صحيفة الاتحاد

ألوان

علماء: المساهمة في نهضة الوطن.. واجب شرعي

أحمد مراد (القاهرة)

دعا علماء الدين إلى العمل من أجل تقدم ونهضة الأوطان العربية والإسلامية في شتى مجالات الحياة، معتبرين ذلك في مقام «الواجب الشرعي» الذي يجب على كل مسلم ومسلمة، وأكد العلماء أن الجهاد ليس مقصوراً على الجهاد العسكري الذي تتولى مهمته الجيوش الوطنية، ولكن هناك صوراً أخرى من الجهاد، مثل الجهاد بالعلم والثقافة والعمل من أجل تقدم ونهضة الأمة حتى لا تتخلف عن ركب التقدم الحضاري.

مكانة عالية

الداعية الدكتور سالم عبد الجليل، الوكيل الأسبق لوزارة الأوقاف المصرية، أوضح أن للعمل في الإسلام مكانة عالية ومنزلة رفيعة، به ينال المسلم الأجر والثواب، وهو عبادة عظيمة لله وامتثال لأمره، عن طريقه تقوم الحياة، وتعمر الديار، وتزدهر الأوطان، ويحدث الاستقرار، حيث أمر به سبحانه وتعالى فقال: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، «سورة الجمعة: الآية 10»، مؤكداً أن على كل فرد في المجتمع واجبات والتزامات يجب أن يؤديها من أجل نهضة وتقدم واستقرار المجتمع الذي يعيش فيه.

وأشار الدكتور عبد الجليل، إلى أن الإسلام اعتبر العمل نوعاً من الجهاد في سبيل الله، لافتاً إلى أن بعض الصحابة شاهدوا شاباً قوياً يسرع إلى عمله بينما هم يستعدون للخروج في غزوة من الغزوات، فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله - يقصدون الجهاد - فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تقولوا هذا، فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان»، ما يعني أن كل من يخرج من بيته للعمل يحتسب أنه قد خرج في سبيل الله كالمجاهد، لأن هدف العمل في الإسلام ليس كسب المال فقط، ففضلاً عن معانيه التعبدية، فإن من غاياته تحقيق الأمن الاجتماعي بين الناس، وهذا يؤدي إلى تقدم ونهضة الوطن الذي يعيش فيه المسلم، وبالتالي، فإن العمل من أجل نهضة وتقدم الأوطان هو جهاد أيضاً وواجب شرعي يجب على كل فرد في المجتمع.

واجب شرعي

ومن ناحية أخرى شدد الدكتور أحمد محمود كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، على أهمية العمل في سبيل خدمة الوطن وتقدمه ونهضته في شتى مجالات الحياة، معتبراً ذلك «واجباً» على كل مسلم ومسلمة، مؤكداً أن للجهاد ألواناً وصوراً أخرى ومنها الجهاد بالعلم والعمل من أجل تقدم ونهضة الأوطان، حتى لا تتخلف الأمة الإسلامية عن ركب التقدم الحضاري.

وقال الدكتور كريمة: للأسف الشديد حال الأمة الإسلامية الآن مؤسف، حيث إنها متأخرة كثيراً عن ركب التقدم الحضاري، حيث أهمل الكثيرون من المسلمين العلم والعمل، وأصبحوا مجرد «مستهلكين» لمنتجات وسلع الغرب، الأمر الذي ضاعف معاناة الأمة، ومن ثم وجب العمل على تصحيح هذا المسار الخاطئ، ومما لا شك فيه أن العمل من أجل تقدم الأمة ونهضتها بات الآن من الفروض والواجبات التي يجب على كل مسلم أن يؤديها.

وأوضح الدكتور كريمة أن العمل بصفة عامة من القيم الإسلامية العظيمة التي تدعو الإنسان إلى أن يأكل من عمل يده، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يديه وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده»، وتزداد قيمة العمل إذا ما كان موجهاً نحو خدمة المجتمع والأمة.

وقال الدكتور كريمة: إن الله عز وجل ساوى بين المجاهد وبين العامل، وفي ذلك دلالة على شرف العمل وأن الإنسان الذي يتقي الله في عمله يجازيه خير الجزاء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أمسى كالاً من عمل يديه أمسى مغفوراً له»، ومن هنا يجب أن يؤدي الإنسان العمل كرسالة وليس كمجرد مهنة، فخير الناس أنفعهم للناس.

قيمة العمل

ومن جانبه، قال الدكتور أحمد حسن غنيم، أستاذ ورئيس قسم الدعوة بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، إن الله عز وجل جعل الأرض مستقر حياة الإنسان ومعاشه في هذه الدنيا، وأوجد فيها الكثير من النعم، وسخر له جميع المخلوقات لخدمته، وأمره بالسعي والعمل الصالح النافع لنفسه ولمجتمعه ووطنه وأمته، وجعل ثواب ذلك نعيم الجنة، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً)، «سورة الكهف: الآية 107»، فالمطلوب أن ينزل المسلم في ميادين الحياة مكافحاً، وإلى أبواب الرزق ساعياً، ولكن يظل قلبه معلقاً بالله، وفكره لا يغيب عن مراقبة الله وخشيته، والالتزام بحدوده والتقيد بأوامره، يقول سبحانه: (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)، «سورة النور: الآية 37».

وأضاف الدكتور غنيم: وما يقال عن قيمة العمل الذي يعود على الفرد بالمنفعة، يقال أيضاً عن العمل الذي يعود على المجتمع والوطن والأمة بالفائدة والصالح العام، فإذا أتقن كل فرد عمله الشخصي، فإن ذلك كله يعود بالنفع والفائدة على المجتمع والوطن والأمة، وبالتالي تكون النتيجة تحقيق النهضة والتقدم للوطن والأمة، وهذا هو مقصد الإسلام من دعوته إلى إتقان العمل سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة.

وتابع: العاقل لا يرضى لنفسه أن يكون عالة على غيره، وهو يعلم أن الرزق منوط بالسعي، وأن مصالح الحياة لا تتم إلا باشتراك الأفراد حتى يقوم كل واحد بعمل خاص له، وهنا تتبادل المنافع، وتدور رحى الأعمال، ويكون الرابح في النهاية المجتمع والوطن والأمة، لذا عظم الإسلام من شأن العمل مهما كان صغيراً أو كبيراً، بل حتى عمل المرأة في بيتها لزوجها وأولادها فإنها تؤجر عليه، وعلى قدر عمل الإنسان يكون جزاؤه، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، «سورة النخل: الآية 97».