صحيفة الاتحاد

دنيا

أحمد خليفة السويدي: قائد الدبلوماسية الإماراتية في سنوات الاتحاد الأولى

مع الشيخ زايد خلال اختيار أفضل التصاميم المقترحة لعلم دولة الإمارات

مع الشيخ زايد خلال اختيار أفضل التصاميم المقترحة لعلم دولة الإمارات

في ذكرى قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، مفخرة خليجنا العربي، نستذكر بالعرفان والإجلال بناة هذا الصرح العظيم وفي مقدمتهم الراحلان الكبيران المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، ومعهما إخوانهما أصحاب السمو حكام الشارقة ورأس الخيمة والفجيرة وعجمان وأم القيوين.. غير أن الحديث في هذه الذكرى العطرة لا يكتمل دون الإشارة إلى نفر من الشخصيات الوطنية التي رافقت تأسيس الكيان الاتحادي خطوة خطوة، وكان لها دور بارز في المساعي التي سبقت قيام الدولة، بل وكان لها أيضا دور لا يقل أهمية بعد قيامها لجهة توطيد أركانها، وتعزيز أطرها التنظيمية وبناء هياكلها ومؤسساتها المختلفة، وتعزيز صورتها في المحافل العربية والإقليمية والدولية.

من أبرز هذه الشخصيات معالي أحمد خليفة السويدي، أمد الله في عمره، الذي حفر اسمه في تاريخ الدولة كأول وزير خارجية لها، وأول من قرأ بيان قيامها في الثاني من ديسمبر 1971، بل وكان من أكثر المتحمسين لتجربتها الوحدوية، ومن أكثر من وهب الدولة الفتية علمه وتجربته في سنوات التكوين الأولى التي عادة ما تُوصف بالبدايات الصعبة.

الأنساب والتقسيمات

ولد معالي أحمد بن خليفة بن أحمد بن خليفة بن خميس بن يعروف السويدي في عام 1937 بمدينة العين في المنطقة الشرقية من إمارة أبوظبي، حيث تسكن عائلته المنتمية إلى قبيلة السودان.. وهذه القبيلة قبيلة عربية قضاعية من قبائل حلف بني ياس، وينتشر أفرادها في كل أراضي الإمارات، وبقية أقطار مجلس التعاون الخليجي دون استثناء .. وهم أول من أسس مدينة الدوحة التي عُرفت في الماضي باسم «البدع»، أما نسب قبيلة السودان، فيرجع إلى سويد بن نهد بن زيد بن أسلم بن سود بن الحاف بن قضاعة.

وطبقاً للعديد من مراجع الأنساب والتقسيمات القبلية في شبه الجزيرة العربية، فإن السودان ينقسمون إلى أفخاذ كثيرة أهمها: فخذ آل سالمين «وهم شيوخ السودان»، فخذ آل شيبان، فخذ آل جبر، القريشات، الزمامة، السويعدات، آل جبران، آل طريف، آل خلف، فخذ قوم بن عتيج، فخذ قوم بن سبت، فخذ قوم بن راشد، فخذ قوم بالرمثة، علما بأن عائلة أحمد بن خليفة السويدي تنتمي إلى فخذ الزمامة.

وتلقى السويدي دراسته ما قبل الجامعية في مدارس أبوظبي والدوحة ثم سافر، في أعقاب انتهائه من المرحلة الثانوية، إلى مصر من أجل الالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة.. وفي القاهرة أقام في شقة بالعمارة رقم 7 في شارع التحرير بالدقي، وقد شاركه السكن آنذاك معالي راشد بن عبدالله النعيمي، الذي صار فيما بعد وزيرا للخارجية في دولة الإمارات، وطالب خليجي، صار فيما بعد سفيراً لبلاده في السودان.

وهكذا قدر لأحمد خليفة السويدي في شبابه أن يعاصر في القاهرة سنوات المد القومي وزعامة جمال عبدالناصر وما رافقها من شعارات ثورية وأحلام رومانسية حول تحرير فلسطين، والقضاء على الاستعمار، وقيام دولة الوحدة من «المحيط الهادر إلى الخليج الثائر».

وكغيره من أبناء جيل الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين تماهى السويدي مع هذه الأجواء، وكان لا بد أن يعشق مصر والقاهرة عشقاً وجدانياً على اعتبار أنها قائدة المسيرة وعاصمة العرب الكبرى، ناهيك عن أنها المدينة التي شكلت وعيه وتلقى فيها الصدمة الحضارية الأولى.. وفي القاهرة «طبقاً للموسوعة الحرة» زامل السويدي في جامعته العديد من الطلبة المصريين من ذوي الخلفية الريفية البسيطة ممن اصطحبوه معهم إلى الريف المصري الأخضر في الدلتا والوادي، فكانت النتيجة أن تجذر حب مصر وريفها وفلاحها في فؤاده.

