صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

دروب قديمة

رغم الظلام الخفيف الذي يعمّ البلدة، خطت قدمي بذاكرتها القديمة نحو بيت الريس جمعة، أتشمّم رائحة الدروب التي مشيت بها في الصغر وبدايات الشباب قبل أن أهجر البلدة، بالتأكيد لم يكن الجو الخانق للصيف هو السبب في إحساسي المتعاظم باختلاف الرائحة، حيث بدا الهواء ثقيلًا على روحي المجهدة، أحس كأنني أخوض في لجّة راكدة، حاولت استدعاء بعض الذكريات القديمة التي تخصّ هذه الدروب: لعبي ومرحي وهروبي واستخفائي بها؛ لكن لا شيء يأتي إليّ، وكأنما الذاكرة ـ كحالها دومًا ـ تعاند في أشد لحظات احتياجنا إليها.
بعد خطوات يضيق الدرب وينعرج؛ كانت لأقدامنا أصوات وهي تدبّ بقوّة فوق هذا الأديم، أظنّها دبّة الحياة التي كنا نسعى لامتلاكها في ذلك الزمن البعيد، أتبسّم الآن من هذا التصوّر الساذج الذي أجج البجاحة والتهور داخل صدورنا فخرجنا نواجه الدنيا بأحلامنا العارية، هل سقط هذا الإحساس أم ترانا فقدناه في غمرة معاركتنا للحياة وتفرّقنا في الدروب المتقاطعة والمتباعدة.
ورأيتها في انعطاف الدرب، هي نفسها ببسمتها وضحكتها الهادرة، هتفت: صباح. غير أنها كانت تقود طفلًا صغيًرا من يده، يبدو باكيًا ويحاول التملّص منها، كانت تمسكه بيد، وتضع الثانية على رأسه، يا الله.. صباح بكل عنفوانها وشبابها الغضّ النضر والجلابيّة المحبوكة على قدر جسمها؛ يحاول الطفل التراجع، لكن قبضتها الحاسمة على يده تدفعه للتحرك للأمام، بينما اليد التي على رأسه تعبث بشعره تطمئنه فيأنس لقبضتها وبسمتها، تكلمه بشفاه مبتسمة ووجه مشعّ بالطيبة، حاولت أن أكلّمها لأنبّهها لوجودي، لكن صوتًا لم يخرج مني، وانتبهت إلى أني لا أسمع كلامها للطفل ولا وقع خطواتهما على الدرب، خفضت بصري تجاه الطفل، ورحت أدقّق في ملامحه، بجلابيّته المخطّطة حافي القدمين وهائش الشّعر، كانا يقتربان كأنما في فيلم قديم بطيء الحركة، وحينما حاذياني نفضتني المفاجأة، إذ كنت الطفل الذي تقوده صباح، هل توقفا ونظرا نحوي؟ أو هكذا تخيّلت قبل أن يرتطم ظهري بالحائط القريب وأنا أتراجع من هول ما رأيت، التفتّ عفوًا نحو الحائط، وفي اللحظة صار الدرب خاليًا إلا مني، والظلام أكثر كثافة، وروحي بالكاد تلتقط الأنفاس، وكأنما زمتة الصيف قد قللت من الهواء، تساءلت: أي مشهد هذا الذي رأيت، ولماذا بدوت خائفًا وباكيًا على هذا النحو؟ وكان عليّ أن أخطو مسرعًا متخطيًّا انعطاف الدرب.
* مصر