لولوة المنصوري

في هذه الأيام تعود قوافل الخريف بأصفر المواسم، ويتكثف السؤال فينا: من أي ضفة تفيض لغة الحنين وألغازه؟ ونحو أي الغابات السريّة تصب تلك اللغة؟
هل الحنين خاص بنا نحن البشر؟ أم أن كل الأشياء تحِن إلى بعضها بصورة ما، ولكن لا نفقه حنينها؟النوستالجيا نبع شفاء داخلي، يأتي مندفعاً من أعماق الرّاحة، عفوياً دونما استدعاء، كحال الدموع مثلاً أو الحاجة إلى المحبة، ولولا ذلك النبع الشجيّ لما نطق القلب بوحاً في الأدب الصادق، ولما حنّت النحلة على الزهرة، ولما انتظمت مداعبات الموج للساحل، ولما قررت الطبيعة أن تتصوّف، ولما حددت الأرض موسماً لعودة الطيور المهاجرة، ولما اندفع الأبناء إلى برّ الآباء، ولما ألح الآباء في شوق السؤال عن الأبناء، ولما ارتاح الجسد إلى الطين، هكذا بسلاسة فطري طبيعي تلتقي الأشياء وتتعانق عفوياً بفعل الحنين. هي لغة احتياج غريزي في الكون العاطفي.

دورة حياة النوستالجيا
هنا في فضاء الحنين اللامتناهي في الاتساع والتمدد، ثمة لوحة على الأرض، تحكي دورة حياة النوستالجيا، هي استثنائية وغريبة يستأثر بها المحيط الأرضي المتجدد دوماً بالنموّ والصراع والولادات المستقبلية، في اللوحة الإنسانية نرى ذلك الكهل الذي يحِن إلى شبابه/‏‏ ويحِن شبابه إلى طفولته/‏‏ وتحِن طفولته إلى حضن الأم، حضن الأم هنا أيضاً مكان نحِن إليه، إذ ليس شرطاً أن يكون المكان محفوفاً بالجغرافيا والجهات، وأتصوّر أن الأم تحِن إلى سيرة أقدامها في الجنّة/‏‏ وتحِن الجنة إلى أقدام آدم حين كان عليها/‏‏ ويحن آدم إلى سيرة الجنة التي نزل منها/‏‏ وماذا لو ظلّ آدم في الجنة؟ هل سيبقى ملتبساً بالحنين، الحنين إلى الطين ربما، إلى الصلصال الأول؟
ويحِن الطين إلى الماء (المادة الهيليوية الأولى التي خُلِق منها الكون) /‏‏ ويحِن الكون إلى السكون/‏‏ ويحن السكون إلى الانتشار/‏‏ ويحِن الانتشار إلى الوحدة/‏‏ وتحِن الوحدة إلى الله.
ويحِن الله إلينا جميعاً، نحن الذين أتينا كي نبكي في هذه اللوحة الوجودية الممتلئة بحنين الأبد، الحنين إلى الرّوح ربما، إلى الله. نعم.. أظنه السبب الأول في علة تحسسنا الدائم وشوقنا الغامض وحاجتنا التي لا تشبع إلى إشعال الذكريات.
وأعظم الحنين ما كان افتقاداً لشيء عظيم، كامن وملغز ومجهول، ساحر في غموضه، معطاء في لواعجه، يحملنا نحو (الحنين الإنتاجي)، فكل أنواع الحنين تكمن فيها بواعث الإنتاج، ومنها ما يولّد إبداعاً إنسانياً موازياً، سواءً بالكتابة أو التشكيل أو النحت أو بالعزف الوجداني أو حتى بالرقص، أو بإقامة مهرجانات تراثية عبر إحياء التراث ومناقشته، يحدث كل ذلك بلغة النوستالجيا العميقة والمستترة، ولعل أعمق الحنين إنتاجاً وإبداعاً هو ما يسعى إلى تفكيك الحنين نفسه، ويعيد بعث السؤال فيه: (لماذا الحنين؟ لماذا لا نكتفي من جداوله وغدرانه؟ وحتى متى نطوف في دوامته السرمدية؟).
ويشجينا الأفق البعيد، إذ كلما فقدنا أحداً على الأرض زاد تطلّعنا إلى شجن السماء أكثر، وكأننا على يقين بأن الأرواح تسكن هناك وتنتظر لقاءنا.. كل ما يصير عاجزاً عن الحضور الواقعي أو المادي، يتّقد الحنين اتجاهه كمعادل مانع للنسيان والغياب.