صداقة

أحد الذين زاملوه في سنوات دراسته بجامعة القاهرة في ستينيات القرن الماضي، ثم ارتبط به بعلاقات صداقة ومودة على مدى خمس وأربعين سنة، هو الدكتور مصطفى الفقي السياسي والدبلوماسي المصري السابق، الذي عمل سكرتيراً للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك ما بين عامي 1985 - 1992، وعين عضواً بمجلس الشعب المصري وتولى رئاسة لجنة الشؤون الخارجية بالمجلس في برلمان 2005 وكان مرشحاً لخلافة عمرو موسى في قيادة جامعة الدول العربية.

وكتب الفقي عنه في عموده بصحيفة «المصري اليوم» القاهرية «8-11-2007» بتصرف: «هو زميل دراستي الجامعية قضينا معاً سنوات الجامعة في ستينيات القاهرة، عندما كانت جيوبنا خاوية ولكن هامتنا عالية! إنها تلك السنوات الحالمة من رومانسية الثورة وزعامة عبد الناصر الكاسحة.. سنوات المد القومي والمجد العربي وذروة الدور المصري في المنطقة».

وفي موضع آخر من عموده أخبرنا الفقي «في تلك السنوات تخرجنا - قبل النكسة بعام واحد - وعاد أحمد خليفة السويدي إلى أبوظبي الصغيرة والفقيرة نسبياً حينذاك، وارتبطت عودته بوصول الشيخ زايد آل نهيان إلى حكم الإمارة بديلاً لشقيقه، فكان مجيئه إيذانًا بميلاد الدولة الحديثة وامتداد حركة الإعمار في تلك المنطقة من الخليج العربي».

انعكاسات إيجابية

وفي مكان ثالث من عموده يتذكر الفقي فيقول: «وأذكر عندما حصلت على الدكتوراه من جامعة لندن عام 1977 أن جاءني الصديق أحمد خليفة السويدي مهنئًا وعرض علي مباشرة العمل في دولة الإمارات مستشاراً سياسياً للشؤون العربية، وأبدى دهشة شديدة لاعتذاري خصوصاً عندما علم أن ما يربطني بتلك الدولة الشقيقة هو صداقتي معه وإذا عملت لديهم، فإن الصداقة الخالصة سوف تتحول إلي تبعية وظيفية لا أقدر عليها، ومرت السنوات وعملت في مؤسسة الرئاسة المصرية، وكلما جاء الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى مصر وبرفقته أحمد السويدي وأيضاً كلما ذهبنا في زيارة رسمية إلى دولة الإمارات كان تكريمه لي زائداً وظاهراً وراقياً وظل أحمد السويدي يعمل بجد ووعي لخدمة بلاده».

من حسن حظ السويدي أنه تخرج في جامعة القاهرة قبل حرب يونيو 1967 بعام واحد أي في عام 1966، فعاد على الفور إلى بلاده حاملاً درجة البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية التي لم يكن أحد من مواطنيه يحملها وقتذاك. وكان من حسن حظه أيضاً أن عودته تزامنت مع تطورات مهمة في إمارة أبوظبي، ستكون لها انعكاسات إيجابية سياسية واقتصادية ومعيشية وتنموية على عموم المنطقة. ونقصد بهذه التطورات تولي الشيخ زايد مقاليد الأمور في الإمارة خلفا لأخيه الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، علما بأن الشيخ زايد كان على مدى السنوات الثلاث والعشرين السابقة وحتى تاريخه حاكماً للمنطقة الشرقية، وقاعدتها مدينة العين مسقط رأس السويدي. وهكذا وقع اختيار القائد الجديد للإمارة على السويدي ليكون رئيساً لديوانه، وهذه الوظيفة هي التي انطلق منها الرجل سريعاً نحو قيادة الدبلوماسية الإماراتية على مدى عشر سنوات كاملة.

البناء والتعمير

وبينما كانت أبوظبي تخطو خطواتها الأولى في استثمار عائداتها البترولية لصالح البناء والتعمير وتحسين أحوال ومعيشة مواطنيها وفق السياسات الحكيمة التي رسمها قائدها الجديد الشيخ زايد، فإذا بتطور آخر غير متوقع يفرض نفسه على سطح الأحداث، جاذبا الأنظار وشاغلا العقول وخالطا الأوراق.

