صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

«عشيق الليدي تشاترلي».. نص وترجمتان!

لقطة من الفيلم المقتبس عن الرواية

لقطة من الفيلم المقتبس عن الرواية

تجربة جديدة بالنسبة لي، لكنها مثيرة وممتعة أيضًا..
في معرض الكتاب الماضي (فبراير 2018) وقع بين يدي كتابان جديدان بغلافين أنيقين للغاية، يضمان ترجمتين لرواية الكاتب الإنجليزي الشهير د. ه. لورَنس «عشيق الليدي تشاترلي»، وهما في الحقيقة ترجمتان لنسختين مختلفتين للكتاب ذاته! أو هذا ما اكتشفته بانبهار عقب فراغي من قراءة الكتابين، معًا، وكلاهما له ما يميزه ويبرر قراءته وحده! لكن قبل الحديث عن هذا الاكتشاف المدهش، وعن تفصيل القول في الترجمتين المهمتين لواحدة من عيون الرواية العالمية، وكلاسيكيات الأدب البريطاني المعاصر، لا بد من إلقاء الضوء على الكاتب وروايته التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، ووصفتها جريدة (الغارديان) البريطانية العريقة بأنها «قنبلة وليست كتابا»، وقالت عنها (الأوبزرفر) «نقطة تحول مهمة في التاريخ».

مؤلف الرواية «ديفيد هربرت لورَنس» (1885-1930) هو الكاتب الإنجليزي الأشهر في القرن العشرين! تعددت مجالات إبداعه من الروايات الطويلة إلى القصص القصيرة والمسرحيات والقصائد الشعرية والكتابات النقدية. من أشهر أعماله «عشيق الليدى تشاترلي»، و«أبناء وعشاق»، و«فانتازيا الغريزة».
نشأ لورَنس في بيئة العمال الإنجليزية البسيطة، لأن أباه كان فحّامًا يعمل في مناجم الفحم، ولكن أمه كانت على شيء من الثقافة، فوجهت الصبي نحو القراءة والتطلع إلى الأدب. وما أن بلغ سن الشباب، حتى كان يحترف التعليم في إحدى المدارس في الريف ويراسل المجلات فيكتب القصص والقصائد والمقالات. كان لورَنس يكره الأرستقراطية الإنجليزية الثقيلة، والتحيز الطبقي المقيت، والكبْتَ الجنسي الإنجليزي المصطنع، والاحتشام المتكلف في الحديث عن الجنس، ولكنه دائما كان يعلن أنه «يحب أرض إنجلترا».
مات وهو دون الخامسة والأربعين (عام 1930)، ولكن الضجة التي أثيرت عقب موته لم تمت، إذ هي تجد من الأنصار والخصوم، ما سيُبقِي على ذكره بالجدال القائم عن مذهبه الذي أعلنه في الأدب ورأيه الذي ضمنه أعماله الروائية التي صارت من كلاسيكيات الرواية الإنجليزية.
ما زال لورَنس حاضرًا بقوة في المشهد الأدبي وما زال الجدل قائمًا حول القضايا الإشكالية التي طرحتها أعماله الروائية والقصصية، ومنذ وفاته وحتى الآن لم يتوقف الكتّاب والنقاد عن دراسة ما كتب وتحليله وقراءته من زوايا ومداخل مختلفة، وقد كان طيلة حياته لا يلقى سوى الاستهجان أو الإهمال الذي انقلب بعد وفاته إلى تقدير واهتمام كاسح.

