل طريقة إكساء القبة على المشربيات الشرقية، التي تمثل الطرق التقليدية في تكييف الهواء في المناطق الحارة، حيث جعلها جان نوفيل تتزيا بفتحات هندسية مشغولة ومرتبة بمهارة ليمر منها الضوء والهواء، كما أن القنوات المائية التي تمر تحتها تمكن من مرور تيارات هوائية تجعل جو غرف المتحف ووحداته الأساسية معتدلا فتعزز تكييف الهواء، كما تسمح بتوفير الظل وفي نفس الوقت توفر فتحاتها الإضاءة الطبيعية. وحسب جان نوفيل فإن: «لعبة الضوء العشوائية تسمح بتوفير احتياجات المكان من هذا الضوء»، كما أن القبة بمثابة مظلة تحمي الساحة الخارجية والمباني أسفلها من حرارة الشمس، وهي أمور تمكن من الاقتصاد في استهلاك الطاقة. إن الطريقة المعمارية التي انتهجها جان نوفيل في إنجازه لتصميم اللوفر أبوظبي كانت إضافة هامة للمشهد الثقافي والمعماري العربي، حيث جعل منه تحفة فنية متفردة ومتميزة ومبتكرة كما جعله يتناغم مع البيئة والثقافة العربيتين، ومع ظروف العصر.