صحيفة الاتحاد

الإمارات

التاريخ يستعيد أنفاسه في مسرح خليفة بن زايد بـ فرنسا

جانب من مسرح الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان خلال عمليات الترميم

جانب من مسرح الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان خلال عمليات الترميم

نوف الموسى

صوت الخيول لا يزال يصهل في التقاسيم الحجرية لأغلب المنحوتات المتناغمة مع البحيرة السرمدية المُلهمة لمسارات الحياة، يقطن فيها البجع ويرقص في الفراغ بين الماء والسماء، ويستظل بالشجر الضخم المتوالي في غابة القصر، الذي شكل نشاط الصيد فيه، دوراً محورياً لإثراء فعل الترفيه، والاستمرار في خلق منهج المسرح المفتوح. وقع السيف على الأرض، وتبخر الغبار في الريح والتقى بنسمات باردة تجوب أرض المبارزة. اعتلى الحزن وجه المبارز الخاسر، وضحك وقتها المتفرجون في حضرة النشاط الأهم في قصر فونتينبلو إبان عهد الملك الفرنسي فرانسوا الأول.. مشكلاً مشهداً مسرحياً يبهر الضيوف الملكيين، وربما شاهدهم الفنان الإيطالي ليوناردو دافينشي، خلال فترة إقامته في بلاط الملك، إبان عمله على رؤى فنية نادرة، والتي شكلت وحياً استثنائياً، امتد في الفضاء الروحي لقصر فونتينبلو. خطوات الجنود تنساب من إيقاعات المشي بين ممرات الغابة الفسيحة، والنظر إلى أعلى كفيل برؤية التحام الغصن والغيم ومعرفة سر سقوط المطر على حين غرة، إنه حوار التنوع والاختبار وتجربة الانصهار.
لم يعرف المكان تقاليد مسرحية حقيقية، إلا بمجيء الأميرة كاترينا دي ميديشي catherine de medici، المرأة الإيطالية النبيلة زوجة الملك هنري الثاني. أحدثت كاترينا، حضوراً كرنفالياً واحتفالياً لعروض أقيمت في قاعة الرقص من مثل العرض الكوميدي «ludovico Ariosto’s orlando Furioso»، ونستطيع تخيل صخب الضحكات الممتدة في القاعة التي صممت من قبل (أبيات نيقولا دل - Niccol? dell›Abbate). عادةً يقود المسرح نفسه للتطور، يتشكل ككائن حيّ يخترق الوجدان الشعوري للإنسان دون هوادة، ففي أوائل القرن الـ17 أنشأ هنري الرابع في الطابق العلوي جناح (بيل شيمني - Belle cheminée) ليشكل أول حس مسرحي حقيقي عبر غرفة كبيرة، أدخل فيها لويس الثالث عشر عام 1604 عروض التراجيديا عبر الممثلين الإنجليز، إذاً فربما هناك مشاركات لأعمال وليم شكسبير و كريستوفر مارلو.
حتى منتصف القرن الـ 19، ظل جناح (بيل شيمني - Belle cheminée)، يستضيف أغلب المسرحيات في فونتينبلو، والمثير للإعجاب في المسيرة المسرحية لهذا القصر التاريخي الملكي في فرنسا، هو الفرجة الجمالية لصناعة التراتب المتنامي لتاريخية المكان، ففي عام 1725، تم بناء مسرح حقيقي لعرس لويس الخامس عشر، حيث إن الكثير من عروض الأوبرا الشهيرة خلال القرن الـ 18 تم عرضها في المسرح الملكي الصغير، الذي تم تصميمه عبر (روبرت دي كوت - Robert de Cotte).
النزول من أعلى درجات قصر فونتينبلو، بمواجهة الساحة الخارجية الخضراء، والاستدارة نحو القسم الغربي من جناح لويس الخامس عشر، يصف شعور المقاربة بين الحياة الملكية والتصورات الفنية، النابعة من الرغبة الدفينة لإحداث المنجز الإنساني على الأرض. في هذا المكان تحديداً تم الإقرار بإنشاء مسرح حقيقي، بكافة مكوناته التفصيلية الاحترافية، بقرار من نابليون الثالث، عند إقامته الأولى مع زوجته يوجين في قصر فونتينبلو عام1853، والمفاجأة الغريبة أنه عند الانتهاء من بناء المسرح في 24 أكتوبر من عام 1856، احترق جناح «Belle cheminée». وضع المهندس المعماري Hector Lefuel الذي كُلف بمهمة عمل مشروع المسرح التصور الأولي لآلية تقسيم الجناح إلى شقق، تضمنت أماكن مخصصة للآلات وغرف تبديل ملابس الممثلين، يحكمها نظام ذكي يدار عبر سلالم كبيرة يتميز اثنان منها بشكلهما الحلزوني، إلى جانب رحلة المسرح الممتدة نحو الدهاليز والقبو والممرات المؤدية إلى مداخل المسرح، مروراً بالطرق الخاص بالضيوف والبلكونة والصندوق الملكي.

