صحيفة الاتحاد

الرياضي

العبقري العنيد.. الميلاد الجديد!

محمد حامد (دبي)
يواجه بيب جوارديولا تحدياً مستمراً لإثبات جدارته بلقب «العبقري»، فقد تعرض لحملة تشكيك فيما أنجزه مع البارسا بين عامي 2008 و2012، بداعي أنه لا يزال في بداية مسيرته التدريبية، واستفاد من فكر من سبقوه في عالم الكرة الشاملة، وعلى رأسهم يوهان كرويف، فضلاً عن إصرار البعض على أن إنجازات البارسا في عهد جوارديولا صنعها ليونيل ميسي، والثنائي المتألق تشافي هيرنانديز، وإندريس إنييستا.
وعلى الرغم من نجاحه في إبهار العالم بالكيان الكروي الأفضل في التاريخ، وفقاً لرؤية البعض، فإن بيب وجد نفسه أمام تحدٍّ من العيار الثقيل، فقد تعين عليه أن يرحل عن البارسا لخوض غمار تجربة جديدة، يثبت من خلالها أنه «العبقري» الذي يغير مفاهيم كرة القدم، ويتمسك بجاذبية الأداء، والفكر الهجومي، والسيطرة التي يتحول معها الفريق المنافس إلى مجرد مشاهد.
وبعد أن حصل على فترة من الراحة بعيداً عن أجواء كرة القدم، كانت المفاجأة في موافقته على تدريب العملاق البافاري بايرن ميونيخ، بعد أسابيع من تتويجه بالثلاثية التاريخية مع الثعلب يوب هاينكس، مما جعل تجربة بيب مع البايرن محفوفة بالمخاطر من اليوم الأول، كما أن إدارة عملاق بافاريا تتشكل من أساطير في عالم الساحرة، ومن ثم كان الحساب عسيراً، ويضاف إلى ذلك طبيعة الأداء الألماني الذي يعتمد على الكرة المباشرة للوصول إلى المرمى، وليس التمرير القصير المكثف الذي يعتمد عليه جوارديولا.
وفي غضون أشهر عدة، تحول البايرن إلى «بيب تيم» جديد، مكتسحاً الدوري الألماني، وبالنظر إلى أن البايرن، كما يقال ليس في حاجة إلى مدرب كبير للتتويج بالدوري، الذي اعتاد الحصول عليه، فقد عادت نغمة التشكيك في الفيلسوف الإسباني، وأصبح التحدي الحقيقي له الفوز بدوري الأبطال، وهو ما لم يحدث مع البايرن.
وبعيداً عن وصف البعض لتجربة بيب مع البايرن بأنها لم تكن ناجحة، فإن قطاعاً من الألمان أنصفوه حينما اعترفوا ببصمته في مجد الألمان المونديالي عام 2014، فقد كان هناك 7 نجوم من فريق البايرن فرضوا إيقاع الأداء الذي تعلموه على يد المدرب الإسباني.
وفي 2016، أصبح مان سيتي الوجهة الجديدة لجوارديولا، بمثابة التحدي الأصعب على الإطلاق في مشواره التدريبي، خاصة أن الدوري الإنجليزي لا يعترف بطريقة الأداء التي يفضلها بيب، وشكك البعض في قدرته على إخضاع الدوري الأصعب والأكثر تعقيداً في العالم لفلسفته التدريبية، وظهر السيتي بطريقة مقنعة في موسم بيب الأول، ولكنه عاد مرعباً في الموسم الحالي، فاكتسح الجميع وفقاً للطريقة التي يفضلها، وبلغت نسبة السيطرة والاستحواذ أكثر من 70%، كما حقق الانتصارات الكاسحة بأكبر عدد من الأهداف.
وفي ظل تربعه على القمة طوال الموسم، وبفارق كبير من النقاط تحول الدوري الأكثر تنافسية في العالم إلى «بوندسليجا» جديد على يد مان سيتي ومدربه جوارديولا، ويعد ذلك قمة النجاح للفيلسوف الإسباني، فقد وضع بصمته على الدوري الإنجليزي، وأخضعه لفكره على الرغم من كل حملات التشكيك في قدرة أي مدرب في العالم على فعل ذلك.
وفي الوقت الذي لا يتوقف فريق المشككين عن مهاجمه جوارديولا، فقد تمكنوا من العثور على نافذة جديدة لشن الحرب عليه هذه المرة، بداعي أنه يحصل على الدعم المالي الذي يجعله يتعاقد مع أفضل اللاعبين، وهو انطباع لا يتصف بالواقعية، فقد تجاوزت نفقات مان يونايتد ما أنفقه مان سيتي، خاصة في عهد فان جال، ثم مورينيو، وعلى الرغم من ذلك فقد تفوق بيب على مورينيو بصورة واضحة.
كما أن المدرب الإسباني يعتمد على فلسفة أكثر احترافية في التعاقدات، تتمثل في صرف 100 مليون إسترليني لجلب 3 لاعبين واعدين، لا أن ينفق هذا المبلغ الكبير لجلب نجم كبير، وأثبتت سياسة بيب نجاحها الكاسح، فقد أصبح لدى سيتي مجموعة من أفضل نجوم الكرة العالمية، لم يتجاوز عمر كل منهم 22 عاماً، وكشف المدرب الإسباني مؤخراً أنه قرر الانسحاب من صفقة أليكسيس سانشيز بسبب مغالاة اللاعب في مطالبه المالية، وكانت آخر المفاجآت، فيما كشف عنه من أن وكيل الأعمال الشهير مينو رايولا عرض على مان سيتي التعاقد مع بول بوجبا الشتاء الماضي، إلا أن جوارديولا رفض هذا العرض لأسباب مالية، حيث تتكلف الصفقة مبالغ طائلة وهي ليست سياسة السيتي في الوقت الراهن.
ملخص مسيرة العبقري في عالم التدريب، يشير إلى أنه تعرض لظلم فادح، حينما نسبوا إنجازاته في البارسا لعبقري آخر اسمه ميسي يعبث بالجميع داخل المستطيل الأخضر، وتجدد الظلم الواقع على بيب حينما أصروا على أن البايرن ليس في حاجة لمدرب، حينما يتعلق الأمر بالتتويج بالدوري الألماني، إلا أن تجربته الحالية في البريميرليج، هي الأهم والأكثر إنصافاً له، خاصة أنه تمكن من تغيير وجه الدوري الأعرق والأصعب في العالم، وفرض عليه بصمته بطريقة لم تحدث في تاريخ البطولة الإنجليزية.