ثورة على التقاليد
إن أدب لورَنس كله يدور حول الدعوة إلى الحياة، وضرورة الانتصار في هذه الحياة، وعدم الاستسلام إلى الأفكار التي تهدر الحرية وتدعو إلى الخنوع والرضا بما يفرضه المجتمع من قواعد وتقاليد تخنق الفرد وتهدر حريته وتمنعه من الوعي بوجوده الفرد، الحر. ينظر لورَنس للحياة نظرا فلسفيا ويتأملها من منظور مختلف، يريد أن يعرف أسرارها ويتذوق أطايبها. وهو في هذا النظر ينتهي، كما انتهى بعض الفلاسفة من قبل، إلى اللذة الجنسية. وذلك لأن الدعوة إلى الحياة كثيرًا ما تسير نحو الثورة على العرف والأخلاق والذهن. والرغبة في تحسسها وتجربة ما فيها من ألم أو لذة هي في الحقيقة رغبة في إيثار الغريزة على الذهن.
تدور رواية «عشيق الليدي تشاترلي»، حول العلاقة العاطفية المحمومة التي ربطت بين الليدي تشاترلي - وهي امرأة من الطبقة الأرستقراطية العليا وزوجة السير تشاترلي - ورجل بسيط من الطبقة العاملة.
تبحث الرواية ببساطة عن سؤال علاقة الرجل والمرأة، وصراع الجنس والحب، وبكل ما ينطوي عليه هذان السؤالان من أسئلة وثنائيات فرعية وثنائيات فرعية: سؤال الحياة والموت، سؤال العشق والهوى، سؤال الجسد والروح، سؤال الروحية والمادية.. الإجابة هنا لا تعترف بشيء اسمه حب عفيف وحب غير عفيف.. ليس هناك عشق تنفصل فيه الرغبة عن العاطفة، ولا حب ينفصل فيه الشعور بالعطف والخوف والشفقة عن الرغبة والإشباع والتشارك والتجدد.
الحب في الرواية تمرد وثورة على المواضعات الاجتماعية المنافقة، وعلى التقاليد البالية، وعلى الأخلاقيات المتصنعة الزائفة التي تشبه البلاستيك الرديء، إنها في وجه من الوجوه تعرية للأقنعة التي تداري الزيف والازدواجيات المتناقضة في مجتمع يكرس للطبقية وتصنيف البشر حسب ثرواتهم ومهنهم.. إلخ.
إن دوريس ليسنج الكاتبة البريطانية الحائزة جائزة نوبل في الآداب تجزم بأنه «لم يكتب أحد قَط أفضل من لورَنس عن صراع الجنس والحب»، ويكاد يوافقها على رأيها هذا نخبة معتبرة من الكتاب والنقاد وقراء الرواية المحترفين في العالم أجمع.
حينما صدرت الرواية للمرة الأولى بعد وفاة لورَنس، أثارت ضجة مهولة وغير مسبوقة وصودرت طبعاتها المختلفة وحوكم ناشرو هذه الطبعات، واشتعل جدل غير مسبوق في بريطانيا وأوروبا كلها حول حرية التعبير والإبداع، إلى أن حسم هذا الجدل بصدور أحكام قضائية نهائية تلغي حكم المنع والمصادرة، وتسمح بتداول ونشر الرواية التي صارت من أشهر الروايات في التاريخ!

كتاب واحد.. ونصان مختلفان!
في ديسمبر 2017 صدرت ترجمة عبد المقصود عبد الكريم عن دار آفاق، وبعدها بشهر واحد (يناير 2018)، أصدرت دار الكرمة الرواية ذاتها بترجمة أخرى. وقبل ذلك بسنوات طويلة صدرت ثلاث ترجمات أخرى في أماكن عدة من العالم العربي. ما الذي يميز إذن هاتين الترجمتين الأخيرتين؟ ولماذا مثلت تجربة قراءتهما بالتزامن تجربة ثرية ومدهشة للغاية؟

ترجمة عبد المقصود
سأبدأ بترجمة عبد المقصود عبد الكريم الصادرة عن دار آفاق (تقع في 528 صفحة من القطع المتوسط). من أكثر ما لفتني في هذه الطبعة، المقدمة التي كتبها عبد المقصود عبد الكريم، ويكشف فيها عن أمور عديدة أفادتني كثيرًا على المستوى الشخصي، سواء فيما يتعلق بالنص وتاريخه، أو تلك الإضاءات الموجزة المكثفة حول المؤلف الإنجليزي، لمن لا يعرفه أو يقرأه للمرة الأولى، وهي في ظني إضاءات ضرورية ولازمة.
في تلك المقدمة الكاشفة، يروي عبد المقصود عبد الكريم قصة ترجمته للرواية، وعلاقته بلورَنس التي تعود إلى أول كتاب ترجمه له وصدر عن دار الهلال المصرية عام 1992 بعنوان «فانتازيا الغريزة»، ثم يستعرض الترجمات السابقة على ترجمته تلك، وينقدها نقدًا يحمل حيثياته ويقدم أدلته، كما يورد نماذج وأمثلة دالة على أن الترجمات السابقة للرواية تعرضت لحذف نصفها، أو تشويهها، أو تقديم ترجمات «مهذبة»، ليدرك القارئ ضمنيًا أن الترجمات التي سبق له وأن اطلع عليها تعرضت لدور الرقيب من قبل «المترجم»، وليس من قبل الجهات التي تقوم بهذا الدور.
واستنادًا لكل ما سبق، فإن عبد المقصود عبد الكريم يؤكد أن ترجمته تلك هي «الترجمة الكاملة» لنص الرواية الكاملة التي تعرضت على مدى 89 عامًا للتشويه من قبل بعض المترجمين. في رأيي، أن هذه المقدمة قيمة مضافة ومهمة لهذه الطبعة بلا جدال.
أما الترجمة ذاتها، وأنا لا أملك مقارنتها بالأصل الإنجليزي، فإنني كقارئ وبحسي الشخصي، أستطيع القول إنها ترجمة «بذل فيها مجهود كبير وحقيقي»، وبدا حرص المترجم على نقل روح النص الأصلي وسماته الأسلوبية، والخلفيات الثقافية والاجتماعية لشخوصها، كما اجتهد في تلوين التباينات الأسلوبية والدلالية ما بين السرد والحوار بتوظيف طاقات وإمكانات الفصحى والعامية معًا!!
أحيانا كانت تستوقفني عبارات وجمل، وربما فقرات كاملة، أعيد قراءتها ثانية، وأتأكد من استيعابي لها، قابلتني كلمات ومفردات اضطررت للبحث عنها في المعجم، لكن دون أن أشعر بضيق أو أتململ من توقف القراءة.
بالتأكيد ومنذ الصفحات الأولى يتبدى المجهود الكبير المبذول في الترجمة، وبما يحقق الأهداف التي وضعها المترجم لنفسه لإنجاز ترجمته، من حيث الدقة، الوضوح، نقل المعنى وإيحاءات المعنى، مع الحرص الشديد على إبراز الجانب الثقافي والاجتماعي والنفسي والإنساني المتضمن في الرواية، عبر أحداثها وشخوصها وانتقالاتها السردية والحوارية..