والمقصود بهذا التطور المفاجئ هو إعلان رئيس الحكومة البريطانية هارولد ويلسون في السادس عشر من&rlm&rlm يناير 1968 في مجلس العموم البريطاني عن نية بلاده سحب قواتها من شرق السويس في موعد أقصاه نهاية ديسمبر 1971 بغية تخفيض نفقاتها العسكرية والمدنية في ما وراء البحار وبالتالي توفير حوالي 325 ألف جنيه استرليني في العام المالي 1968 - 1969.

والمعروف أن هذا الإعلان البريطاني كانت له ردات فعل مختلفة ومتفاوتة لعل أهمها تسارع الاتصالات بين شيوخ وزعماء المنطقة لعمل شيء ما من أجل ملء الفراغ السياسي والعسكري الذي سينشأ عن إلغاء معاهدات الحماية مع بريطانيا وسحب الأخيرة لقواتها من المنطقة، والمعروف أيضاً أن تلك الاتصالات أثمرت توجهاً بإقامة اتحاد تساعي بين مشيخات الساحل المتصالح «أو المتهادن» السبع، بالإضافة إلى إمارتي البحرين وقطر، وهو ما لم يتحقق بسبب بروز خلافات، لا مكان لشرحها هنا، الأمر الذي دفع مشيخات الساحل إلى حزم أمرها وإعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة دون مشاركة البحرين وقطر، خصوصاً وأن قاعدة صلبة لهذه الدولة كانت متوافرة وجاهزة ممثلة في الاتفاقية المبدئية الثنائية حول تشكيل دولة فيدرالية واحدة بين إمارتي أبوظبي ودبي، والتي تم التوقيع عليها في فبراير 1968.

دور محوري

ومما لا شك فيه أن السويدي - مسلحاً بثقة الشيخ زايد به، ومدفوعاً بتوجهاته القومية والوطنية والوحدوية المعروفة - لعب خلال هذا المنعطف الهام من تاريخ منطقة الخليج العربي دورا محوريا في الجهود التي بُذلت من أجل دفع فكرة الاتحاد إلى الأمام وتذليل العراقيل التي كانت تواجهها سواء أثناء مشاورات الاتحاد التساعي أو مشاورات الاتحاد السباعي. وآية ذلك أنه شارك مشاركة فاعلة في الوفد الذي تم إرساله من قبل حكام الإمارات التسع لتسليم رسائل حول المستجدات في المنطقة والمشاريع المقترحة لمواجهة الانسحاب البريطاني إلى كل من عاهل المملكة العربية السعودية المغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز وأمير دولة الكويت المغفور له الشيخ صباح السالم الصباح، على اعتبار أن هاتين الدولتين العربيتين هما المعنيتان بشؤون الخليج أكثر من غيرهما، وقد ضم الوفد كلا من الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة «رئيس دائرة الإعلام في حكومة البحرين آنذاك ، والمصري الدكتور حسن كامل مستشار مشيخة قطر، إضافة إلى السويدي الذي كان يشغل وقتذاك منصب رئيس الديوان الأميري في أبوظبي.

كما شارك السويدي بنفس الزخم والحماس في محادثات ثنائية وجماعية أخرى طوال عام 1969، إلى ذلك فإن السويدي هو الذي ذهب إلى مصر في عام 1968 بتكليف من سمو الشيخ زايد للاتفاق مع الفقيه الدستوري المصري الكبير الدكتور عبدالرزاق السنهوري «رئيس مجلس الدولة المصري سابقاً» على وضع دستور الاتحاد المقترح، غير أن دستور دولة الإمارات صاغه في نهاية المطاف الفقيه الدستوري المصري وحيد رأفت بمشاركة مجموعة من مواطنيه من الخبراء في القضايا الدستورية، والسبب هو أن السنهوري كان ممنوعاً من مغادرة مصر بسبب معارضته لنظام الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر مما حال دون تواجده شخصيا في الإمارات للإطلاع على ظروفها عن كثب، ثم لأن الشخص الذي كلفه السنهوري بهذه المهمة نيابة عنه، وهو السياسي السوداني حسن الترابي، كان ممنوعا من دخول مصر بسبب انتمائه إلى جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في ذاك الوقت «الإرهابية».

