صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

تشابكات الشرّور

قادة الجماعة خلال محاكمتهم بعد محاولتهم السيطرة على مصر الدولة والمجتمع (أرشيفية)

قادة الجماعة خلال محاكمتهم بعد محاولتهم السيطرة على مصر الدولة والمجتمع (أرشيفية)

هذا الملف
يتناول هذا الملف، موضوعات شتّى في المسألة الماسونية والإخوانية، ابتداء من التعريف إلى ملابسات التأسيس، وطبيعة الهيكلية التنظيمية، وأسرار العضوية والمراتب الرموز.
مع شروح وتحليلات تتعلق بأهداف هاتين الحركتين السريتين، وكيفية عملهما، وتشابهاتهما مع حركات شمولية وسرية أخرى شهدها العالم.

بالإضافة إلى الشواهد التي تؤكد الأصول الماسونية لجماعة الإخوان المسلمين، وماسونية بعض مؤسسي الجماعة.
وقد كتب في الملف كل من:
د.ألفة يوسف، هاشم صالح، تييري زرقون (ترجمة أحمد عثمان)، إميل أمين، خزعل الماجدي، د.أمين بن مسعود، إيهاب الملاح، د.فوزي البدوي، د.المعز الوهايبي، أحمد فرحات، نبيل سليمان، مختار بوروينة، فرانسوا بويون (ترجمة أحمد عثمان)، خليفة شاطر (ترجمة المعز الوهايبي).

هل من مبرِّر، راهن، لكي يطرح «الاتحاد الثقافي» مسألة الماسونية، وجماعة الإخوان المسلمين، كموضوع استكشافي وبحثي، في هذا الملف الشامل؟ قد يسارع أحدهم للقول، إنه لا مبرر ملح أو مستجد في هذه المسألة الشائكة والغامضة، لكن عند التدقيق، يمكن الجزم بأن المبررات كانت تتراكم منذ العام 1717 ميلادية، أي منذ أن شهدت العاصمة البريطانية لندن تحوّل فكرة الماسونية إلى مؤسسة.

الماسونية وهي الترجمة الاصطلاحية للتعبير الإنجليزي Freemasons (أو البنّاؤون الأحرار)، لم تكن دعوة بنائية تلهج بها الألسن فحسب، ولا مجرد فكرة فلسفية تخرج من عقول أصحابها إلى بطون الكتب. هي قبل ذلك، ومعه، وبعده حركة أيديولوجية، سياسية، تحمل الخصائص التي تميّز كل حركة من هذا النوع. أي التنظيم، والبرنامج، والأدوات، التي تمّكنها من السيطرة والتحكّم، بالمجتمع، ومن ثمّ بالمجتمعات، وتالياً بالعالم. فهل يضير هذه الحركة، القول بأنها تسعى للسيطرة والتحكم، كما يفعل تنظيم «الإخوان المسلمين»، وهو المرتبط بالماسونية من حيث النشأة والتشكيل والأهداف حد التطابق؟ أليس هذا هو دأب كل حركة سريّة سياسية وأيديولوجية، منذ تحوّل الإنسان إلى كائن سياسي؟
هنا يصبح البحث في الماسونية ومعها الإخوان، ضرورة معرفية، لاستجلاء الحقيقة من الصورة الشائعة عنهما، وهي صورة لا تخرج عن إطار أنهما منظمتان أخويتان عالميتان، يتشارك أفرادهما عقائد وشعارات متشابهة: حرية، عدالة، مساواة. وأيضاً فيما يخص الأخلاق وتفسير الكون والحياة والإيمان بخالق (من دون استخدام «الـ» التعريف في عبارة خالق)، في حالة الماسونية. أما في حالة الإخوان، فإن دعاواهم الكاذبة المتعلقة بالدين والفضيلة والأخلاق، والذي ظهر كل ذلك في أعمالهم الإجرامية والإرهابية منذ انطلاقتهم؛ فإنها مجرد امتطاء لما هو ديني وتجييره من أجل أهداف لا تتعلق بالإسلام ولا بمبادئه.
بنى الماسون إذاً سمعتهم الأولى، في العقود التي تلت انطلاقتهم، من مثل التعريف السابق؛ فهو يعطي انطباعاً بأن (البنّائين الأحرار) تنظيم غير ضار، بل لعله عنوان للصلاح والفلاح، والخير والمحبّة، والأخوة. ولقد أُخِذَ كثيرون بهذا العنوان، فانضموا إلى المحافل الموجودة، أو أسّسوا محافل جديدة، ومارسوا دعوتهم بحماس لافت تقتضيه فكرة برّاقة. تماماً كما فعل الإخوان، عندما أطلقوا شعاراتهم الزائفة وخطاباتهم المضللة لاستقطاب الأتباع والأعوان، طوال مسيرتهم الطويلة.

