الملحق الثقافي

صرخات في ظلام الكون

هل توجد كائنات أخرى تستجيب لرسائل الإنسان المتواصلة؟

هل توجد كائنات أخرى تستجيب لرسائل الإنسان المتواصلة؟

استطاع الإنسان بفضل إرادته العظيمة ودأبه في تحصيل المعرفة وكشف ألغاز الوجود، من تحقيق تقدم هائل حول فهم ذاته ومكانته في الكون. الكثير من المستحيلات التي ما كان الأقدمون يحلمون بتحقيقها، أصبحت اليوم واقعاً متحققاً.

انطلقت المغامرة البشرية من الكهوف وها هي ذي اليوم تتطلع لتعمير النجوم. غير أن كل هذه المعرفة التي تراكمت عبر آلاف السنين، لا تعني بتاتاً أننا استطعنا بفضلها كشف كافة الحجب، وإماطة اللثام عن جل الألغاز التي تكتنف وجودنا. صحيح أن آفاق المعرفة الإنسانية قد تقدمت بدرجة كبيرة، لكن وبالمقابل فإن غموض الحياة تتسع دائرته. وإذا كان الإنسان قد اغتر في مرحلة الحداثة الظافرة، من كونه قد تمكن من السيطرة على الطبيعة وحل كافة ألغازها. ها هو اليوم في نهاية القرن العشرين، خصوصاً مع بداية الألفية الثالثة، يكتشف وإن كان بمرارة هشاشة الوضع البشري. نحن اليوم نصرخ، الصرخة ذاتها التي عبر عنها الرسام مونك في لوحته الشهيرة. صرخة الرعب واليأس، ومع إدراكنا الأليم لتناهينا الفردي والجماعي، نحاول أن نرسل رسائل باتجاه المجهول، حتى نخبر «الآخرين» الذين قد يحلون مكاننا أننا كنا هنا بالفعل، وأننا مررنا من هذه البسيطة، وأنه كانت لنا يوما ما حضارة على هذه الأرض. هذه هي قصة كبسولات الزمان التي سنتركها وراءنا، مثل رسائل داخل قارورة ملقاة، على امتداد الأبدية في المحيط اللامتناهي للكون.

صفيحة بيونير
صفيحة بيونير la plaque de pioneer هي أولى الرسائل التي أرسلها الإنسان باتجاه المجهول، على أمل أن تلتقطها حضارات ذكية في الفضاء الخارجي وترد عليها. الصفيحة هي عبارة عن قطعة معدنية، أرسلت على التوالي بواسطة المسبار الفضائي بايونير 10 سنة 1972 وبايونير 11 سنة 1973. تحتوي الصفيحة على رسالة مشفرة تتضمن معلومات عن الجنس البشري، وعن موقع الكرة الأرضية في المجموعة الشمسية. كان العالم الشهير كارل ساغان هو صاحب فكرة إرسال رسالة إلى الفضاء الخارجي، وهو من أعد هذه الصفيحة بتعاون مع العالم فرانك دريك. آخر اتصال بهذا المسبار كان سنة 2003 قبل أن يتجاوز نيبتون ويرتمي في ظلام الكون.
سنة 1974 قام كارل ساغان من جديد بتأليف رسالة مشفرة، وإرسالها إلى الفضاء الخارجي من مرصد أريسيبو في بورتوريكو. تتضمن معلومات عن العناصر الأساسية المكونة للحياة على الأرض، مثل الكربون والهيدروجين والأكسجين وغيره، ومعلومات عن لولب الحمض النووي، وكذا رسم توضيحي لشكل الإنسان، والمجموعة الشمسية التي تنتمي إليها الأرض. كانت وجهة رسالة أريسيبو هي مجموعة مجرية تبعد عنا حوالي 25 ألف سنة ضوئية، مما يعني أنه علينا أن ننتظر الرد بعد مرور نفس المدة الزمنية، غير أن أمراً غريباً حدث بعد ذلك، ففي سنة 2001 ظهر شكل لدوائر القمح يتضمن رسالة يبدو كما لو أنها رد واضح على رسالة أرسيبو. وفي السنة الموالية، ظهر رسم آخر يتضمن صورة لوجه كائن فضائي، مرفقة بصورة قرص مدمج به معلومات مشفرة. هل يتعلق الأمر باتصال من خارج الأرض أم بخدعة محبوكة؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين، ولكن ما هو مؤكد هو أن الإنسان يحاول جاهداً أن يفك أسرار عزلته الكونية. إن الكون شاسع بدرجة لا يستطيع حتى خيالنا أن يستوعبها، لذلك من غير المعقول أن تقتصر الحياة على حيز صغير يكاد لا يرى ضمن هذه اللانهاية من الكواكب والمجرات.
سنة 1977 تم إرسال رسالة أخرى أكثر تطوراً بواسطة المسبار فواياجور. كانت عبارة عن قرص ذهبي يتضمن معلومات عن التنوع الثقافي والعرقي للبشرية، كما تضمن صور عديدة عن الطبيعة والبحر وبعض الأنشطة البشرية، وصوت التحية بأغلب لغات العالم و 90 دقيقة من الموسيقى المأخوذة من مختلف ثقافات الشعوب. بالإضافة إلى صوت العصافير وصوت أمواج البحر.
آخر مشروع للتواصل مع العالم الخارجي هو مشروع ميتي خلال السنة الجارية 2018 والقاضي بإرسال رسائل منتظمة إلى الكواكب القريبة التي يحتمل وجود حياة بها.
رغم الرمزية الكبيرة التي تتضمنها هذه الرسائل، فإن هناك من اعترض عليها وانتقدها. يقال على سبيل المثال أنه من غير اللائق أن يخبر الإنسان عن نفسه، وعن مكان وجوده لأننا لا نعلم عما إذا كان مستقبل هذه الرسالة كائناً مسالماً أم وحشاً كاسراً. الأمر يشبه من وجد نفسه داخل غابة من الأفضل له أن يلتزم الصمت، بدل أن يكشف عن نفسه، فقد يكون صراخه وبالاً عليه. ولكن ألا يمكن أن نرى عكس هذا الأمر، فنحن عندما نُشَيْطِن هذه الكائنات الفضائية، في الحقيقة لا نفعل شيئاً سوى أننا نسقط عليها شرورنا الخاصة، في حين إن هذه الكائنات ونظراً للسبق الزمني لحضارتها مقارنة مع حضارتنا، ونظراً أيضا للتقدم التكنولوجي الهائل الذي تعرفه، من المنتظر أن تكون قد تجاوزت تماما كل التناقضات والنقائص الذاتية، وارتقت في مدارج الوعي والسمو الروحي.
نعتقد إذن أنه لا خوف من حدوث لقاء من النوع الثالث. فالشر لن يسقط من السماء بقدر ما سيقطر من أصابعنا.

