صحيفة الاتحاد

الرياضي

«الأسود الباكية» يدفعون ثمناً باهظاً لسقطات الصحافة الإنجليزية

كرة القدم لم تعد إلى موطنها الإنجليزي

كرة القدم لم تعد إلى موطنها الإنجليزي

محمد حامد (دبي)

«ادعم حلمك، بل عش من أجله، ولكن لا تقلل من شأن منافسك، ولا تسخر ممن يواجهونك في طريق الأحلام»، هذه هي الرسالة التي تلقاها الإعلام الإنجليزي، بعد فشل منتخب «الأسود الثلاثة»، في بلوغ المباراة النهائية، ومن ثم ضياع حلم الفوز باللقب للمرة الثانية، وإعادة كرة القدم إلى وطنها ومهدها، فقد عاشت إنجلترا منذ بداية البطولة، وتحديداً مع ضمان بلوغ الدور الثاني على أنغام شعار تاريخي يؤكد أنها ستعود إلى وطنها، إلا أنها لم تفعل ليستمر الحرمان لسنوات قادمة، حيث لم يأت الجيل الذي يكرر إنجاز 1966.
واللافت في ملف الإخفاق الإنجليزي في تحقيق الحلم الكبير، أن منتخب «الأسود الثلاثة» خسر التعاطف العالمي بسبب صحافة بلاده، وعلى الرغم من أن الآلاف من الإنجليز يغردون ويؤكدون أنهم لا يشاركون إعلامهم في الرؤية ذاتها، إلا أن سقطات الصحافة الإنجليزية على مدار المونديال الروسي، وحتى قبل أن يبدأ، جعلت البعض يتمنى خروج الإنجليز من المونديال دون أن يحققوا شيئاً، بل إن تغريدات عالمية عقب نهاية موقعة رفاق كين وكرواتيا أشادت بالمنتخب الذي يمثل البلد الصغير، والذي أنقذ العالم من ضجيج إعلامي إنجليزي لم يكن ليتوقف قريباً في حال بلغوا المباراة النهائية أو حصدوا اللقب.

(1)
غرور يحفز الكروات
عقب المباراة التي شهدت فوزاً كرواتياً مثيراً، لم يتردد لوكا مودريتش، وكذلك رفيق دربه إيفان راكيتيتش في التأكيد أنهم يتابعون ما تكتبه الصحافة اللندنية، وما تبثه القنوات التلفزيونية، ويشعرون بالغضب الذي تحول إلى طاقة إيجابية، ودفعهم للفوز على الإنجليز داخل الملعب، ويبدو أن للأمر علاقة بتجارب النجوم الكروات في ملاعب «القارة العجوز»، أهمها الدعاية المضادة عن روسيا وغلاف «بلد شاكيرا»، خاصة مودريتش الذي خاض تجربة كبيرة في ملاعب الإنجليز مع توتنهام، مما يعني أنه يدرك جيداً توجهات الإعلام الرياضي والصحافة في إنجلترا.
مودريتش أشار إلى أن الغرور الإعلامي للإنجليز تجلى في التقليل من شأن منتخب كرواتيا والتعامل معه بتعال لافت، والإيحاء بأن الأمور تبدو محسومة لمحصلة الطرف الإنجليزي، بل إن التفكير بدا لديهم في كيفية التعامل مع المباراة النهائية، كما أن كثرة الشائعات، والتقارير غير الدقيقة عن وجود إصابات في صفوف المنتخب الكرواتي، والقول إنه منتخب يحاصره الإرهاق، جعل الجميع يقدمون أفضل ما لديهم، فكان التفوق الكرواتي في أرض الملعب، وليس عبر واجهات الصحف أو في العناوين الرنانة المثيرة التي تقلل من شأن المنافس.
راكيتيتش بدوره سخر من هوس الشعار الإنجليزي الذي انتشر بقوة في منذ ما يقرب من 10 أيام، والذي يقول: «كرة القدم عائدة إلى وطنها»، وأشار إلى أن الغرور الإنجليزي فاق كل الحدود، مضيفاً: لقد اعتقدوا أنهم في النهائي من خلال شعارات، مجرد شعارات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن الحقيقة أننا من بلغ هذا الدور وهم عادوا إلى المنزل، يمكنهم أن يستمروا في قول ما يريدون، فيما نستعد نحن للمشاركة في نهائي الأحد.