نوستالجيا الكهوف وأوراق البردي
بوسعنا القول إن كل ما يولّد الأثر هو عملية تبذير استباقي لحنين يتوالد مع تدفق مجاهيل الأزمنة القادمة، يمر الأثر في ثلاث مراحل عميقة من سيرة التخليد، بدءاً بالألم، ألم نقش الحلم والحب والموت وخرائط الرّوح على الفخار والجدران وأوراق البردي، ثم بمرحلة استثارة السؤال والعلوم والدراسات من حوله، وانتهاءً بحنين يُقرأ، أو بأثر يقرأه الحنين، ويسعى بخلوده إلى تمكين ثقة الدراسين بأهمية رسائل الإنسان الأوليّ العابر، الذي كدّ واجتهد في المعاناة لأجل أن يختلق ويبتكر لغة حنين خاصة به، أبجدية تمكنه من فهم سيرة البدء ومساحات الرغوة والظلام وغواية الأثير والماء، إنها أبجدية الحنين إلى الخلود، إلى الوضع الذي كان عليه قبل أن يكون داخل هذا الكون.

نوستالجيا ما بعد الكارثة
يحمل الإنسان معه ذكرياته أينما ارتحل وحلّ ونزل، على مر الزمان كانت الذكريات ترحل مع أبنائها، وعلى مرّ تاريخ الهجرات كانت الأوطان تهاجر في ذاكرة القبائل، حين نطالع التراث العربي الشعري نجد تلك المعاناة النوستالجية والشواهد الكثيرة في ذكر الأثر وتمجيد الطلل ومشاعر اللوعة والحزن على فراق من غابوا عن المكان. غير أن ما يعنينا في هذه الكتابة ليس هو طقس الطلل والبكاء على المحبوبة، فذلك يعد ضرباً من الترف العاطفي إذا ما قورن بما نتقصّده، بالكارثة المرعبة التي حلّت بالمكان والإنسان والضمير، إنه حنين ما بعد الحروب أو الكوارث البيئية المدمرة التي تترك عدة أفراد تحت وطأة معاناة البدء بدورة حياة حضارية جديدة، يبدؤون بالمعاناة وألم التذكّر المحمول ببقايا قيم إنسانية نبيلة عششوا فيها وتعايشوا عليها، يحاولون نقلها إلى من ولدوا بعد الفاجعة، حيث لا نجد بعد الكوارث سوى حنين يشوبه الألم والندم على فقدان المكان الأول. لا زالت تصلنا مرارة ذلك الحنين العتيق عبر مراثي الأندلس والممالك، فنجد مثلاً صدر الدين ابن الوكيل يتغنى في مقطوعته الشعرية المؤلمة:
بروحي تلك الأرض ما أطيب الربا
وما أحسن المصطاف والمتربعا
وأذكر أيام الحِمى ثم أنثني
على كبدي من خشيةٍ أن تصدعا.

نوستالجيا الأرض المجهولة
يحِن المرء أحياناً إلى أرض لم يطأها أبداً، أرض في رأس الأجداد، تشكّلت في مخياله وفق تراكمه القرائي عنها، أو حكايات الآباء عنها، تلك العلاقة التي تربط المرء الغريب والبعيد والمهاجر عن موطنه الأصلي ودياره الأولى وذكريات مرابع الصِّبا، هي علاقةٌ ملؤها الدف الغامض الذي يحفه أمان عائلي، يصفها الكاتب (عنان حبيب) بأنها علاقة نبيلة تندرج في صُلب الشعور الإنساني المرهف، التوّاق لكل ما مضى وقدم وبعُد ولن يعود، ويستمر في تحليل تلك العلاقة متسائلاً: «إذا كان المرء يحن لأرضه وتجاربه الأولى، ويحن للرجوع إليها دائماً ولو في كفَن، فكيف نفسّر استمرار ظاهرة الحنين للشرق في صفوف الجيل الثاني والثالث والرابع من الشعراء الأندلسيين الذين لم يروا ولم يشاهدوا الشرق بأم العين ولا حتى مرة واحدة؟». (1).

الزمن الجميل
قد يقول قائل: صار الماضي في الذاكرة مدينة للأشباح، علينا الاقتناع بذلك، غير أن الإنسان لا ينفك يحدّث نفسه بالأزمنة السالفة، معتبراً إياها الأجمل والأنقى والأطهر، لماذا يفعل ذلك؟ يظن بالزمن القديم أجمل الظنون ويشتاق دائماً العودة إلى الوراء أكثر من حماسة الاستمتاع باللحظة؟ وكيف انفرطت هذه المشاعر في العصر الراهن الذي تخفف قليلاً من براثن الجهل والتمييز والعنصرية؟ هل العامل النوستالجي هو المحرّك الرسمي لتلك العواطف اليائسة؟
يذهب البعض إلى كون الحياة الإسمنتية تجبر المرء على اجتراح ذلك الافتراض، يعززه الشعور بالوحدة في ظل عالم رقمي باتت تسوده الفردانية، لكن ماذا عن حنين شعوب ما قبل الإسمنت والتكنولوجيا؟
تستحضرني في هذا السياق ما قرأته من الاعترافات الملفتة للفيلسوف الفرنسي «ميشيل سير» التي تلفظ بها قبل أن يرحل عن هذا العالم، وكانت بمثابة تهدئة لنفوس غربية تعاني قلقاً وثوراناً دائماً على الزمن الراهن مستنكرة أروع ما فيه، ألا وهو النور: «لا تستمعوا إلى نعيق الغربان الذين يتحدثون عن انحطاط الحضارة التنويرية وزوالها. فنحن لم نعش طيلة عصور التاريخ عصراً يماثل هذا العصر. نحن في الغرب نعيش فترة سلام وازدهار غير مسبوقة. منذ سبعين سنة ونحن ننعم بالسلام والأمان. نحن الآن وبوجود الاتحاد الأوروبي أصبحت الحروب مستحيلة عندنا. أليس هذا تقدماً؟ أليست هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها؟!» (2).

