صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

لا تترك عملك وإن كانت وظيفتك لا تلائمك

سعيد أنت بينما تتوجه لعملك في أول أيام مشوارك هناك، وتظل سعيداً حتى تصل وتفاجأ بأن زملاءك الجدد تِعسون، أو بأن المناخ العام خانق، أو بأن المدير شخص كريه.
هل يكون مقبولاً تحت أي ظرف من الظروف أن تستقيل في أول يوم؟ إن اتخاذ القرارات الحكيمة يتطلب تريثاً، والمفتاح هنا هو التمييز بين التحديات التي عليك أن تحاول تخطيها وبين المشكلات الجوهرية التي تعوق استمرارك في العمل قطعاً.
ويقول أرباب العمل والمدربون الوظيفيون إن عدد من يستقيلون من وظائفهم في مستهل التحاقهم بالعمل يتزايد. وفي دراسة أجراها مؤخراً كارير سير?اي شملت 3.697 موظف أميركي تبين أن ثلثي من توظفوا شعروا بسرعة أن العمل لا يناسبهم ونصف هؤلاء استقالوا في غضون الأشهر الستة الأولى.
وهناك موظفون شباب كثر تحمل سيرتهم الذاتية مكانين أو ثلاثة في خانة الوظائف السابقة، بينما أعمارهم لم تتجاوز الثلاثين، وهم في هذا يغفلون غالباً ذكر وظائف أخرى لم يستمروا فيها إلا بضعة أسابيع.
قبل بضع سنوات استقالت لوري تشيك من عملها في متجر لبيع الأثاث بعد أيام معدودة، لأنها أجهدت من جر الحقائب الضخمة المملوءة بكتيبات عن منتجات الشركة من موقع لآخر في مدينة نيويورك عبر شبكة مترو الأنفاق ثم استكمال نوبة العمل في المكتب حتى الثامنة مساءً كل يوم. بمجرد أن علمت بوظيفة أخرى في صالة عرض قريبة بدت ظروفها أفضل تقدمت إليها، حيث لم تتضمن الوظيفة الأخرى سوى بيع مفروشات راقية تحمل أسماء مصممين كبار.
«كان أسوأ قرار اتخذته في حياتي» تقول تشيك. فقد شعر المشرف عليها في الوظيفة الأولى والذي تولى تدريبها بخيبة الأمل العميقة، كما أن أحد المديرين في الوظيفة الجديدة آلمها أكثر. «من الوهلة الأولى لم يطق أسلوبي في اختيار ملابسي، كان يريد مظهراً أكثر كلاسيكية».
وعلى مضض غيرت تشيك من شكلها فيما يتعلق بالأكسسوارات والمكياج وتصفيف الشعر، لكنها اضطرت للبقاء في الوظيفة الجديدة لعام كامل كي لا تعلق بها سمعة القفز المتكرر من وظيفة لأخرى. الآن عندما تفكر تشيك في الأمر تتمنى لو أنها ثابرت مع الوظيفة الأولى وفاوضت الإدارة كي تتحسن ظروف عملها.
البداية في أي عمل جديد قد تكون ضاغطة. ويجنح المرء عندما يجابه بضغط ويمر بموقف غامض تحفه الشكوك إلى اتخاذ قرارات جزافية تفتقر إلى الحكمة، وهذا ما وضحته دراسة ألمانية أجريت في عام 2016.
ويجازف الموظف إذا ما ترك عمله فجأة بأن يوثق مديره السابق هذا في شكل شهادة خبرة مسيئة، كما تنطوي المجازفة على احتمال ألا يجد مصدراً بديلاً للدخل لفترة من الزمن.
وقد أحبط روب هيل عندما علم قبل سنتين أنه كمدير في مصنع جديد عليه أن يعمل من الخامسة صباحاً وحتى الخامسة مساءً، علاوة على ساعات العمل الإضافية. ويقول هيل إن هذا لم يشرح له بالتفصيل خلال مقابلة التوظيف. وكان من شأن هذا أن ترك هيل عمله بعد يومين اثنين. ويقول هيل إنه سبق وتقلد وظائف في الماضي بساعات عمل طويلة وبالتالي لم يرد هذا النوع من العمل المؤلم بعد اليوم. واضطر للعيش من مدخراته لنحو شهر، لكنه سرعان ما حاز وظيفة حديدة بظروف أفضل.