(2)
وطن شاكيرا والكوكايين
هي السقطة الأكبر للصحافة اللندنية في المونديال الحالي، وتمثلت في غلاف وصفه الجميع بالعنصري، بل تسبب هذا الغلاف في أزمة دبلوماسية، حينما هرع السفير الكولومبي في لندن للشكوى من الغلاف الذي حمل كافة أشكال التجاوز في حق الغير، فقد وصف غلاف «الصن» كولومبيا بأنها الأمة التي قدمت للعالم شاكيرا والقهوة والكوكايين، وهو الغلاف الذي سبق موقعة إنجلترا وكولومبيا في دور الـ 16، وتسبب في توتر أجواء المباراة، وتفاعلاً مع الأزمة غرد آلاف الإنجليز، وغيرهم ليعلنوا عن غضبهم من الإساءة التي تسببت فيها الصحيفة الإنجليزية، وسط مطالب واسعة بضرورة تقديم اعتذار رسمي للشعب الكولومبي.
وأكد السفير الكولومبي في لندن نيستور أوزاريو عبر صفحات الإندبندنت اللندنية أنه يشعر بالحزن والغضب، مشيراً إلى أنه لا توجد أدنى علاقة بين مباراة في كأس العالم تجلب البهجة للملايين، وبين تلك الكلمات المسيئة في حق الشعب الكولومبي، وتفاعل الآلاف مع ما قاله السفير، وكان من اللافت الإدانة الشعبية الإنجليزية لغلاف الصحيفة، حيث أكد البعض أن الصحيفة تمثل نفسها في هذه الحالة، ولا يمكن أن تعكس رؤية الشعب الإنجليزي.
وعاد الإنجليز وكذلك بعض المغردين من كولومبيا وأميركا الجنوبية للرد بقوة، وسط إجماع على أن ما قيل من جانب الصحيفة أنه مجرد دعابة ما هو إلا إساءة لشعب آخر، وعزف على وتر الإثارة بطريقة تبعث على الشعور بالاشمئزاز، وطالب البعض بمقاطعة الصحيفة التي وصفوها بأنها موجهة لفئة من القراء يمكن القول إنهم ممن يدمنون المخدرات، ولا يمتعون بمستويات تعليمية أو ثقافية جيدة، ومن ثم حدث هذا التجاوز بهذه الطريقة التي تسبب في أزمة كبيرة.

(3)
روسيا هي الجحيم
مع تدفق الجماهير الإنجليزية على روسيا، والبقاء بها لأسابيع لدعم منتخبها الذي أهدر حلم الوصول للمباراة النهائية، بدأت الحقائق تتكشف، وسط اعتراف من الجماهير الإنجليزية بأن ما تناولته الصحافة اللندنية ووسائل الإعلام الإنجليزية قبل انطلاقة كأس العالم، والتحذيرات التي صدرت بعدم السفر إلى روسيا، ما هي إلا توقعات خائبة لا علاقة لها بالواقع، فقد كان الاستقبال الروسي للجماهير الإنجليزية وجماهير المنتخبات الأخرى دافئاً وكريماً بصورة كبيرة.
صحيفة إندبندنت البريطانية نقلت تصريحاً إنسانياً لمشجع إنجليزي في فولجوجراد، حيث قال إنه كان يخشى الاقتراب من مشجع روسي رسم على قدمه وشماً يشير إلى أنه من أولتراس الكرة الروسية ممن شاركوا في أحداث مارسيليا خلال «يورو 2016»، وعلى الرغم من أنه كان يخشى على نفسه منه، إلا أن الأخير بادر بالتحدث معه، وعانقه قائلاً: «مرحباً بكم في بلادنا، نحن نعلم جيداً كيف نستقبل ضيوفنا، لن نبادر أبداً بالعنف مع من أتوا لنا بقلب يحمل رسائل الحب والسلام».
وأشار مشجعون إنجليز إلى أن ما كتبته الصحافة الإنجليزية عن إمكانية معاناة المشجعين الإنجليز من العنف الروسي، وعدم توفر الأمن خلال مباريات المونديال لم يكن دقيقاً أبداً، وهو مجرد هواجس ترتبط بالتوتر السياسي بين موسكو ولندن في الفترات الأخيرة، إلا أن الواقع يثبت أن جماهير كرة القدم لا علاقة لها بمثل هذه التوترات والتجاذبات السياسية.
وتعليقاً على ما قاله المشجعون الإنجليز الذين اعترفوا بكرم الضيافة الروسي، والأجواء الودية الرائعة، قال مواطن روسي: «نحن لا نستخدم العنف ضد ضيوفنا، فهذا ليس من أخلاقنا، كما أننا لا نتحمل مسؤولية ما يقال عن روسيا في الإعلام العالمي، أنتم هنا الآن لكي تكتشفوا بلادنا من جديد، وتلمسون كل شيء على أرض الواقع».
ومع وصول الرسالة بأن روسيا آمنة، وتقدم للعالم تنظيماً مثالياً للمونديال، بدأ التدفق الإنجليزي يرتفع، فقد كانت غالبية المباريات وخاصة الدور الأول تشهد حضور ما لا يزيد على 3 آلاف مشجع إنجليزي في المباراة، إلا أن هذا العدد بلغ 10 آلاف في المواجهة أمام كرواتيا في نصف النهائي، فقد تدفق الآلاف إلى بلاد الروس بعد أن أيقنوا كذب الدعاية الإعلامية المضادة لروسيا، والتي لم يكن لها أساس موضوعي.