ترجمة العيوطي
أما الترجمة الثانية فهي أقدم، أنجزها أستاذ الأدب الإنجليزي المعروف، الراحل د.أمين العيوطي، والتي نشرها في روايات الهلال عام 1989، أي أن عمر هذه الترجمة ما يقرب من ثلاثين سنة، طبعا تتميز طبعة الكرمة لهذه الترجمة بغلافٍ من أجمل الأغلفة لهذا العام (تصميم الفنان عمرو الكفراوي)، وقطع أنيق وإخراج بات سمة مميزة ومعروفة للكرمة، مستوى عال من الاحترافية والجودة في كل شيء.
كانت المفاجأة حينما شرعت في قراءة هذه الطبعة، أنني تقريبا أقرأ نصًا يبدو مختلفًا في تفاصيل كثيرة عن التي قرأتها قبلا. مع استمرار القراءة، ومراجعة البيانات البيوجرافية المتعلقة بالنص وصاحبه، اكتشفت أن هذه الترجمة هي للنسخة الأولى من الرواية التي أنجزها لورَنس عام 1929 قبل وفاته بعامين، وقبل صدور الطبعة الأخرى من الرواية أو النسخة الأخرى التي ترجمها عبد الكريم بحوالي 31 عامًا (وهي النسخة التي صدرت عام 1960 ونستطيع أن نقول عنها إنها مختلفة بدرجة ما بزيادة وقائع وأحداث وشخوص عديدة عن النسخة الأولى).
معنى هذا أنك تقرأ هنا «النص» في صورته الأولى، كما كتبه لورَنس لأول مرة، وقبل صدور النسخ التالية من الرواية، وهو ما برّر لي تباين شخصيات وأحداث بين النسختين.. إلخ.
أما المفاجأة الثانية، وهي الأروع، وتكفي وحدها كي أُشغف باقتناء هذه النسخة، فهي مقدمة د. ه. لورَنس التي لم تترجم من قبل للنسخة الأولى من روايته، وهي مقدمة مذهلة، بكل ما تعنيه الكلمة، وبما تكشفه من ثقافة لورَنس الواسعة ورؤيته الفنية والإنسانية الفريدة، وتعكس أيضًا عمق هذا الرجل، وعمق آرائه ووعيه الشديد الحاد بالقضايا التي شغلته. أكرر أن هذه المقدمة التي أنجز ترجمتها باقتدار خالد فاروق تعد قيمة كبيرة جدًا وإضافة حقيقية لهذه الطبعة.
في الحقيقة، أنا مندهش من قدرة كاتب مثل لورَنس وشجاعته في الآن ذاته، أن يكتب ثلاث نسخ من رواية واحدة، ومندهش أكثر من فكرة أن يُنشر هذا النص الروائي، في صورتين مختلفتين أو ثلاث، وتظل كل نسخة منها تحتفظ ببريقها ووهجها ومتعة قراءتها الخاصة، ولكل نسخة من يتحمس لها من النقاد والقراء معًا، ولعلي أؤكد مع ناشر ترجمة العيوطي بأن القارئ العربي محظوظ لأن تتوافر له نسختان أمينتان في ترجمتهما، وأن الناقد العربي محظوظ أيضاً لما توفره النسختان من فرص للمقارنة والتحليل والنقد.

منع وسماح
تجزم دوريس ليسنج الكاتبة البريطانية الحائزة جائزة نوبل في الآداب بأنه «لم يكتب أحد قَط أفضل من لورَنس عن صراع الجنس والحب»، ويكاد يوافقها على رأيها هذا نخبة معتبرة من الكتاب والنقاد وقراء الرواية المحترفين.
حينما صدرت الرواية للمرة الأولى بعد وفاة لورَنس، أثارت ضجة مهولة وغير مسبوقة وصودرت طبعاتها المختلفة وحوكم ناشرو هذه الطبعات، واشتعل جدل غير مسبوق في بريطانيا وأوروبا كلها حول حرية التعبير والإبداع، إلى أن حسم هذا الجدل بصدور أحكام قضائية نهائية تلغي حكم المنع والمصادرة، وتسمح بتداول ونشر الرواية التي صارت من أشهر الروايات في التاريخ!