مشروع أونكالو
«سأقول أنكم توجدون الآن في مكان حيث دفنا شيئاً بعيداً عنكم، من أجل حمايتكم، وقد عانينا الكثير من المتاعب للتأكد من أنكم محميين. علينا أيضاً أن نحذّركم من أن هذا المكان ينبغي أن لا يتم العبث به. نريدكم أن تعرفوا أن هذا ليس مكاناً يمكنكم أن تعيشوا فيه، ابقوا بعيدين وستكونون بأمان». هذه هي الكلمة الافتتاحية التي يبدأ بها الشريط الوثائقي «داخل الأبدية» into eternity من إخراج الدانماركي ميكاييل مادسن سنة 2010، وهو الشريط المخصص للتعريف بمشروع أونكالو onkalo، وهي كلمة تعني باللغة المحلية «المخبأ» الذي يهم دفن نفايات نووية بفيلاندا على عمق 500 متر تحت سطح الأرض. من المنتظر أن يصمد المكان الذي يمتد على شكل مغارة لخمسة كيلومترات، مائة ألف سنة. بدأ العمل في هذا المشروع سنة 2004 وسيتم الانتهاء من الأشغال سنة 2020 بعد ذلك سيتم ملؤه بالنفايات النووية لمائة سنة قبل أن يتم إغلاقه وختمه نهائياً.
تحيط بالمشروع الكثير من الشكوك والتساؤلات، فنحن على سبيل المثال لا نعرف طبيعة المجتمعات التي ستخلفنا في المستقبل، ولا وما هي الأحداث التي ستقع والتي قد تدفع إلى اكتشاف هذا المكان. لهذا السبب يبدو كما لو أن أونكالو إرث غريب سنتركه لأحفادنا البعيدين.
لقد خلّفت لنا الحضارات القديمة مع الفراعنة وحضارات المايا والأستيك وغيرها تراثاً أركيولوجياً ضخما، ما زلنا إلى يومنا هذا لم نحل كافة ألغازه، بينما لن نترك نحن للأجيال القادمة سوى كوارث لم نعرف كيف نعالجها فرمينا بها للمستقبل. ولكن عندما يصبح هذا الشر مطموراً ومتوارياً عن الأنظار هل معنى هذا أنه لم يعد موجودا؟. أونكالو رسالة من نوع آخر ليست موجهة كي تستقبلها كائنات فضائية، بل هي رسالة موجهة للأجيال القادمة، نخبرهم فيها عن طبيعة الحضارة البشرية التي عشناها خلال هذه القرون، تلكم الحضارة التي لم نعرف كيف نتحكم في كوارثها، ولا في فهم إبهام المصير الغامض الذي خلقته.