سيرة الحلم التاريخي
صوت الجرس القادم من برج الساعة - «الزمن الحالي» - يوقظ سيرة الحلم التاريخي لمسرح قصر فونتينبلو، الذي توقف عند نقطة مفصلية عبر أزمنة طويلة احتاج فيها أن يظل محمياً، بعيداً عن أية تجديدات أو حتى محاولات لإعادة اكتشافه، ليطاله الإهمال والتلف. ما أنتج سؤالاً جوهرياً عن الاهتمام الحضاري لدولة الإمارات بالمنجز التاريخي، وتوقيعها على اتفاقية في عام 2007، تقتضي ترميم المسرح الإمبراطوري لقلعـة فونتينبلو، وتتويجه باسم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تقديراً واحتفاء من قبل دولة الإمارات بالجوهر الإنساني في عوالم الثقافة التاريخية، وترسيخ البحث العلمي كمنهج عالمي في الاستثمار المعرفي. والإجابة حول أبعاد التكوين التفاعلي لحوار الإمارات الحضاري، تؤكد أنه تجاوز نفسه بتحقيق هارموني يستدعي التفصيل، وصياغة الحكاية الفرنسية وفلسفتها الوجودية من خلال بناء المسرح، والحضور الإماراتي للإشراف على إحداث الولادات التاريخية وجلبها إلى الحاضر، من خلال دعم البيئات الإنتاجية لقراءة مسرح الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، المسرح الإمبراطوري لقلعة فونتينبلو. وما يحصل في التداخل الثقافي، يمثل سرداً أدبياً عن مكان تاريخي، يستعيد أنفاسه مجدداً، ويكتب قصته بصورة بديعة تكشف خفايا الحقيقة، وبعضاً من الصبغة الراهنة، إنها آلة موسيقية عريقة تناهز الـ 150 سنة، تلقي بنفسها على الأرض قطعة قطعة، وتستعد لإعادة خلقها مجدداً، فمن جهة ترسخ أصالتها، ومن جهة أخرى تؤصل آنيَّة حضورها المتجدد عبر عازف موهوب. لا نملك إلا أن ننصت لكل شيء حتى صمت الزمن بين عمر الآلة وعبقرية العازف.

مقاعد الملوك
من المؤكد أن عيون (فيليتشي باتشوكي - Félix Baciocchi) مرت على المقاعد الذهبية، ليطمئن على سير تنظيم العرض، باعتباره أول من تسلم إدارة المسرح، متحملاً مسؤولية اختيار عرض Le mari à la campagne، لافتتاح المسرح في 13 مايو من عام 1857، وذلك إبان زيارة (دوق روسيا الأكبر كونستانتين نيكولايفيتش -grand duke konstantin of russia). تعتبر محاولة لمس المقاعد المخصصة لقرابة الـ 430 شخصاً في القاعة، أمراً شبه مستحيل خلال عملية استكمال الترميم، من قبل الزوار والمتابعين لسير العمل، ولكن يمكن استشفاف أصالتها من الرائحة وآثار احتكاك ملابس الحضور الملكي، والذي تمت معالجته بدقه متناهية، اعتمد فيها فريق عمل الترميم المكلف بالمشروع، على مبدأ أن يبقى كل شيء كما هو، وأن تكون نسبة التدخل ضئيلة، مما كلف الفريق مجهود 5 سنوات من البحث قبل الشروع في العمل الاحترافي في عام 2012 وإتمام المرحلة الأولى من المسرح في عام 2014. استكمال المرحلة الثانية من الترميم، تبنى النسق المهني لآلية الترميم المتبعة بمقاييسها العالمية في مجال حفظ التراث. أُخذت العناصر المسرحية من مسرح ماري أنطوانيت، بينما الأثاث استشعر بريقه من منهج الأثاث في عهد لويس الرابع عشر. نُقلت المقاعد من مكانها في المسرح إلى ورش عمل منفصلة، لإعطاء فضاءات واسعة تدعم حرية حركة الحرفي، أثناء عمله على المنقوشات والزخارف المرسومة، ليتم بعد ذلك إعادتها إلى مواقعها الأصلية. يعامل مختصو الترميم المقاعد الخاصة بالمسرح بخفة دقيقة، يتحسسون الإضاءة المنصبة عليها، ويهتمون بإعادة المنسوجات وإصلاح الفجوات فيها، إنها مسألة التداخل بين قطعة تاريخية يطالها منسوج صنع في الزمن الحاضر، محدثاً تمازجاً خلاقاً. يكسو القطعة الفنية غطاء حماية مخصص لكل كرسي. وجميعها إيقاعات تفسر سر الانتقال بين الكراسي والصوفة والمقاعد سواء المخصصة للحضور أو الأمراء أو الملك، طوال عمليات الترميم من خلال استحضار أرواح أُناسها.