حينما تولى السويدي حقيبة الخارجية كانت أمامه تحديات جمة على رأسها خلق كادر دبلوماسي وطني يستطيع تمثيل الدولة الاتحادية الفتية لدى الدول العربية والأجنبية وفي المحافل والمنظمات الدولية، خصوصا وأن الإمارات بأكملها لم يكن فيها وقتذاك سوى أربعين مواطنا من حملة الدرجات الجامعية، وفي هذا السياق يخبرنا علي بن محمد الشرفاء الذي تولى منصب مدير ديوان رئيس الدولة في الإمارات من عام 1973 وحتى عام 1995 في حوار له مع الصحافي جهاد زريق لصالح مجلة الفارس الشهرية «يناير 2014» أنه بناء على تكليف تلقاه قبل قيام الاتحاد بستة أشهر سافر إلى لبنان واستعان هناك بالدكتور حسن صعب الأستاذ في كلية الحقوق والعلوم السياسية بالجامعة اللبنانية، وبالدكتور محمد المجذوب مدير الجامعة اللبنانية آنذاك لتنظيم دورة دبلوماسية مكثفة من أجل تأهيل بعض أبناء الدولة الفتية لمناصب دبلوماسية مثل سفير، وسكرتير أول، وقائم بالأعمال، مضيفاً أن تلك الجهود أثمرت بعد 45 يوماً عن تكوين فريق من الدبلوماسيين المؤهلين في حدود 40 شخصاً تم إرسال أسمائهم إلى السويدي ليختار منهم نواة الجهازين الحكومي والدبلوماسي.

وطد السويدي أركان الدبلوماسية الإماراتية خلال عشر سنوات من العمل المضني كوزير لخارجية بلاده، شهد خلالها معارك أمته العربية وحروبها وخلافاتها وأزماتها، بل وحاول، بتكليف من زعيمه، أن يرأب الصدع العربي الذي نشأ بُعيد توقيع معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية «بدليل وجوده ضمن الوفد الذي أرسلته قمة بغداد في عام 1978 إلى القاهرة لإقناع الرئيس محمد أنور السادات بالتراجع عن اتفاقية كامب ديفيد»، حيث يُقال إن السادات رفض استقبال أعضاء الوفد، لكنه استثنى منهم السويدي تقديراً منه لعشقه لمصر وجهوده في توثيق العلاقات المصرية - الإماراتية.

بعد رحلته في أروقة الدبلوماسية العربية والعالمية عينه المغفور له الشيخ زايد مستشاراً ومبعوثاً شخصياً له، وهو لايزال يحتفظ بلقب «ممثل صاحب السمو رئيس الدولة»، على الرغم من اعتزاله الأضواء والناس، وانصرافه إلى القراءة المكثفة في مكان إقامته بمدينة العين، منذ انتقال المغفور له الشيخ زايد إلى رحمته تعالى في الثاني من نوفمبر 2004.

للسويدي ابن يدعى محمد، درس في بريطانيا والولايات المتحدة، متخصصا في الاقتصاد. وهو يعتبر من شعراء وأدباء الإمارات المجددين، وصاحب اهتمامات متعددة، واطلاع واسع، وشغف شديد بالرواية والسينما والأوبرا والموسيقى والنحت والفن التشكيلي وأدب الرحلات والحضارات وأحوال الأمم وثقافتها وأديانها. وكان قد شغل في عام 1987 منصب مدير مؤسسة الثقافة والفنون في المجمع الثقافي بأبوظبي، ثم تولى في عام 1990 منصب الأمين العام لهذا المجمع الثقافي حتى عام 2006. ومحمد بن أحمد بن خليفة السويدي، من جهة أخرى، عضو في المجلس الأعلى لجامعة الإمارات في العين، وعضو في جمعية الاقتصاديين والتجاريين واتحاد كتاب وأدباء الإمارات وغيرها من مؤسسات النفع العام.أما الابن الآخر للسويدي فيدعى ناصر، الذي تولى خلال مسيرته المهنية التي تمتد لأكثر من 20 عاماً، مناصب مهمة في عدد من الهيئات والمؤسسات الحكومية في أبوظبي مثل دائرة التنمية الاقتصادية، وجهاز أبوظبي للاستثمار، وشركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك»، والمجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، ودائرة الطاقة في أبوظبي، وبنك أبوظبي الوطني، وسوق أبوظبي للأوراق المالية، والاتحاد للقطارات.كم كان الدكتور مصطفى الفقي صادقاً حينما وصف صديقه أحمد خليفة السويدي بأنه «نموذج رائع للعربي الواعي والإنسان الصادق الذي جمع بين البساطة والتواضع ودماثة الخلق في وقت واحد».