وجهات نظر

الرضاعة الطبيعية.. والسياسة الدولية

من النادر والغريب أن تصبح الرضاعة الطبيعية محل خلاف وتراشق بالألفاظ والعبارات بين زعماء العالم ورؤساء الحكومات والدول، لكن هذا ما حدث بالفعل منتصف الأسبوع الحالي. ففي تقرير نشر في جريدة «نيويورك تايمز»، ذكرت الصحيفة المشهورة أن ممثلي الولايات المتحدة اشتبكوا في معركة سياسية لفظية مع المئات من ممثلي الدول الأخرى خلال اجتماع عقد في فصل الربيع الماضي في مقر منظمة الصحة العالمية بمدينة «جنيف»، لإصدار قرار يحث دول العالم على تشجيع الرضاعة الطبيعية.

ووفقاً للتقرير الذي بُني على مقابلات مع عشرات من المشاركين، فقد اعترض ممثلو الولايات المتحدة على نص القرار، وبالتحديد جزؤه المتعلق بمطالبة حكومات العالم بدعم ممارسات الرضاعة الطبيعية. بل الأدهى من ذلك، لجأ ممثلو الولايات المتحدة إلى ممارسات تهديدية للدول الأخرى وممثليها، لإرغامهم على سحب تأييدهم للنص المقترح. ويذهب التقرير إلى الزعم بأن دولة «الإكوادور» كانت تخطط لتقديم نص القرار إلى باقي الدول الأعضاء المشاركة، إلا أنها تراجعت بعد تهديدات أميركية بعقوبات اقتصادية ضدها، وبسحب المساعدات العسكرية الأميركية لهذه الدولة اللاتينية النامية.

كما أفاد بعض المسؤولين الرسميين، بأن التهديدات الأميركية حول موضوع الرضاعة الطبيعية، طالت أيضاً منظمة الصحة العالمية نفسها، والتي ألمحت الولايات المتحدة إلى أنها قد تخسر المساهمة المالية الأميركية السنوية المقدمة لها من طرف واشنطن، والبالغة 118 مليون دولار، أو ما يمثل نسبة 15 في المئة من الميزانية السنوية للمنظمة الدولية. وإن كان في النهاية قد تم تمرير القرار بعد أن تقدمت به روسيا بدلا من الإكوادور التي اضطرت للتراجع، وبعد أن نجحت الولايات المتحدة في إلغاء العبارات التي تدعو منظمة الصحة العالمية لتقديم الدعم للدول التي تسعى لمنع أساليب الدعاية -غير اللائقة- للألبان الصناعية المجففة ومسحوق حليب الأطفال الرضع، وكذلك الأطعمة المعلبة الخاصة بالأطفال صغار السن.. مع إضافة عبارة «المبني على الأدلة» إلى بعض فقرات التقرير.

وينبثق هذا الخلاف بين الولايات المتحدة الأميركية وبقية دول العالم من منبعين رئيسيين، الأول هو العدائية التي تتميز بها أيديولوجية الإدارة الأميركية الحالية تجاه المنظمات العالمية والاتفاقيات الدولية، حتى ولو كانت تلك المنظمات عاملة لخير البشرية قاطبة، مثل منظمة الصحة العالمية، أو كانت الاتفاقيات هي لإنقاذ أفراد الجنس البشري برمته، كما هو الحال مع اتفاقية باريس لمواجهة التغير المناخي، ناهيك عن الاتفاقيات التجارية مع كندا والمكسيك أو دول المحيط الهادئ. هذه الأيديولوجية، والتي عبر عنها الرئيس الأميركي الحالي من خلال شعاره الانتخابي «أميركا أولا»، دفعت الكثيرين للتساؤل: متى لم تكن «أميركا أولا» في جميع سياسات الإدارات الأميركية السابقة؟

المنبع الثاني للخلاف حول صياغة قرار أو توصية دولية تتعلق بالرضاعة الطبيعية، ينبثق أيضاً من ميل الإدارة الحالية ذاتها تجاه كفة مصالح الشركات الكبرى ومتعددة الجنسيات، وذلك انطلاقاً من خلفية أن قطاع تصنيع ألبان الأطفال يمثل تجارة عالية الربحية، تقدر قيمتها السنوية بحوالي 8 مليارات دولار، وتستحوذ الشركات الأميركية والأوروبية على ما يمثل نسبة 33 في المئة من المبيعات السنوية لهذه الشركات في أنحاء العالم.

ومما زاد الموقف الأميركي غرابةً وإثارةً للاستهجان، هو خوض الرئيس دونالد ترامب نفسه في الخلاف، وإدلاؤه بدلوه في قضية كان يفترض أن تُترك للمسؤولين الحكوميين الأدنى رتبة. لكن، وكعادته منذ ترشحه لانتخابات الرئاسة وفوزه بها، سارع ترامب إلى صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، للرد على تقرير «نيويورك تايمز»، مطالباً الصحيفة «الفاشلة» بكشف السبب وراء ما تضمنه تقريرها من «أخبار كاذبة» حول موقف الإدارة الأميركية من الرضاعة الطبيعية.

ذلك الرد غير المعتاد، على خلاف لا يجب أصلا أن يحتل قائمة أولويات رئيس أقوى دولة في العالم، تعود جذوره إلى العلاقة بين ترامب والإعلام الأميركي، والإعلام الدولي عامة، منذ بدايات ترشحه قبل أكثر من عامين. وترتكز هذه العلاقة حول إيمان ترامب العميق، بأنه إذا ما أطلق سمة أو صفة «الخبر الكاذب» عن أية تغطية إعلامية سلبية تجاهه، فسيسارع مؤيدوه ومناصروه للاصطفاف خلفه، وتصديق أقواله حول موضوع التقرير أو التغطية، بغض النظر عن الموضوع نفسه وما يحمله من تفاصيل وخلفيات. إيمان ترامب هذا، أثبتت السنوات الماضية مدى صحته، خصوصاً على خلفية الاستبيانات التي تظهر أن 40 في المئة من الشعب الأميركي لا يثقون في مصداقية الإعلام.

وعلى منوال الخلاف حول موضوع الرضاعة الطبيعية، والناتج بشكل أساسي عن معاداة الإدارة الأميركية الحالية للمنظمات والاتفاقات والتحالفات الدولية، يتوقع أيضاً لزيارة ترامب إلى أوروبا التي بدأت أمس ضمن اجتماع دول حلف «الناتو»، أن تنتج عنها ألعاب نارية سياسية، سيتوارى معها الخلاف حول الاختيار بين إرضاع الأمهات لأطفالهن من أثدائهن، أم من حليب بقري تم تجفيفه وتعليبه في أوعية زاهية الألوان، مرصعة بالصور والرسومات.

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