صحيفة الاتحاد

قطر.. تنتحر

مونديال 2022 في قطر بسبب فساد الفيفا

دينا محمود (لندن)

«قطر.. حيث تقع الأعمال الوحشية دون عواقب»، عنوانٌ لافت اختارته صحيفة «دايلي فري برس» الأميركية لمقال لاذع النبرة شنت فيه هجوماً عنيفاً على غض المجتمع الدولي الطرف عن الجرائم التي يرتكبها النظام القطري، بل ومكافأة هذا النظام عبر منحه الحق في استضافة فعاليات مرموقة، مثل كأس العالم لكرة القدم المقرر تنظيمها عام 2022.
لكن رب ضارة نافعة ربما، فالمقال - الذي كتبه دافيد داميانو - أكد أن افتضاح أمر هذه الانتهاكات جاء بعدما أصبحت قطر تحت المجهر الدولي بشكلٍ متزايد، منذ أن حصلت على حق تنظيم المونديال قبل سبع سنوات. وأشار إلى أنه على الرغم من أن «الاكتشافات المنطقية للممارسات الشاذة المحضة للحكومة القطرية لا تثير الدهشة، فإنها لا تزال تثير الانزعاج بشدة». وقال إن مثل هذا الأمر يثير سؤالاً مفاده: «لماذا يتعين أن تُكافأ قطر على جرائمها، سواء عبر الدعم العسكري الأميركي لها أو منحها كأس العالم».
وإذ استنكر داميانو السياسات القطرية التخريبية والطائشة، فضح في الوقت نفسه الصورة البراقة التي يسعى المسؤولون القطريون لرسمها لبلادهم على الساحة الدولية، فبرأيه لا تتجاوز النقاط الإيجابية في هذا البلد - المنبوذ خليجياً وعربياً - سوى أن «لديه ثروةً ضخمةً ناجمة عن وجود موارد هائلة من النفط. وأنه على الرغم من مساحته المحدودة للغاية، فإن لديه ثالث أكبر احتياطيات من الغاز الطبيعي والنفط في العالم بأسره..ولكن هنا تنتهي الإيجابيات».
وذكِّر المقال بالاتهامات التي واجهها الإعلان في عام 2010 عن إسناد مونديال 2022 المشبوه لقطر. وأشار في هذا السياق إلى ما قيل من أن هذا القرار لم يكن ليصدر لولا «الفساد الذي يوجد في الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا». وأشار الكاتب إلى أنه من المحتمل بالفعل أن تكون «الموارد المالية الوفيرة التي تمتلكها قطر، قد كان لها تأثيرٌ كبيرٌ في القرار في ضوء أن الفيفا نفسه أقر بأن العرض القطري للاستضافة انطوى على مخاطر عملياتية عالية».
ولم يغفل داميانو بطبيعة الحال الإشارة إلى الوضع المأساوي الذي يمر به العمال المهاجرون المشاركون في تشييد المرافق الخاصة باستضافة كأس العالم، إذ قال إن مشروع إقامة هذه المسابقة في قطر بدأ على نحوٍ قاسٍ. وأضاف «لقد باتت إحصاء مشهورة تلك التي تتحدث عن وفاة 1200عامل في قطر خلال العامين الأولين من الإنشاءات». ولكن الكاتب أضاف أن الحقيقة قد تكون أسوأ بكثير، بالنظر إلى أن الأرقام المنشورة تُحصي عدد الوفيات بين العمال الهنود والنيباليين، ممن يشكلون 60% من حجم العمالة المهاجرة فحسب.
ولإيضاح فداحة المأساة التي يعيش في ظلها العمال الوافدون في قطر، ممن يشاركون في تشييد مرافق المونديال، قال داميانو إن أكثر حدث رياضي دولي من حيث حجم الوفيات التي وقعت بين عماله، كان دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي استضافها منتجع سوتشي الروسي عام 2014، وذلك على الرغم من أن عدد الوفيات التي وقعت خلال التحضيرات الخاصة بإقامة تلك الدورة لم يتجاوز 60 عاملاً، وهو ما يعني - كما قال داميانو - أن قطر تجاوزت بالفعل هذا العدد بنحو 20 ضعفاً، رغم أنه «لا يزال أمامنا 5 سنوات على إقامة كأس العالم». ولخص الكاتب تلك الصورة القاتمة بالقول إن النقطة الأساسية هنا تتمثل في أن هناك «وبشكل حرفي، آلاف الأشخاص الذين يعملون في ظروف تشبه ظروف العبودية، يلقون حتفهم في قطر».
