صحيفة الاتحاد

رأي الناس

مدينة رفاعة.. الروح والمكان (1 -2)

ينقلني التأمل في سبر تلك العلاقة، بين المكان والإنسان، بين الحياة منظومةً وتدفقها «فعلاً»، إلى مدينة سودانية عتيقة.
مدينتنا اليوم هي من أهم المدن السودانية المنسية، والتي تمكن منها الصمت الحزين، تمكنه من كامل المدن السودانية التي «كانت» ذات يوم ناراً للهدى والفكر والاستنارة.
ولموت المدينة هذا تأملات قادمات، مدينتنا اليوم اسمها رفاعة والاسم لإحدى القبائل العربية التي سكنتها، إضافة إلى قبائل الجعليين والشكرية.
كانت رفاعة «المدينة المتمردة» بالمعنى النبيل للتمرد، بالمعنى الإبداعي لها.
فالمدينة تتبدى في فعل أبنائها، وتتجلى في حياتهم وشرودهم وتأملاتهم، فهي تلك العلاقة الأزلية بين الحاضر المحاييث والغائب المتعالي، بين تشابه اللفظ بمعناه وانفلات المعنى عنه.
هي المدينة التي تتكون ملامحها من ملامح حياتهم وتجاربهم وسماتهم، وهم من حرارتها ورطوبتها، وأطعمتها وأجوائها ومعمارها، ندخل رفاعة، ندخل الشرق من أرفع أبوابه، ندخل المكان ليدخلنا بعدها المكان، ويبتدئ الرقص والإيقاع بين الحالتين.
تستقبلك الثياب البيضاء، الجلاليب البيضاء، القمصان البيضاء، والجرس الأبيض، معلنة بدء يوم دراسي جديد.
فالحياة في رفاعة كامنة في مدارسها التي لا حصر لها، فهي مدينة روحها التعليم والفكر، وغالب أبنائها يدورون في فلك التعليم، هي «حاضرة» بين قراها وحيوات البداوة حولها.
يستقبلك النهر العظيم، ولو أنك أرجعت النظر خمسين عاماً لألفيت محموداً يتبتل هنا أو هناك متأملاً غارقاً في ملكوت ربه كادحاً إليه كدحاً فملاقيه، فما المدينة إلا الإنسان، وقرار الإنسان، وسكناه.
يستقبلك «ديم لطفي» بأشجاره وقيزان رماله، ببيوت دخل إليها ضوءُه ودخلت في ضوءِه، ثم افتقدته، تتعقب ضوءَه، تتعقب الأثر.
تلتقيك هناك الجدران الصفراء لمدرسة الشيخ لطفي، تلك المدرسة التي خُصصت إبان الحرب الأهلية بين شمال السودان وجنوبه لتعليم أبناء المناطق الجنوبية المقيمين في الشمال العربي المسلم.
يأخذك الطريق الأسفلتي فتلتقي بمدرسة بابكر بدري، ولهذه المدرسة والتجربة حدثاً وذكرى جليلة في النفوس السودانية.
فالشيخ بابكر بدري، وفي مطلع القرن العشرين، قبل مئة عام وخمسة عشر عاماً، فكر في استقطاب المرأة السودانية إلى التعليم، للقراءة والكتابة والعمل، فأسس بعد معارك طويلة وكبرى مع محيطه المجتمعي أول مدرسة لتعليم البنات في رفاعة، حيث اضطر فيما بعد إلى نقلها إلى مدينة أم درمان عام 1907 لتتحول اليوم إلى جامعة الأحفاد.
ألم أقل إنها المدينة المشاغبة!!

الطيب عبد السلام