هشاشة الوجود
هشاشة الوجود La facticité de l’être واحد من المفاهيم الأساسية في الفلسفة الوجودية عند هيدغر، يحيل على عرضية الحياة البشرية وعلى تناهي الإنسان. هشاشة الوجود تتخذ اليوم عدة مظاهر قد تكون أبشع مما فكرت فيه الفلسفة الوجودية ذاتها. فلنقل بشكل مركز أن تهديدات المصير البشري تظهر حالياً في العناصر الآتية:
ـ الانفجار الديموغرافي الذي يهدد الكرة الأرضية بدمار شامل.
ـ وباء قد يحدثه فيروس قميء يفوق في شراسته كل الفيروسات التي عرفناها لحد الآن.
ـ الانهيار البيئي بسبب الاحتباس الحراري غير المتحكم فيه.
ـ التهديد الذي قد يشكله الذكاء الاصطناعي القوي، والذي قد ينظر إلينا باعتبارنا نحن الفيروسات التي ينبغي تخليص الأرض من خطرها.
ـ خطر الاحتراق النووي، يكفي أن يضغط مسؤول سياسي حانق أو إرهابي ما على الزر حتى تصبح البشرية فيما وراء الشمس. وإذا ما استبعدنا هذا السيناريو السيئ فإن سيناريو الحوادث يظل وارداً. لنتذكر حادثة تشيرنوبيل قديما وفوكوشيما مؤخراً.
لهذه الأسباب علينا أن نفكر فيما يدخل ضمن مدى الإمكان البشري، والمقصود هنا العمل بمسؤولية كي يكون المستقبل حلماً جميلاً بدل أن يكون كابوساً. إننا نفضل أن نعيش مع اللابديل كما يسميه زغمونت باومان (1)، رغم أن البدائل موجودة وهي تتطلب فقط القيام باختيارات مسؤولة، إلا أن حضارتنا للأسف ترى أنه من الممنوع التفكير في هذه البدائل لأنها لا تتماشى مع اقتصاد السوق.
إن علاج الهشاشة ممكن شريطة أنسنة العلم وربط التقدم بالغايات النبيلة، فبين صفيحة بيونير ومشروع أنكالو يوجد الخيط الرفيع بين وجهين للحضارة البشرية: وجه كله أمل وتفاؤل في الانتشار والتوسع والعثور على حضارات نجمية. ووجه آخر يعبّر عن حضارة غير قادرة على معالجة تناقضاتها ومشاكلها البيئية والصناعية، لذلك فهي تصدرها للأجيال القادمة.
إن كل هذا يعني أن التهديد العظيم الذي يواجه الإنسان ليس شيئاً خارجياً، بل شيء من صنيعة الإنسان ذاته. الوضع البشري اليوم هو كما وصفه جيمس مارتن (2) عبارة عن تراجيديا يونانية، نحن أشبه بذلك البطل الذي يقوم بفعل ما، ثم لا يدري مآل هذا الفعل إلى أن ينقلب وبالاً عليه. ما هو أكيد هو أن ما يهدد الإنسانية حالياً هو اللاإنسانية، هذه الأخيرة توجد ما تحت القمر وليس في الفضاء الخارجي. لذلك فنحن نصرخ ونستغيث طالبين العون من المجهول، وأملنا هو أن لا يكون نداؤنا مجرد صرخة في ظلام الكون.

صراع في الفضاء
بدأ اتجاه الإنسان إلى غزو الفضاء، في العصر الحديث، نتيجة لاحتدام الصدام السياسي والعسكري، بين المعسكرين الدوليين الغربي بقيادة الولايات المتحدة والشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي. وقد ساعد على ذلك التطور المبكر لتقنية الصواريخ، بعد الحرب العالمية الثانية. وقد بدأ السباق فعلياً بعد إطلاق أول قمر صناعي من قبل الاتحاد السوفياتي عام 1957.
وقد أثارت الصواريخ اهتمام العلماء والهواة لقرون عديدة، حيث استعملها الصينيون كأسلحة في القرن الحادي عشر، لكنها كانت صواريخ بسيطة غير دقيقة في التوجيه. واستخدمت على متن السفن وقواعد أرضية حتى القرن التاسع عشر. وفي عام 1880م وضع العالم الروسي قسطنطين تسيولكوفسكي (1857 ـ 1935) نظرياته حول الصواريخ التي قد تصل إلى الفضاء من حيث المراحل التعددية للصاروخ واستخدام الوقود السائل.
وفي 4 أكتوبر 1957 أطلق الاتحاد السوفييتي أول قمر صناعي وهو «سبوتنك-1» في مدار حول الأرض، ومنذ ذلك اليوم بدأ فعلياً سباق غزو الفضاء، وهو السبب الذي كان وراء تشكيل وكالة الفضاء الأميركية (ناسا).
وفي 12 من أبريل 1961 أصبح رائد الفضاء السوفييتي يوري جاجارين أول إنسان في الفضاء، وبعد 23 يوماً قام رائد الفضاء الأميركي آلن شيبارد بدوران فرعي لمدة 15 دقيقة في الفضاء.

................................................
الهوامش:
1 ـ زيغمونت باومان وليونيداس دونسيكيس: الشر السائل العيش مع اللابديل. ترجمة حجاج أبو جير، الشبكة العربية للنشر، الطبعة الأولى بيروت 2018
2 ـ جيمس مارتن: معنى القرن الحادي والعشرين. ترجمة أحمد رمو، وزارة الثقافة السورية 2011 ص 45