صحيفة الاتحاد

منوعات

صور.. "الديوالي" مهرجان الأضواء وشعاع للتطهر الذاتي والاجتماعي

غالية خوجة (دبي)

تشتهر أمم الأرض بالعديد من الأعياد الفلكلورية، وطقوسها، وتحتفل الجنسيات المختلفة بأعيادها الدينية والوطنية والثقافية والإنسانية في بلدها الأم، أو بلدها الذي تقيم فيه، ومن تلك الأعياد عيد الأضواء، أو مهرجان الأنوار الهندي أو الديوالي (Diwali/‏Deepavali)، الذي يتمحور حول الضوء، وشعلته، ودلالات النور العميقة في الذات الإنسانية والوجود والكائنات والكون، ويصادف كل خريف، وتحديداً في الشهر الهندوسي لأشوايجا الذي يقابله شهر أكتوبر ونوفمبر.

الشعلة المتوهجة
ومن أهم طقوسه التعبدية تلك الشعلة المتوهجة التي تعيد انبعاثها بين الأنا والآخر والشمس والقمر والنجوم والنار، حيث يمارس الشعب الهندي طقوسه في كل مكان، ومنها دولة الإمارات العربية المتحدة، فيشعلون الشموع، والأضواء، ويصلون ويتعبدون، ويتبادلون الهدايا والحلوى الخاصة بالمناسبة، منجزين حالة من التطهر الذاتي والنفسي والروحي، ومتقربين أكثر عائلياً واجتماعياً، مما يساعد على إعادة النظر في علاقة الذات مع الذات بغية التخلص من الشوائب، وعودة العلاقات الأسرية والاجتماعية إلى ألقها وتجددها، وأيضاً، يستعيد المحتفلون بهذا العيد حالة السلام والمودة والتعايش مع الأرض والحياة والكون. ولا بد من إضاءة المكان بأساسياته وتفاصيله وجدرانه في البيوت والمعابد وإضاءة المراكب والقوارب، والاهتمام بالزخرفة و«الأكسسوارات»، والزينة المناسبة، ورسْم لوحة فنية على أبواب المنازل، مصنوعة من طحين الأرز، وتسمى (الرانجولي)، كما يصنعون المأكولات الشعبية الخاصة، ومنها «خيل» المصنوعة من مسحوق الأرز، وحلوى السكر الشهيرة باسم (باتاشي)، إضافة للاحتفال بالألعاب النارية، وتبادل الهدايا، والدعوات المتبادلة للولائم والاحتفالات، فيزداد تلاحماً التواصل الشعبي الذي يجيده الهندوس والسيخ لينتصر النور على الظلمة، ويبدأ معه الأمل والثروة، كما تبدأ معه سنة جديدة، وتستمر الحياة المولودة من النقاء.

