صحيفة الاتحاد

الرياضي

تعلموا من مبابي

يمثل مهاجم منتخب فرنسا كليان مبابي، حالة خاصة بل ومتفردة في هذه النسخة من كأس العالم، وبالإضافة إلى قيادته لمنتخب بلاده للعبور إلى المباراة النهائية من خلال مستوياته المميزة، وأهدافه الحاسمة، فهو يعد أصغر لاعبي البطولة، إلى جانب الأسترالي دانيال أرزانى، والمغربي أشرف حكيمي، إذ يبلغون جميعهم «19 عاماً»، وقد سجل نفسه أحد أبرز العلامات الفارقة من بين النجوم، الذين عجت بهم سماء المونديال الروسي، فما قدمه هذا الفتى اليافع من مستوى لم يقدمه إلا لاعبون قلائل لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، ليس من بينهم - بالتأكيد - الأساطير الثلاثة ميسي وكريستياتو رونالدو ونيمار.
كل ذلك - لاشك - رائع ولافت، وهو ما جعله حديث الجماهير، وهدف الإعلام، لكن ما استعظمته فيه أكثر، ولفتني إليه بشكل أدق، على الرغم من كل حضوره الأخاذ في المونديال، هو موقفه الوطني والإنساني، الذي نقلته صحيفة «ليكيب» الفرنسية، حين كشفت عن أن اللاعب الفرنسي الشاب قرر التبرع بجميع الأموال التي يحصل عليها من مشاركته مع منتخب «الديوك» في نهائيات كأس العالم للجمعيات الخيرية، اعتقاداً منه بأنه لا ينبغي للاعبين الحصول على أموال، حينما يمثلون منتخب بلدهم، وفي مقابل ذلك إيماناً منه بقيمة العمل الخيري، حيث أمر بإيداع مكافآته في حساب إحدى الجمعيات التي تنشط في الاهتمام بالمعاقين من الناحية الرياضية.
اعتقاده بأن تمثيل المنتخب الوطني لا ينبغي الحصول في مقابله على مبالغ مادية، هو لفتة مهمة، ولربما غير مسبوقة، وتستحق التوقف عندها، سواء اتفقنا معها أم لم نتفق، غير أن ما لا يمكن الاختلاف فيه معه، هو مبادرته بتحويل مكافآته التي يحصل عليها عند كل مباراة، والبالغة 20 ألف يورو إلى تلك الجمعية الخيرية، وهو تصرف يدل على إنسانية متناهية، ووعي بالغ.
قد يكون مبامبي على صغر سنه يتمتع بعقلية راجحة، وثقافة واعية، دعياه إلى هذا التصرف الغارق في النبل، وقد لا يكون ذلك التصرف من بنات أفكاره، وإنما بنصيحة من مستشاريه، أو مديري أعماله، أو المقربين منه، وأياً يكن الأمر، فإن ما قام به اللاعب هو درس لكل المحترفين، وحبذا لو يكون اللاعبون المحترفون العرب متابعين لمثل هذه المبادرات، ومتفاعلين معها، ولديهم مديرو أعمال ناصحون وأمينون، يأخذون بأيديهم إلى مثلها، لكونها تساهم في دفع عجلة العمل الخيري، وتعزز من قيمة اللاعب، إذ ترفع من رصيده الجماهيري، وحضوره الإعلامي.
ما يؤسف له أن المبادرات الخيرية، والأعمال التطوعية للاعبين المحترفين العرب، وفي مقدمتهم المشاهير، سواء المحترفين في داخل بلدانهم أو خارجها لا تكاد تذكر، وإن ذكرت فلا تكاد تمثل قيمة كبرى، وشخصياً لم أقف إلا على حالات معدودة، من بينها الخطوات المتقدمة في هذا المجال للاعب المصري محمد صلاح، الذي أصبح أيقونة خير، في وقت بالإمكان أن يكون لدينا أيقونات أكثر مثله.