حفرة الأوركسترا
الهمس في أحاديث الحضور الجانبية ترصدها الحفرة المخصصة للأوركسترا، وهي المنطقة الفاصلة بين المسرح والقاعة، تُفتح البوابة المؤدية إلى الصندوق الملكي، يدخل الملك ويستعد الجميع لفتح الستار، بانورما من الاتصال اللامتناهي، هناك في الأعلى ما يقارب الـ 250 خلفية مسرحية، يقوم عمال المسرح بالاستعداد لوضع المشهدية للعرض، حبال ضخمة يجرها العامل، لإبراز لوحة جمالية تخدم العرض، تتنوع بين تجسيد لطبيعة وغرف الجلوس وأشكال المدن والسجون وغيرها، بحسب محتوى العرض، وتكويناته، فضاء فسيح في الأعلى تم ترميمه بنظام حماية متكامل، تطلب الاهتمام بالتفاصيل الميكانيكية وطبيعة الحراك الحيوي للمسرح ككل، إلى جانب نظام الحماية من الحريق، ونظام التهوئة الذي تم تحديثه بأنظمة مثالية ومنسجمة مع أصالة المسرح، مدعوماً بتجديد متكامل للبنية الهيكلية، عبر ترميم مناطق الضعف في المسرح، والحرص على اختيار نوع الخشب والطلاء، ما يمثل تحدياً حقيقياً يستوجب فيه الحفاظ على متانة المنتج بالتوازي مع عراقته الفعلية.
الوقوف في البلكونه الملكية لا يساهم في اكتشاف ما هو خلف الستار بالمشاهدة المباشرة، ولكنها تطلعك بشكل مثير على الدهشة الجمالية لسقف المسرح، الذي رسم عليه «an allegory of music and poetry by andré charles voillemot». علقت في وسطه ثريا عريقة وضخمة في إشعاعها الضوئي وشلالتها الكريستالية التي تعود إلى عام 1855، متضمنة قرابة الـ 60 شمعة و 90 مصباحاً، والمحزن أن الثريا سقطت وتحطمت بعض أجزائها في عام 1926، تم على إثر ذلك دراسة تاريخ تصميمها الأصلي، واستعادتها بشكلها الأصلي مع إصلاحات شملت القطع المفقودة. اللافت في التتابع المرئي لمشاهدة الثريا التاريخية، هو المرجعية العلمية التي تم اعتمادها لوضع نظام متكامل للإضاءة في تلك الفترة من عمر إنشاء المسرح. اعتمد القائمون على عمليات الترميم على إبقائه، دون التدخل في النسب الموضوعة لكمية الضوء الداخل إلى المسرح، والذي يؤثر بشكل غير مباشر على الأقمشة والمنسوجات والزخارف وطلاء الجدران، حيث صمم المكان ليسمح بإدخال نسب متوازنة من الضوء، تتناسب مع الإضاءة الخاصة بالعرض المسرحي.