احتفالات خماسية
تستمر الاحتفالات خمسة أيام، وهي مدة العيد، ويبدأ اليوم الأول ويدعى دان ثيراس (Dhan Theras) مع كريشنا حيث الليلة القمرية الثالثة عشرة، وتحديداً وقت الغروب، حيث يغتسل الهنود ويشعلون الضياء في كل مكان، لكنهم يركزون على إشعاله قرب شجرة الريحان، أو أية شجرة، ليخرج ملك الضوء مع الليلة الرابعة عشرة من الشهر، من تلك الظلمة الكامنة في الأعماق البشرية.
بينما يأتي اليوم الثاني درامياً ويسمى ناراك تشادورداسي (Narak Chadurdasi)، لأن كريشنا(Krishna) يصارع الشيطان ناراكازور(Narakasur)، وينتصر عليه، ونلاحظ أن اسم الشيطان، يشبه في التحليل اللساني اللفظي والدلالي (نارا) أي النار، و(زور) وتعني النفاق والكذب وشهادة الزور، حيث الإبليس مخلوق من النار، لكنه في هذه العقيدة يمثل الشيطانة، أي أنه مؤنث، وبذلك نكون قد فهمنا الخلفية البنائية لطريقة تفكير المحتفلين.
وحالما ينتصر كريشنا على ناراكازور يكون قد حرر العالم من الخوف، ويتم دهن الجسد بالزيت بعد الحمام والاستراحة، وفي هذه الليلة لا تشعل الأضواء.
ومع اليوم الثالث، يبدأ التقرب من الأم لاكشمي (Lakshmi)، لترضى عنهم، وتبارك العالم بالازدهار والبركة والثروة، فيجتمعون مع أسرهم وأقاربهم وأصدقائهم محتفلين بانتصار الخير على الشر، محترمين الأمهات، فيقومون بالتقرب إليهن أكثر، ويقدمون لهن الهدايا.
أمّا في اليوم الرابع، فيقيمون طقوس العبادة والأضواء لمخلصة العالم غوفاردان بوجا (Govardhan Puja)، من قبضة وسيطرة فراجا (Vraja)، وذلك بعد صراع درامي تراجيدي يمتد لآلاف السنين.
وفي هذا اليوم تضاء الألعاب النارية استعداداً لبداية سنة مضيئة، ومختلفة، وجديدة، تبعاً للتقويم الهندوسي، ملؤها الأمل والتفاؤل، مستمدين الطاقة من دلالات الضوء.
ويخصص اليوم الخامس للأخوات، ويسمى بهراتري دوج (Bhratri Dooj)، وعادة ما يستمر ليومين، ويؤكد على ضرورة إضاءة صلة الرحم والتواصل الشفيف مع الأخوات، حيث يزور الإخوة الذكور أخواتهن، مقدمين لهن الهدايا الثمينة، معاهديهن على زيارتهن في مثل هذا اليوم القمري كل سنة، حيث يكون الإخوة قد تحرروا من الخطايا، واعدين أخواتهن بمزيد من التحرر النهائي من الظلمات، تماماً كما فعل ملك الموت ياماري (Yamari) مع أخته يامونا (Yamuna)، وبالمقابل، تصلي الأخوات من أجل إخوتهن الذكور، ليحفظهم الله بكل خير وأمان.
ويعتبر مهرجان الأضواء ذاكرة شعبية موروثة تلخصها ملحمة (الرامايانا)، التي كتبها الشاعر (فالميكي)، وربما كان إحدى شخصياتها، وتعتبر الملحمة الثانية لملحمة (المهابهاراتا).

الملك والشاعر
وتحكي الرامايانا عن بطلها الملك (راما) المكون من مزيج من البشر والآلهة، وكيف تعلّم وتدرب في صومعة الحكيم (فاسيستا)، ثم بدأ بمحاربة الأشرار في كل مكان، وهاجسه العدالة، ومساعدة أهل الخير أينما يكونون، في الغابات، والقرى، والمدن، والجبال، والسواحل، والجزر، إلاّ أن الأعداء الأشرار يخطفون زوجته (سيتا)، فيظل باحثاً عنها، متعرضاً لأحداث تراجيدية ومعارك وحروب وصراعات، ينتصر عليها بعد عناء شديد، مستعيداً زوجته، وعائداً من منفاه وتنسكه بين الغابات والصوامع، إلى مدينته (أيودهيا) مدينة الضوء، وربما هو الاسم القديم لمدينة دلهي، أي مدينة الضوء، ليتابع حكمه كملك للمدينة التي أقامت له مهرجاناً من الأضواء.
ويبرز دور فالميكي الشاعر عندما يصادف «سيتا» في الغابة، وهو صديق أبيها، فاستضافها في صومعته وهي حامل، وكانت قد تركت مدينة أيودهيا بعدما شك زوجها راما بها، وامتحنها بالنار لتثبت طهارتها، فعبرت النار دون احتراق، وخرجت منها أكثر جمالاً، فطلب منها راما الاعتكاف في الغابة، وهكذا، ولدت في صومعة فالميكي ولدين، أسمتهما (كوشو)، و(لاف)، وأصبحا، فيما بعد، حكيمين من حكماء الهند، وعندما تعرف إليهما أبوهما راما، أعادهما إلى أيودهيا، إلاّ أن أمهما سيتا رفضت العودة، بل طلبت من السماء أن ترفعها عن هذه الأرض، فأرعدت وأمطرت، وانشق البحر، ثم احتضنت آلهة الأرض سيتا وصعدت بها إلى السماء، وهنا تصل درامية المشهد إلى ذروتها، فيحزن راما، ويتنازل عن الحكم لأخيه بهاراتا.
وتحتفي (الرامايانا) بعودة اللورد (راما) بعد مدة (14) سنة من النفي، ليعود ويحكم الهند، وفرحاً بعودته، أضاء الشعب الهندي طريق راما بالأضواء حينها، ونلفت أن الرامايانا ملحمة شعرية هندية قديمة، تكاد تكون نصاً مقدساً، تتألف من (1000) صفحة، كل صفحة تتكون من (48) بيتاً شعرياً، كتبت في القرن الثالث قبل الميلاد، وأضيفت إليها أحداث وأبيات شعرية استمرت للقرن الثاني بعد الميلاد، كونها نالت بعض الإضافات الجماعية المناسبة من قبل الرواة والمنشدين.

