تقارير

«دوتيرتي» واستثمار زيارة «ترامب»

أراد الرئيس الفلبيني «رودريجو دوتيرتي» شيئاً واحداً من اجتماعه المهم مع الرئيس دونالد ترامب في مانيلا أمس، ألا وهو: العودة إلى مرحلة «فيرديناند ماركوس». ففي عام 1981، تحدث نائب الرئيس الأميركي آنذاك «جورج بوش الأب» في ثالث حفل تنصيب لـ«ماركوس» قائلاً: «إننا نحب التزامكم تجاه المبادئ والعملية الديمقراطية».
وقد أربك تأييد بوش منتقدي «ماركوس» وعزّز موقف الزعيم الفلبيني الأسبق. وفي الوقت الراهن، من المرجح أن تكون لإطراءات ترامب لـ«دوتيرتي» التداعيات ذاتها. ومن المؤكد أن الرئيس الفلبيني سيجد فرصة للإشارة إلى أن استطلاع «مركز بيو للأبحاث» المنشور في يونيو الماضي، أظهر أن ثقة الفلبينيين في الرئيس ترامب تصل إلى 69 في المئة.
وبالطبع، لم يكن من المفيد لـ«دوتيرتي» إظهار ميله إلى الصين وروسيا، بينما يستضيف نظراءه من قادة «جنوب شرق آسيا»، في اجتماع قمة إقليمية. ولم يحضر «شي جين بينج» ولا فلاديمير بوتين إلى مانيلا. وفي الفلبين، التي لا تزال واحدة من أكثر الدول الموالية للولايات المتحدة، يقيس الشعب قادته بمقياس يتأثر بالعلاقة مع واشنطن.
ووفقاً لذلك المقياس، لدى «دوتيرتي» كثير من الأمور التي تصب في مصلحته، فمستشارو ترامب كانوا يتصورون في البداية زيارة مدتها ليلة واحدة إلى الفلبين، ولكن تم تمديدها إلى يومين. وبدلاً من إجراء مجرد محادثات جانبية على هامش قمة «آسيان»، أصبح لقاءً ثنائياً بين الرئيسين. ومن الجدير بالملاحظة أن «دوتيرتي» نجح في حضور منتدى «التعاون الاقتصادي بين دول آسيا والمحيط الهادي» من دون ارتكاب زلات كبيرة. ولأن الجميع يعرف في الوقت الراهن أن «دوتيرتي» يتجنب الدبلوماسية في التعامل، ولاسيما على الصعيد السياسي، فمن الجدير التساؤل عن سبب بذله قصارى جهده لإظهار أفضل سلوكياته مع نظرائه العالميين، ويبدو أن السبب محلي، في ضوء نفاد الزخم من أجندته السياسية.
ويواجه «دوتيرتي» معارضة قوية في ضوء انتقادات من المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل والخارج، وقلق علني متزايد، وإن كان حذراً، من البطريركية الكاثوليكية الرومانية، وتساؤلات متزايدة من منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام. وقد صاحَب ذلك كله، تراجع شديد في التأييد الشعبي للرئيس وأساليبه. والأكثر أهمية من ذلك، أن قطاع الأعمال يبدي قلقاً بشأن فقدان الاقتصاد لزخمه.
وقد تعين على الرئيس الفلبيني أن يتراجع سريعاً على جبهتين: الأولى، والأكثر إيلاماً، كانت معركته في الحرب على المخدرات. وفي أكتوبر، اضطر «دوتيرتي» إلى إعفاء الشرطة من مسؤولية تنفيذ عمليات عسكرية ضد تجار المخدرات، مانحاً تلك المهمة لوكالة مكافحة المخدرات الفلبينية، ولكنه أيضاً أعلن توقعه فشل جهودها بشكل كامل. وتم إعفاء الرئيس السابق للوكالة بسبب تشكيكه في زعم «دوتيرتي» وجود 4 ملايين مدمن على المخدرات في البلاد. والمشرف على الوكالة الجنرال المتقاعد «ديونيسيو سانتياغو» تمت إقالته الأسبوع الماضي بسبب تجرئه على الإشارة إلى أن منشأة ضخمة لإعادة التأهيل يموّلها ملياردير صيني «لا طائل من ورائها»، على رغم أن «سانتياغو» هو من قدّم لـ«دوتيرتي» ملفات كانت أساساً مخابراتياً للحرب على المخدرات ذاتها.
وأما على الجبهة الثانية: فقد تعيّن على «دوتيرتي»، مؤقتاً، تعليق فكرة اقترحها بعض أنصاره، بأن يُبطل الدستور الفلبيني الذي يرجع إلى 1987، ويشكل حكومة ثورية يترأسها، على نسق الانقلابات الذاتية القديمة التي كانت مشهورة في أميركا اللاتينية.
والأجندة الرسمية لـ«دوتيرتي» طموحة بدرجة استثنائية، فهي تتضمن إصلاحاً ضريبياً، وإعادة هيكلة للفرع التنفيذي من السلطة، وتغيير شكل الحكومة من النظام الرئاسي إلى البرلماني، وتبني النظام الفيدرالي.
وتقتضي تلك الخطوة شديدة الخطورة ثلاثة أمور، فلا بد أن يتقبلها الرأي العام، ويجب أن يسمح بها الجيش، ومن الضروري أن تغض الحكومات الأجنبية الطرف عنها. غير أن أنصار «دوتيرتي» أظهروا فتوراً في حضور الحشود الداعمة للحكومة، في تناقض شديد مع الأيام التي كانوا يحتشدون فيها بأعداد ضخمة. وعلاوة على ذلك، أشارت التقارير إلى أن وزير الدفاع «ديلفين لورينزانا» وقائد أركان القوات المسلحة، أخبرا نائب الرئيس بأنهما لن يؤيدا تشكيل حكومة ثورية. ولذا، فقد اضطر «دوتيرتي» لتأجيل المقترح في الوقت الراهن.

*كاتب فلبيني
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»