كل شيء كما هو
«أن يفتح المسرح في ربيع 2019 لزوار من مختلف فئات المجتمع، ويشهدوا الأصالة الفعلية للمكان، ويخبرونا بأنهم لم يلحظوا أية دلائل على الترميم، هو منجزنا الحقيقي، لا نريد أن نفعل شيئاً هنا، بل إن نسمح للمكان أن يفعل بنفسه ما يحتاج إليه»، هنا اتفق المهندسون في فريق عمل الترميم الخاص بمسرح الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في قصر فونتينبلو، أن لا تشكل التدخلات والتعديلات أي نشاز لهارموني التحف الفنية المسرحية، سواء أثناء اهتمامهم بالسجاد والستائر وأنتيك المدفأة، أو المنسوجات الموضوعة حول المرايا في غرف تبديل الملابس الخاصة بالممثلين، حيث لا تزال عمليات الترميم لغرف الممثلين مستمرة، والتي اتخذت من موقعها محطة استثنائية لإطلاله رائعة على الفناء الخلفي للقصر، متمسكة بأبعاد النوافذ والمرايا ومخزن الملابس التي لا تزال تحتفظ بمتانتها المذهلة. ورغم تشققات ورق الجدران في غرف الممثلين، إلا أن المنقوشات فيها تحمل طابعاً فنتازياً، يوفر لمحة تخيلية للممثلين في حركة دائرية داخل غرفهم يستعدون للعرض المسرحي، والمرايا تساهم في وضع سيناريوهات عدة: أولها أن الممثل يشاهد نفسه، وهو يضع المكياج المسرحي أو يحفظ أدواره ويعكس لغة جسده أو أن يرتب هندامه اعتماداً على الشخصية التي يقدمها في العرض.
الزهور استمدت ببساطتها حضوراً لافتاً في قاعة المسرح، بالأخص على أوجه الرسومات الجدارية والأشكال المنسوجة على السجادة، تم بناءً عليها استخدام أدق التفاصيل الشكلية للحفاظ على المشهد الأصلي للألوان المرتبطة بتلك الزهور، وما يقابلها من طلي بالذهب، إضافة إلى البروز المتشكل في الأطراف النحتية للزخارف. أوضح فريق التصميم أن التقنيات المستخدمة في إعادة ترميمها حديثة ولكنها أنتجت إبداعاً أصيلاً للقطعة، دون تدخل في ثقافتها اللحظية عبر الأزمنة السابقة، فمن خلال رؤية أعمدة المسرح، يمكن ملاحظة التكامل لتحرك الزخرف (الزهرة) المتراقص على طول العمود، وصولاً إلى تكامل مع السقف، جاء عبره الاهتمام بقوة اللون وتوازنه مع الإضاءة. يشهد موقع العرض الرئيسي، الحدث الحيّ من خلال حركة الممثلين، فخامة منقطعة النظير، صممت بأبعاد ثلاثية، ومرادفات تخدم البعد الرابع في العرض وهو الجمهور ومدى اتصاله بالمخيلة الكامنة أثناء السرد البصري. تناغم موقع العرض الرئيسي ينجم عن عمقه المتداخل مع السقف المتشكل على أبعاد مختلفة، يحمل كل بعد الأدوار المتضمنة لمواقع جلوس الجمهور، وبالرجوع إلى السقف، فإن الخيط المتصل بين الثريا والسقف يوحي بالانعكاس الضوئي لرسومات السقف، المدعومة بالإضاءة الجانبية الموزعة حول أطراف المسرح.
تستكمل خطوط الرسومات على الجدران نفسها بشكل دائري وأفقي وعمودي مع رسومات الستائر ورسومات الأعمدة، وكأنها تكمل بعضها البعض، حيث عمل فريق الترميم على الانتباه لمنهج الديكور العائد للقرن الـ 18، وحساب المسافة في التجسيد الصوري للمكان وكأنه يرسم لوحة واحدة، لا انفصال في المشهد التعبيري للرسومات والزخارف والأنسجة المستخدمة. ويهتم بسجاد المسرح متخصصون في مجال عمليات التنظيف الاحترافية، لأن نسيج السجاد يتطلب متابعة مدروسة، تستلزم الحفاظ على لون خيوط النسيج من خلال طريقة معينة في التنظيف. يرى القائمون على المنجز التاريخي لإعادة ترميم المسرح الإمبراطوري الذي يستكمل رحلة الإمبراطورية الثانية أن بقاء المسرح يمثل معجزة، والاستمرار في الحفاظ عليه عبر ترميمه فرصة حقيقية لإحياء الرؤية الفنية للمكان، فالفن هو المنهج الذي يجب أن ننظر فيه باتجاه المسرح، رغم حاجتنا للإعداد الهندسي وغيره، ولكنه يظل مبنياً على الثقافة الفنية وجعل الزائر للمكان يستشعر ما حدث في ذلك الوقت. فالمشاركة الجماهيرية لرحلة المسرح، إنما يعني تأسيس حوار متجدد حول التاريخ، وتحري الدقة في بقاء القطعة الفنية بقمة نظافتها وأناقتها الأصلية.