النوستالجيا السائلة
في عالم العولمة التي أخفت حقائق الأشياء وألغت الكثير من الحدود ونمّطت الأفكار والمشاعر وأنبتت قيماً زائفة سريعة الظهور والزوال، وفي مجتمعات تقدّس ثقافة الاستهلاك التكنولوجي، تقلّصت قيمة الحنين العفوي واختصرها البعض في صور عابرة، وقتيّة، تحكي سيرة خطوة واحدة يرتاد فيها المرء الأمكنة ويسعى إلى تجميع الأصدقاء وحضور المناسبات الاجتماعية والثقافية أو المقاهي التذكارية أو الرحلات الشكلية ذات الطابع السياحي السريع، وكأن بالفرد يتصنع مزاولة الحياة المبهجة لأجل التقاط الصور اللحظية ودفع عجلة الاندهاش السريع فحسب، أو لغاية إعتاق الحنين التكنولوجي الملتبس بكل ما هو مؤقت، ثم إعادة حبسه كرقم داخل حدود صور الهواتف المتحركة.
في ظل ذلك الضجيج تطمئننا النوستالجيا قائلة: «إنني أحاول الاتساق مع الذاكرة». وقد يظن البعض أن المجتمعات إذا تقدّمت وتحضرت فهي تبدأ بأولى مراحل التخلي عن الحنين، وهذا لا يتناسق مع الواقع، لا يمكن أبداً أن نحيا دونما ذاكرة، دون أن تكون لنا مخازن من الماضي الأصيل، تحوي أوراقنا وأشعارنا وأقلامنا ودفاتر تلوين القلب ورسائل الحب الأول وألبوم صور العائلة ولوحة شجرة الأجداد على الجدار الذي كان شاهداً على حراك نبع البيت، حتى لو تعقدت المجتمعات وبالغت في حداثتها، يصير حنين الإنسان إلى ماضيه هو المهرب الأول في ركب التمدّن.
حاول أن يبوح لنا الشاعر اللبناني بول شاوول قبل أيام في «الاتحاد الثقافي» (3) عن مخاوفه الخاصة وفشل التحامه بالعالم الروبوتي، وكأن به دون أن يدري يعرّي مشاعرنا المستلبة بالرّقمنة والاستعباد من عالم نخضع لجبروته في العصر الحالي دون أن ننتبه إلى مدى تشابهنا بلا اختلاف أو فردية، يصف شاوول ذلك العالم باللعبة النرجسية، فكل واحد بات يشبه تلفونه.. أو تلفزيونه.. أو كمبيوتره!
وفي مقابل أجواء المخاوف من أن تكون التكنولوجيا هي الأفيون الجديد للشعوب، ومن منطق الاستلهام من الضد، فاض على سطح المقال أفيون النوستالجيا، الحنين إلى طفولة شاوول البسيطة والنقية في تعاملها مع الأشياء، طفولة فشلت مبكراً في اقتناعها بكل ما هو معقّد، ورفضت اقتناء كل ما هو دهليزي ومركب العناصر، كاشفاً لنا مدى تعالقه مع براءة الأحداث في الطبيعة وعمق البحث الفلسفي الكامن في المادة الخام، أبسط الأشياء المصاغة بحكمة خالقها الأول: «كنتُ أُفضل أن أتعلم صنع طائرة الورق»، «الشعر يبقى في مكانه الخاص: الورقة»، «كنت أستغرب كيف يكتب روائيون وشعراء أعمالهم بالآلة الكاتبة !».
***
وختاماً، من الممكن أن ننهي تساؤلنا حول النوستالجيا بهذا الظن: الحنين ديمومي، حاجة روحية غريزية، وعالمه باطني وأبجديته كتبت بعد تاريخ ولادة القلم الكونيّ، ولو عدنا إلى الزمن الذي نتمنى العودة إليه، لن يهدأ أنين الروح ولن تندثر لغة الحنين، بل سنبقى على حنين بما يسبق، حالمين ذهنياً بزمن مثالي نرجو عودته.

الهوامش
.....................................................
(1) جزء من مقال منشور في الصفحة الثقافية (رصيف)، بعنوان: «الحنين إلى الشرق المقدّس في مخيلة الأندلسيين العرب واليهود»، عنان حبيب.
(2) هاشم صالح، ميشيل سير، آخر المتفائلين، الاتحاد الثقافي، يونيو 2019
( 3) بول شاوول، أنا وديكتاتورية التكنولوجيا، الاتحاد الثقافي، العدد المنشور بتاريخ 5 سبتمبر 2019