تقارير

روسيا واحتواء التحدي الكوري الشمالي

في خضم هذه الأزمة المتفاقمة حول البرنامج النووي والصاروخي لكوريا الشمالية، أصبحت القضية مثار اهتمام كل من روسيا والصين إلى جانب الولايات المتحدة. وكل هذه الدول ترغب في تقويض الطموحات النووية لبيونج يانج؛ ولذا فإن عليها أن تعمل معاً لبلوغ هذا الهدف.
ولكن، عندما اجتمع الرئيسان دونالد ترامب وفلاديمير بوتين يوم الجمعة الماضي، على هامش قمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا- الهادي «آبيك» في فيتنام، قال خبراء روس، إن بوتين ربما يكون قد جاء إلى الاجتماع بأذنين مفتوحتين وبتوقعات لا تزيد على الصفر بتحقيق تغير في الموقف أو تفاهم بين الطرفين حول الموضوع.
وإذا واصل ترامب قرع طبول التصعيد لفرض المزيد من العقوبات على بيونج يانج، فإن من المؤكد أن بوتين سيرفض أي اقتراح قد تتقدم به الولايات المتحدة في هذا الشأن، وفقاً لما يراه خبراء ومحللون. وقد عمد الرئيس ترامب للتلميح بتبني الحلول الدبلوماسية خلال هذا الأسبوع، إلا أنه لا يبدو أن الكرملين مستعد للاقتناع بمثل هذا الخط في غياب أي اعتراف صريح بأن ذلك يمثل فشلاً في سياسة الولايات المتحدة السابقة.
وفي هذا السياق، قال فيودور لوكيانوف، رئيس تحرير مجلة «روسيا في العلاقات الدولية»: «لا شك في أن من غير المناسب إطلاق مثل هذه الملاحظة، والمفارقة أن كوريا الشمالية كانت منذ زمن بعيد تبدو وكأنها هي الرابحة في لعبة تسخين المواقف وتبادل الشتائم والتهديدات مع الولايات المتحدة!»، مضيفاً: «وبالطبع، فروسيا تريد أن تكون ذات فائدة في حل هذه المشكلة، إلا أننا لا نستطيع المساعدة في الوقت الذي نرى فيه أن التكتيك الذي تتبعه الولايات المتحدة في هذا المجال لا يؤدي النتائج المنتظرة منه، وبأن من غير المحتمل أن ينجح في المستقبل. فما الذي يدفعنا إذن لأن نكون جزءاً من هذه المشكلة؟».
ومن المعروف أن لروسيا حدوداً مشتركة مع كوريا الشمالية، وهي تستفيد من علاقاتها السياسية الطيبة مع بيونج يانج هذه الأيام بأكثر من الصين التي تعدّ شريكتها التجارية الكبرى. ونتيجة لذلك، بات بإمكان موسكو أن تتولى خطة للوساطة بين واشنطن وبيونج يانج. إلا أن تغريدات ترامب الموجهة ضد كوريا الشمالية والمقترنة بالتلويح باحتمال تدخل عسكري أميركي غير مسبوق في المنطقة، ألقى بظلالة على التوقعات الدبلوماسية، وخلق جواً وصفه المحللون الروس بأنه تصور خطير لحرب وشيكة لا يمكن تجنبها.
ولكن على رغم ذلك كله، وخلال خطاب ألقاه ترامب في سيؤول عاصمة كوريا الجنوبية يوم الثلاثاء الماضي، أعلن أن واشنطن تحقق الآن «تقدماً كبيراً» في حل هذه المشكلة، وأشار إلى أن الوقت قد حان بالنسبة لبيونج يانج للتقدم بـ«صفقة» حول برامجها النووية والصاروخية.
وقال ترامب خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس كوريا الجنوبية «مون جاي إن»: «أعتقد أن منطق التعقل يفرض على كوريا الشمالية أن تسلك السلوك القويم ليس فقط لأنه يصب في مصلحتها، بل لأنه يصب أيضاً في مصلحة الإنسانية جمعاء والعالم كله». وأشار ترامب إلى أن الصين تعمل بكل ما أوتيت من قوة لحل هذه المشكلة، وعبر عن أمله في أن تكون روسيا مفيدة أيضاً في هذا المسعى.
وبدوره، قال ألكساندر زهيبين، رئيس مركز الدراسات الكورية في معهد الشرق الأقصى في موسكو: «إنه لمن المشجّع أن نرى ترامب وهو يتحدث عن إمكان عقد صفقة. ونحن نعتقد أن تحقيق هذا الهدف أمر ممكن»، وأضاف: «إلا أنه ما من صفقة يمكن تقديمها تحت ستار من الضغوط والتهديدات، بل يجب أن تسبق ذلك عودة إلى التفاوض، وسيحتاج كل طرف للتحلّي بأعلى مستوى من القدرة على التحلي بالصبر ومضاعفة الجهد للقبول بهذا المسار. وقد جاء في نصوص القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، المتعلقة بفرض العقوبات على كوريا الشمالية بتأييد من روسيا والصين، أنه لا غنى عن التفاوض للوصول بهذه المشكلة إلى حلول. ولسوء الحظ، فقد كانت واشنطن حريصة على تجاهل هذه الملاحظة الأخيرة».
وتؤيد روسيا والصين التوصل إلى «اتفاقية نقطة البداية» التي تقضي بتجميد كوريا الشمالية لبرنامجها لاختبار وتطوير الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية، وأن تعمل الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في المقابل على تخفيض التواجد العسكري قريباً من حدود كوريا الشمالية. ويرى «زهيبين» أن التصور الشائع لدى العامة بأن بيونج يانج لن تقبل الانصياع لأي اتفاقية من هذا النوع، هو تصور خاطئ، ودليل ذلك أن الولايات المتحدة سبق لها أن بذلت جهوداً في هذا الاتجاه في الماضي أيام إدارة بيل كلينتون في عقد التسعينيات، وحققت بعض النجاح في النهاية.

*محلل سياسي كندي مقيم في موسكو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»