إدانة مبكرة للماسونية
ستبقى هذه الصورة «البريئة» عن الماسونية حتى العام 1745، حينما صدرت الإدانة البابوية للحركة باعتبارها عقيدة تخالف الدين المسيحي، وتجدّف على الله، وتنحرف بالمؤمنين من الذين يتبعونها عن جادة دينهم.
حتى تلك اللحظة، لم يكن هناك مبرر لوضع الماسونية فوق منضدة التشريح، دراسة واستجلاء لمكنونها. لكن الإدانة المبكرة طرحت التساؤل المبسّط: ما الماسونية؟ وكيف تعمل؟ وإلى ماذا تهدف؟
من تلك الأسئلة البسيطة، ظهرت حصيلة مهمة من الإجابات من أهم خصائصها أنها فارغة، فالتعريف الأول للماسونية، والذي ساد لفترة طويلة وربما ما زال كثيرون يعتقدون به حتى اليوم هو أن الماسونية هي ظاهرة أيديولوجية تنهض فوق الألغاز وتعيش داخل الأسرار وتتسربل بالغموض.
وبعد أكثر من ثلاثة قرون على تأسيسها ما زالت تلك «الإجابات الفارغة»، هي المعطى شبه الوحيد أمام أي دارس لهذه الظاهرة، مقروناً بطبيعة الحال بنظرية المؤامرة التي تحمل بذاتها دلائل متوازنة بين التصديق والإنكار.
وكل ذلك يكفي، لكي يكون مبرراً تاريخياً وراهناً، يدفع كل سائل عن الماسونية لأن يدخل في كهوفها طلباً للمعنى. ولقد لاحظنا في الآونة الأخيرة، أن «حوادث» ماسونية ظهرت فوق السطح في هذه الدولة العربية أو تلك. منها مثلاً، أزمة طرحت في الجزائر على أكثر من صعيد أمني وقضائي (يمكن مراجعة هذا الموضوع في مكان آخر من الملف). ومنها أيضاً، أنشطة ذات طابع اجتماعي، أو ثقافي، أو رياضي، تجري في أكثر من مكان تحت عناوين غير ماسونية ليظهر في نهاية المطاف أنها تنتمي إلى هذه الحركة الأخطبوطية بشكل أو آخر. ومنها كذلك، الأزمة الدبلوماسية التي تسبب بها ترشيح الحكومة اللبنانية لسفير يمثلها في الفاتيكان، لكن أعلى مرجعية كاثوليكية في العالم رفضت هذا الترشيح على اعتبار أن السفير المسمى هو ماسوني. وفيما يتعلق بالإخوان، فإن السنوات القليلة الماضية تقدم سجلًا حافلًا بما اقترفوه ضدّ أوطانهم وشعوبهم، من مصر (التي شهدت انطلاقتهم الأولى)، إلى ليبيا، وتونس، وسوريا، والعراق، واليمن، وباكستان، والصومال، والسودان، وبعض دول الخليج، والدول الأجنبية. زد على ذلك، احتضانهم لكل جماعات الإرهاب الجهادي والتكفيري، التي خرجت من تحت عباءتهم الفكرية والعقائدية والتنظيمية، وعبثت بالبنيان الوطني، والنسيج الاجتماعي، والتكوين الروحي والثقافي للشعوب والمجتمعات.
هذا الاستعراض لمسار ومسيرة الماسونية، يتطابق ويتقاطع مع مسار ومسيرة الإخوان. فهم منذ أن أصبحوا واقعا قائما في الحياة السياسية المصرية (وغيرها من البلاد العربية والإسلامية)، كان الغموض يغلّف أفكارهم وخططهم، واتخذت حركتهم الطابع السرّي، واتسمت أعمالهم بالنزعة العنفية التي أطلق عليها منظّرهم الأول سيّد قطب تسمية «العنف المقدس»، وقد ترجموا ذلك بسلسة من عمليات الارهاب والمجازر والاغتيالات لشخصيات سياسية ووطنية في مراحل مختلفة من التاريخ. وحينما وُضِعوا تحت مجهر المتابعة والمحاسبة، ادعوا العفة والبراءة وارتدوا مسوح الشهداء. من هنا كثرت بين أيدينا المسوغات التي تدعو لفتح هذا الملف. استجلاء لوقائع التاريخ أولاً، ولحقائق الفكر ثانياً، ولمجريات الأحداث ثالثاً.