تسلسل طبقي
اتبع العمل في المسرح طريقة التسلسل الطبقي لكل قطعة مستخدمة، الانتهاء من الطبقة الأولية والبدء بالأخرى، ويسأل فريق العمل نفسه دائماً أثناء ذلك: «إلى أي مدى يمكن أن نسمح لأنفسنا بالتدخل» أو التعمق في محاكاة القطعة المرممة، وبشكل عملي يتم إراحة المواد المرممة بين فترة وأخرى، والذي من شأنه أن يخلق مسافة بين مستوى التعديل والحاجة للتدخل مجدداً. وبطبيعة أي مشروع، تظهر بعض الأخطاء البسيطة، خلال المراجعات الدائمة لماهية التصميم، ويعمل الفريق بشكل دوري في معالجتها بأقل الأضرار، هناك ما يقارب الـ 600 كرسي تمت استعادتها، ومتابعة وضعها على مستوى إحساس الجلوس عليها، وهو فعلياً صمم بمستوى عالٍ يصعب فقدانه. تحفظ المقاعد في أماكن تخزين خاصة، يعتمد فيها نظام مناخي ضمن درجات حرارة معينة تحفظه من متغيرات الجو.
فُتحت الستارة في مسرح الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان بقصر فونتينبلو، وتدلت الشجرة الخضراء، معلنة فصل الربيع، كل شيء يغرد مع العصافير، والزهر بأشكاله يعلن التفتح الكليّ للحياة، هناك حيث النشوة القصوى، تمر عليك كل الأشياء بتفاصيلها المسرحية، وتعلن أنها المسرحية في المسرحية، بينما تستمر الحياة في فونتينبلو، وتتجلى الصفحات التاريخية لتدون حاضراً مهماً، ترسم فيه دولة الإمارات تلاقيها الضروري، وتعميق وجودها الإنساني، على مختلف الأصعدة، مسترسلة في تحديث رابط التراث العالمي، ولم يتوقف المشهد تحت سماء باريس بأجوائها الزمردية، وشمسها المتفانية في إرسال طاقتها لرائحة الخبز القادمة من سيارة صغيرة تقف بجانب قصر فونتينبلو، يبيع صاحبها الخبز بالشوكولاته، الشهيرة في باريس، ولكنها استمرت بالمرور إلى الخياطة الفرنسية بعد انتهائها من تطريز القميص، مروراً ببائعة القهوة وهي تحضر آلة الطحن، أما الواقف بجانب البلكونة المطلة على الشارع الداخلي، ابتسم مودعاً جاره من أسفل العمارة، وبين المقاهي الفرنسية تطل محال الزهور، القابعة في فكرة أن يتحول الريف الفرنسي بأكمله إلى زهرة مليئة بالحب. تأكل الباستا هناك، بحدودها الفرنسية والإيطالية بمثل تقاطعهما الفني، وتسترسل في وصف عيشك لمشهدية النافورة الشهيرة بجانب قصر فونتينبلو. يجلس هناك الطلاب يدرسون، يضحكون، يتهامسون.. وأحياناً يصنعون المقالب، يدهشك كل شيء حول النافورة، في البداية تنبهر بحركة الماء والتدفق السريع، وبعدها تلحظ التجمع الأخضر للعشب في الزوايا، وتقول: عشب من ماء، يطفو على السطح ويتحرك كما تفعل البطات الصغيرات في البحيرة القريبة من القصر، حيث تركض مسرعة كما تفعل راقصة الباليه بحثاً عن الجمال.

بأقل قدر من التدخل
اعتمد فريق عمل الترميم المكلف بالمشروع على مبدأ أن يبقى كل شيء كما هو.. وأن تكون نسبة التدخل ضئيلة، مما كلف الفريق مجهود 5 سنوات من البحث قبل الشروع في العمل الاحترافي في عام 2012 وإتمام المرحلة الأولى من المسرح في عام 2014. استكمال المرحلة الثانية من الترميم، تبنى النسق المهني لآلية الترميم المتبعة بمقاييسها العالمية في مجال حفظ التراث. أُخذت العناصر المسرحية من مسرح ماري أنطوانيت، بينما الأثاث استشعر بريقه من منهج الأثاث في عهد لويس الرابع عشر.

.........................................
* جميع المعلومات الفنية والتفاصيل المتعلقة بالترميم تم استقاؤها عبر حوار مع نخبة من المتخصصين، القائمين على مشروع ترميم مسرح الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وهم: باتريك بونسوت، كبير المهندسين المعماريين للآثار التاريخية - Patrick Ponsot, chief Architect of historic monuments، فنسنت كوشيت، رئيس إدارة التراث لقصر فونتينبلو - Vincent Cochet, Head Heritage curator for the château de fontainebleau ، و ألكسيس دي كيرمل، المسؤول عن الاتصالات والعلاقات العامة - Alexis de Kermel, responsible for communication and public relations.