وفي محاولة على ما يبدو لتقصي الأسباب التي تجعل قطر جحيماً للعمالة الأجنبية، أكد المقال أن الثروة الهائلة التي يمتلكها هذا البلد تترافق مع عيوب منهجية في حكومته ومجتمعه، بما يشكل حافزاً على تبني سلوك وحشي، ويعرقل إحراز أي تقدم». ورأى داميانو أن أكثر سلوك وحشي وشائن في هذا الصدد يتمثل في نظام الكفالة، الذي يعتبر أنه وبشكل جوهري بمثابة إجبار العمال الأجانب الذين يمثلون 94% من القوى العاملة في قطر، على العمل بالسخرة. ونقل الكاتب عن رجال أعمال قولهم لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2013 أن العمال الأجانب المنضوين تحت لواء نظام الكفالة في قطر يشكلون بالنسبة لأرباب عملهم من المواطنين» عبيد العصر الحديث.. فالقطري يمتلكك «بموجب هذا النظام إذا كنت تعمل لحسابه».
وفضح داميانو المزاعم القطرية حول إجراء السلطات في هذا البلد قبل شهور إصلاحاتٍ لهذا النظام سيئ السمعة، قائلاً إنه على الرغم من أن السلطات الحاكمة هناك سنت قوانين أخرى في ديسمبر 2016 لتحل محل تلك التي كانت مُطبقة آنذاك في سوق العمل بما يُفترض أن يمنح العمال مرونةً وحقوقاً أكبر. فلم يكن من المفاجئ أن يكون النظام الجديد أبعد ما يكون عن الكمال». وأورد في هذا الصدد ما قالته منظمة العفو الدولية، والتي وصفت القوانين الجديدة بأنها غير كافية، وتشبه كثيراً - وعلى نحو مفرط - النظام القديم الذي كان مطبقاً بحق العمالة الوافدة. ونقل عن نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «العفو الدولية» جيمس لينش قوله إن القوانين القطرية التي سُنت مؤخراً تترك النظام الأساسي القديم نفسه قائماً».
ولم يفت الكاتب الحديث عن الأزمة القطرية الحالية، التي تتفاقم بفعل مواصلة الدوحة تشبثها بالرفض المتعنت للمطالب المُحقة المطروحة عليها من قبل الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، إذ وجه انتقاداته اللاذعة بشكل خاص إلى قرار النظام القطري قبل أسابيع إعادة سفيره إلى طهران، وقال إن إحياء العلاقات مع إيران على هذه الشاكلة مثّل صدمةً للدول المجاورة في المنطقة التي رأت قرار قطر تحركاً ينطوي على خيانة.
وأشاد داميانو بالتحركات الرامية لعزل النظام القطري قائلاً إن ذلك أدى إلى أن يتعرض هذا البلد إلى تدقيقٍ دوليٍ أكبر من جديد، وهو ما ألحق مجدداً الضرر بمكانته الآخذة في التراجع، مشيراً إلى وجود أدلة أكثر من اللازم تؤكد الدعم الذي يقدمه النظام الحاكم في الدوحة لتنظيم «القاعدة» الإرهابي. وتساءل من جديد عن السبب الذي يحدو بالولايات المتحدة إلى مواصلة التعايش مع النظام القطري، على الرغم من تعاونه الواضح مع الإرهابيين، واتباعه نظم عمل قسري تعود إلى العصور الوسطى. وأشار إلى أن وضوح السبب في هذا التساهل - في إشارة منه بالطبع إلى الثروة النفطية التي تمتلكها الدوحة - لا يمنع من أنه «من المهم أن ننتقد تساهل العالم مع قطر».
وركز المقال على الإدارة الأميركية التي أكد أنها «متساهلة بشكل استثنائي» حيال النظام القطري. وأشار إلى أنه «حتى خلال الأزمة الحالية التي يُفترض أن تُدين الولايات المتحدة فيها قطر لوقوفها إلى جانب الإيرانيين، وقعت واشنطن صفقة بقيمة 12 مليار دولار، يشتري في إطارها القطريون عشرات المقاتلات من طراز إف - 15». كما استنكر الكاتب «صمت الفيفا» خلال الأزمة الخليجية، وقال إن ذلك يبرهن على موقف هذا الكيان الدولي من المسألة برمتها، وهو الإصرار على إقامة المونديال في قطر «مهما كان حجم فظاعاتها».