وقبل الاستقالة فجأةً على الموظف الجديد أن يسأل نفسه إن كان منح الوظيفة فرصة كافية ليفهم الصورة جيداً. وفي دراسة أجريت في عام 2017 شملت 273 موظفاً جديداً و203 مديرين اتضح أن الأسلوب الذي يتصرف به الموظفون الجدد يحدد مقدار الدعم الذي يتلقونه في مستهل مشوارهم. فهؤلاء الذين يبدون ملتزمين بالوظيفة، ويوجهون أسئلة أكثر هم الذي يحصلون على مساعدة أكبر من مديريهم طبقاً لأليسون ماري إيليس كاتبة الدراسة الرئيسية والأستاذة المساعدة المتخصصة في الإدارة والموارد البشرية في جامعة كاليفورنيا بوليتكنيك.
وتكبد استقالة الموظفين الجدد الفجائية مكان العمل خسارة مادية، وتدفعهم لإعادة عملية التوظيف من أولها، وتضر بالروح المعنوية للفريق. وتتذكر جولي جانسن عندما استقال عدد من الموظفين الذين عينتهم ودربتهم قبل سنوات بعد يوم واحد فقط من تعيينهم. «كان أمراً محطماً. تعتقد أنك تحكم جيداً إن كان الشخص ملائماً للمكان وفجأةً إذا به يختفي».
وجانسن هي مؤلفة كتاب «لا أعلم ماذا أريد ولكنني أعلم أنني لا أريد هذا» وهو الكتاب الذي حقق مبيعات كبيرة.
وليس من الحصافة ترك العمل لمجرد أنك لا تحب الشخص الجالس بجوارك أو لأن مهامك اليومية مملة. إذا كان المدير فظاً فلا بأس من التصدي لذلك إلى حد ما. وفي مؤسسة مالية في وول ستريت سألت متدربة مديرها الذي بدا فظاً: «ترى هل تمر اليوم بيوم سيئ أم أنك هكذا على الدوام؟». روت هذه الواقعة ريبيكا زاكر المدربة المهنية في معهد نكست ستيب في سان فرانسيسكو. وتقول زاكر إن المتدربة لم تعاقب على ما قالته، بل راح مديرها يعاملها بشكل أفضل.
وتقول جودي مايكل المدربة المهنية، إن الاستقالة مبكراً قد تكون مطلوبة إذا أثبت صاحب العمل أنه عرض شيئاً ثم فعلياً قدم شيئاً آخر، كأن يعد بوظيفة ثم يكلفك بأخرى أسوأ، أو أن ينتهك أي نصوص في الاتفاق الذي تم قبل التعيين. فمثلاً لو قيل لك إن رئيسك المباشر هو المدير التنفيذي للشركة، ثم فوجئت بأن هناك شخصاً بينك وبين المدير التنفيذي، هذه تكون مشكلة.
وتوضح مايكل إن هناك من الموظفين من يقبل بعرض عمل فقط لأنه الوحيد المتاح أمامهم، ثم يستقيلون بعد أن يأتي آخر أفضل. وتضيف أن هذه ليست الوسيلة المثلى للتصرف، لكن بعض الفرص لا يمكن تفويتها لأنها قد تكون فرصة العمر.
وقال كارلوس كينغويرغز، المدير الإقليمي في أميركا اللاتينية لمؤسسة أوتوكينيتو، إن مديراً في شركة سيارات فوجئ في أول أيامه بأن راتبه الأساسي سيقلص بمقدار النصف طبقاً لخطة جديدة وضعتها الشركة. وعلى سبيل التعويض قام صاحب العمل بزيادة بدلات وعلاوات الموظف كي يبقى الرقم الإجمالي عند ما اتفق عليه. إلا أن الموظف استقال قائلاً: «ليس هذا ما وضعت إمضائي عليه».
وأياً كانت الأسباب، من المهم أن يغادر الموظف عمله في أجواء إيجابية قدر الإمكان، كما تؤكد جيل تيبوغراف مؤسسة شركة إيرلي ستيج كارير لخدمات التدريب المهني للخريجين الجدد في نيويورك.
فإذا لم يحبذ صاحب العمل الإبقاء على الموظف لمدة الأسبوعين المطلوبين بعد الاستقالة وآثر أن يغادر الموظف المستقيل على الفور، فربما تكون فكرة جيدة أن يعرض الموظف المستقيل مثلاً المساعدة بشكل آخر كتدوين المهام التي أنجزها خلال فترة عمله الوجيزة. وتضيف: «الانطباع الأول والأخير هو ما يتذكره الناس عنك».

* الكاتب: سو شيلينبارغر