صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

قمح يستعين بالطير لعدّ نفسه

في حياتي
سمعتُ الكثيرَ من الكلام الكبير
الذي أدهشني
وأبكاني ودلّني على الأرض.
ولكنني ما زلتُ أحنّ
إلى طفولة اللغة التي افتتحَ بها آدمُ لسانه،
وطمْأنَ بها نفسَه
كغريب.
***

رأيتُ أطفالًا كثيرين
وزّعتُ محاسنَهم على نفسي.
قلتُ ل?وّل:
كان شَعري جميلًا مثل شَعرك.
قلتُ للثاني:
كنتُ أحبُّ كلّ ما حُرمتُ منه،
أكثرَ مما في يدكَ الآن.
قلتُ للثالث:
أمّي اشترَتْ لي ساعةً
كالتي خرّبتها من فرحكَ بها الآن.
قلتُ للرابع:
أبي كان كأبيكَ شابًّا جميلًا.
وقلتُ للخامس:
لا تكبر مثلي يا حزين.
***

ما زال حائطي مائلًا إلى الماء،
شقيتُ من أملي بأن يُصبحَ ظلُّه جزيرة.
لحظةً ويقع لأمشي..
على طرف الجزيرة وحدي،
كلّما نظرتُ إلى ظلي رأيتُ أبي.
وكلّما رأيتُ رتلًا من الدبابات
على الأرض يمشي، قلتُ:
يا إلهي كمِ ا?رضُ غنيّة بالحديد!
***

النزولُ ببطء
من طبْع الحزانى.
وعلى العتبةِ التفاتُهم سريع.
الذي يلعبُ به الحزنُ أكثر
يلهو كطفل
بعدِّ الدّرجات.
***

أنا قمح يستعين بالطير لعدّ نفسه.
أنا خيل شَرَدتْ من السرقة.
لا أرتابُ من النار،
فكلّما تنهدتُ تَعرّتْ.
ولا أضمنُ الماءَ،
يَحفظ اسمَكِ وأحزنُ
على سُقاة خيل
ماتوا عطشًا وما شربوا
من ماء الخيل.
***

حتّى البكاءُ كان فكرةً،
وكان لعبة
في طفولتنا..
كنا عندما نبكي على أيّ شيء؛
نستدرجُ الدمعَ لشفاهنا
ونَتذوّقُه.
***

مرّةً نمتُ والعلكةُ في فمي.
في الصباح رأتها أمي معجونةً في شعري.
قصّتها وبكيتُ:
«صارت حفرة على رأسي!»
قبّلتني وقالت:
في الليل سيرى الناسُ على رأسكَ القمر.
***

إذا تكشّف ولدٌ في الليل، قالت:
اسم الله عليك، وغطَّته.
وإذا كشّف الولدُ عجينَها الصباحيّ، قالت:
اسم الله عليك، وغطَّته.
أيّها الشعرُ
يا سواد العين ومحيطها الأبيض،
نمْ قليلاً،
وتكشّفْ كطفلٍ
في الليل.
***

البحرُ أوسع من اسمه في فمي،
ونظرتي إليه أوسع منه.
حدّثتُ نفسي بهذا
كسائحٍ نزل من سفينةٍ كبيرة،
وعالج غربته بإعادة النظر
إلى طائرٍ في السماء.
***

كلّما رأيتُ شيئًا دوّرته بالخيال،
والخيالُ يريدُ الأرضَ مستقيمة.
الخيالُ يجرح نفسَه بالحوافّ:
يُعطي الماءَ جُزرًا،
ويُعطي الأرضَ ماء.
***

يدُ الإنسان قصيرة،
يصلها بيدٍ أخرى أو بالسلاح.
يداي نظيفتان..
إنّما فتحتُ الحنفيّة
لألعبَ بالصوت.
***

الشلالاتُ الصغيرةُ
على ظهور الجبال
تجري وتصل..
رغم أنها عرجاء
كإمضاءٍ يَختلفُ قليلًا
عن نفس الإمضاء.
***

قد أعطيكَ الجسرَ
ويبقى لي النهرُ،
لكن لا أعطيكَ الطريقَ.
فأنا لا أمشي تجديفًا
على الزرع
الذي سقيته بنهري.
***

أسماءُ كثيرةٌ للسيف
ما تغلّبَتْ عليه.
أسماءُ كثيرةٌ للورد
انتشرتْ..
ولكن عندما نُحبُّ نُسمّي
الوردةَ وردة.
...................................................
* شاعر فلسطيني والنصوص مختارات من ديوان «خاطف الغزالة يتعثّر بأعشابها».