محاور البحث
وعند البحث في هذا الملف، واجهتنا إشكالية من نوع: كيف يمكن، أن نتعاطى مع هذه التنظيمات الشريرة التي يتعذّر، في أحيان كثيرة، أن نفصل فيها بين الوجه والقفا؛ لأنّنا نَقصِر عن ضبط هيئتها بوضوح فيصعب علينا أن نفرز ما يقترن بها من حقائق عمّا يلفّها من مزاعم؟ وهل نتشفّع بالارتياب من إمكان المعرفة بوضوح، حتّى نزهد في طرح الإشكالات المتعلّقة بها، أم هل نعتبر ذلك حافزاً للمضيّ قدُماً في بسط هذه الإشكالات على صفحات «الاتحاد الثقافي»؟
وبعد تحديد المسوّغات لطرح هذا الملف، كان لا بد من تعيين طريقة التناول، وهو ما كان بتدبّر المحاور التّالية:
1 - كيف نَكتب تاريخ الماسونيّة، إذا كان على قدْر هائل من السرّية؟ (هذا السّؤال يطرح بدوره تحدّياً أشمل يواجه المؤرّخين، ألا وهو: كيف تتحقّق كتابة التّاريخ السّرّي، لمثل هذه التّنظيمات والمجموعات؟)
2 - عندما ننظر اليوم إلى الإخوان المسلمين، فإننا غالباً ما نتوقف عند النتائج التي آلت إليها، بينما ما يهمنا في هذا الملف، هو استجلاء جذور هذه الجماعة السوداء، بما ارتكبته من شرور، والكشف عن بنيانها الداخلي، وارتباطها بالماسونية والمنظمات السرية الأخرى.
3 - ما علاقة بعض الوجوه التي برزت في التاريخ العربي، مثل جمال الدين الأفغاني، والأمير عبد القادر، وحسن البنّا، وسيد قطب، وغيرهم، بالماسونيّة؟ وإلى أي مدى تواطأ تنظيم الإخوان، مع هذه المنظمة والاحتلال الأجنبي في ذلك الوقت؟
4 - هل الماسونيّة وجماعة الإخوان حركتان دعويتان، أم هما حركتان اندساسيّتان؟
5 - كيف نقرأ رموز الماسونيّة والإخوان، في ظل التشابه بينهما؟
6 - هل تستثمر الماسونيّة المعتقدات الدّينيّة وخصوصاً في اليهودية والمسيحيّة؟ وكيف تستثمر الماسونية أيضاً، حركات الإسلام السّياسيّ المتطرفة، وفي القلب منها تنظيم الإخوان المسلمين؟
ومن مختلف المساهمات التي قدمها كتّاب «الاتحاد الثقافي» في هذا الملف، تظهر الخلاصات التالية في الظاهرة الماسونية وارتباطها بالإخوان المسلمين:
أولها، أن الماسونية عقيدة شمولية، تشبه في تركيبها وغاياتها، الحركات النازية، والفاشية، والشيوعية، وبطبيعة الحال الصهيونية. وهناك تشابهات تجمعها مع تكوين حركات الإرهاب الديني، وخصوصاً الإخوان.
وثانيها، أن الماسونية وجماعة الإخوان، هما حركتان معاديتان للوطنية والقومية؛ أي إنهما حركتان ذات طابع دولي يجمعهما إطار تنظيمي سري محكم.
وثالثها، أن الماسونية هي حركة نخبوية يقوم على تفعيلها رجال (ومن ثم نساء) من صفوة الطبقات الاجتماعية، في مجالات السياسة والثقافة والفكر والاقتصاد والرياضة والفن والعلوم، وهي تهدف إلى استقطاب من ينتمون إلى هذه النخب، بطبيعة انتمائهم أو تكوينهم. أما الإخوان فإنهم جماعة نخبوية على مستوى القيادات، وشعبوية على مستوى الأتباع.
ورابعها، أن الماسونية والإخوان حركتان دمويتان تآمريتان، وإن تسترتا بشعارات الحرية والأخوة والحق والخير. ويكفي أن كل عضو ينتسب إليهما يجبر على قَسَم، هو في مضمونه، يجعله يسلّم رقبته للحركة في حال خان أو انحرف أو قرر الابتعاد.
وخامسها، أن الماسونية والإخوان تتخذان واجهات كثيرة لتسيير عملهما داخل البلدان والمجتمعات التي لا تستسيغ هذا النوع من الحركات. فلذلك نجد أن الكثير من الأندية والجمعيات الخيرية والمؤسسات ذات الطابع الاجتماعي والدعوي، هي في حقيقتها مجرد أدوات لهما، لنشر أفكارهما ومعتقداتهما الهدامة في المجتمع.
لذا، فإن كل ما سبق هو مجرد عناوين وخلاصات تدور حول المسألة الماسونية والإخوانية، ولا يمكن أن تتضح معالمها إلا بقراءة هذا الملف الذي اجتهدنا لأن يكون شمولياً؛ وذلك باعتبار أنه يقدم قراءة جديدة ومختلفة وكاشفة لهاتين الظاهرتين، اللتين تتسعان برغم ذلك لمزيد من المقاربات والدراسات والبحوث.