عودة راما
ولأن هذه الملحمة جزء هام من الثقافة التكوينية الهندية، وحضارتها التراثية والمعاصرة، فإنها صدرت بمئات الصيغ والكتابات، وترجمت إلى عدة لغات، وعرضت كدراما تلفازية، وما زالت محوراً لمهرجان الأضواء، الذي قال عنه مانوج كومار لـ«الاتحاد»: يعود راما من جانكيل، ذاك المكان البعيد، فنحتفل بعودته إلى المدينة، نقيم الصلوات، ونتواصل أسرياً واجتماعياً في البيوت والمعابد، منتظرين الأمل والخير.
بينما أكدت لنا سانيتها سايجو على سعادتها بهذه المناسبة، لأنها تعيد التواصل والوفاء والقيم المنيرة إلى الناس، وأضافت: أذكر أن الفتيان كانوا يعتزلون في الأديرة والغابات متقشفين، ليتعلموا الحكمة والصبر والشجاعة، وأكملت: حالياً، نحتفل في بر دبي مع الأهل والأصدقاء والمعارف، حالمين بضوء جديد لحياة جديدة.
وأخبرنا راج حبتري أن الناس يحتفلون بالتطهر، فيذهبون إلى المعابد، ويأكلون الحلوى، ويهدون الأمهات والأخوات والأقرباء الذهب، ويتبادلون الورود والمودة والتفاؤل.
ورأى إميلي بياز أن الأضواء تمنح راحة بعد صراع مع الشر والظلام، والشعلة عبارة عن حالة من التواصل مع الجميع الذين يحبون هذه الطقوس وما يرافقها من علاقات اجتماعية وحلويات وهدايا.
وتتواصل هذه العادات والتقاليد والطقوس التراثية الاحتفالية الكبرى على مر الأجيال، وهنا، في دبي، تستمر هذه الاحتفالات أسبوعاً مفعماً بالكرنفالات والعروض المهرجانية المشوقة، ومنها عروض الألعاب النارية التي تقام في (7) نوفمبر، ويصاحب المهرجانَ نشاطاتٌ احتفاليةٌ وعروض ترفيهية وورش مختلفة تناسب جميع أفراد الأسرة، كما تصاحبه عروض أزياء ومأكولات مناسبة للمهرجان الذي تمتد فعالياته على مساحة الإمارات بين مراكز التسوق وإضاءة البيوت وقبلها إضاءة القلوب والنفوس والأرواح.

احتفالات وألعاب نارية في دبي
تحتضن دبي العديد من الفعاليات والأنشطة المتنوعة خلال مهرجان الأضواء الهندي «ديوالي» هذا العام، ومن بينها حفلات موسيقية وغنائية لأبرز الفنانين من الهند، وكذلك أجمل عروض الألعاب النارية، إضافة إلى فرص ربح جوائز رائعة، والاستفادة من العروض الترويجية التي تقدمها مراكز التسوق والمحلات التجارية.
وقال أحمد الخاجة، المدير التنفيذي لمؤسسة دبي للمهرجانات والتجزئة، إحدى مؤسسات دائرة السياحة والتسويق التجاري بدبي (دبي للسياحة): «نحرص في مؤسسة دبي للمهرجانات والتجزئة على الاستفادة من المناسبات المختلفة التي من شأنها استقطاب المزيد من الزوّار، وكذلك تنشيط قطاع التجزئة، ولاسيما تلك التي تندرج ضمن التقويم السنوي لقطاع التجزئة في دبي، الذي يشتمل على مجموعة من المهرجانات والأحداث التي تساهم في إنعاش الأسواق.

حفل غنائي
ويضبط نجوم بوليوود إيقاع حفلاتهم على عيد الدوالي، حيث يحتضن اليوم الجمعة مسرح ملعب سوق دبي الحرة للتنس في منطقة القرهود، نجما بوليوود «شان» و«كي كي» للمرة الأولى لإحياء حفل غنائي، سيقدمان فيه لجمهورهما أجمل أغاني فترة الستينيات والسبعينيات من زمن بوليوود الذهبي، وذلك على مدار أربع ساعات متواصلة. وفي وجهة أخرى، تستضيف السيف سوق «ديوالي ميلا» الفريد من نوعه، والذي سيقدم العديد من الأنشطة ويعتبر سوق ديوالي وجهة مثالية للاستمتاع بالعروض التقليدية، والموسيقا الاحتفالية، وتناول الطعام اللذيذ وسط أجواء مفعمة بالحيوية، وإضاءات ليلة أمس 8 نوفمبر سماء دبي بالألعاب النارية بمناسبة «ديوالي» في مرسى السيف ونشرت البهجة بين المقيمين والزوار.

لوحات موسيقية
واستضاف أمس الأول، مسرح دبي فستيفال سيتي عرض «تخيّل» IMAGINE، عبر موسيقا «جاي هو» المعروفة في بوليوود احتفالاً بــ«ديوالي»، وكذلك بألحان الموسيقار الأسطوري اي آر رحمان A.R. Rahamn، والتي تم تقديمها في فيلم «المليونير المتشرد» الحائز على 8 جوائز أوسكار، وشهد عرض «تخيل» بروح ديوالي، إقبالاً كثيفاً، حيث تداخل الماء والنار والضوء والليزر مشكلاً لوحات فنية رائعة، كما تنطلق اليوم في «باي أفينيو» وجهة التسوق احتفالات مهرجان الأضواء «ديوالي»، مع مجموعة من الفعاليات والأنشطة المتميزة المخصصة للصغار والعائلات.
وقالت باسمة يونس، المستشار الثقافي في وزارة الثقافة وتنمية المعرفة، إن الإمارات دائماً سباقة إلى المبادرات الرامية لإرساء قيم التعايش والتسامح بين الشعوب وخاصة المقيمين على أرضها،، وتحترم تنوعهم الثقافي وعاداتهم وتقاليدهم من أجل تعزيز التواشج الاجتماعي وبناء أواصر المحبة والأخوة ومشاركتهم الاحتفال بتراثهم الروحي. وهي صاحبة مبادرات في محاربة كافة أشكال العنصرية والتمييز.
ويشير أرجون تشاندرا من أبناء الجالية الهندية، إلى أن العلاقات الإمارات الهندية عمرها عقود طويلة من التعاون والشراكة والتعايش بين الشعبين، وتجمعنا أواصر ثقافية وقيم كثيرة، ويرى أن الإمارات بلد حاضن لكل الأعراق والثقافات دون تفرقة أو تمييز، ويصفها الكثيرون بأنها بلد الفرص والنجاح والعيش الرغيد.
وقال، ديليب كيران موظف هندي مقيم في دبي، متحدثاً عن أبرز الطقوس والتقاليد المصاحبة في عيد ديوالي، بأن كل المنازل والبيوت يتم إنارتها بمصابيح زيتية، كما تبرز مظاهر الزينة في الشوارع العامة والأماكن الترفيهية والحدائق وغيرها.