صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

هل الماسونيّة مؤسسة دينية؟

بث السموم في متون الأديان

بث السموم في متون الأديان

د. ألفة يوسف

إنّ موقف رجال الدّين من الماسونيّة هو موقف سلبيّ في أقصى الحالات وموقف محترز في أدناها، وذلك على اختلاف الأديان التي ينتمون إليها. وإنّنا سنحاول في هذا المقال البحث في أسباب استهجان رجال الدّين للماسونيّة، مبيّنين بعض خصائص هذا التّنظيم في الآن نفسه.

المتأمّل في خصائص الماسونيّة يتبيّن أنّها تتقابل مع الأديان في عناصر متعدّدة أهمّها:
ـ الماسونيّة حركة سريّة/‏ الأديان أنظمة صريحة:
النّاظر في مختلف الكتب والمقالات التي ألّفت حول الماسونيّة يجدها جميعها متّفقة على أنّها حركة سرّيّة. صحيح أنّ بعض أعضائها معروفون، وصحيح أنّ أهدافها العامّة المصرّح بها هي التّعاون والارتقاء الأخلاقيّ بالعالم. غير أنّ للماسونيّة شعائر سريّة لا يعرفها إلاّ المنتمون إلى الحركة. والانتماء إلى الحركة لا يكون تطوّعاً حرّاً، وإنّما يجب أن يمرّ عبر تزكية عضو قديم لعضو جديد، ولا تقبل العضويّة إلاّ بعد نظر وتأمّل وتقييم للعضو الجديد. بل إنّ هناك من يعتبر أنّ بعض الأسرار العرفانيّة التي تعتمدها الحركة ممّا لا يعلمه إلا قلّة قليلة في الكون يعدّون على أصابع اليد الواحدة.
ولعلّ الغموض الّذي يحيط بالماسونيّة والّذي نسج حولها كثيراً من الحكايات وأدّى إلى أن تُكال لها عديد التّهم يفسّر احتراز الأديان منها. ذلك أنّه إذا كانت التّنظيمات السّرّية تنتقي أعضاءها وفق شروط مخصوصة وبعد بذل مجهود وترقّ في المراتب، فإنّ الأديان تتّجه إلى النّاس جميعاً وتخاطب البشر دون أيّ تمييز مبدئيّ ولا تفريق جوهريّ. ومن ذلك أنّ القرآن يخاطب النّاس جميعاً دون أيّ استثناء ويدعوهم كلّهم إلى الإيمان بنفس المعتقد وإقامة نفس الشّعائر، ومن ذلك ما جاء في إنجيل متّى على لسان عيسى:
«ما أقوله لكم في الظّلام، أفشوه في النّور، وما يُقال لكم في آذانكم، ادعوا إليه على الملأ» (إنجيل متّى 10. 27).

بلا منهج
ـ الماسونيّة مثل الأديان تقرّ بخالق الكون لكنّ تمثّله مختلف بينهما:
يشترط التقليد الماسونيّ القديم أن يكون العضو مؤمناً بخالق الكون. ولكنّها لا تحدّد أوجه هذا الإيمان ولا طرقه ولا أساليبه. وهذا ما تثبته الدّراسات حول الماسونيّة، إذ تذكّر أنّ الماسونيّة «تطلب من أعضائها الإيمان بالكائن الأرقى، ولكنّها لا تقدّم أيّ منهج للإيمان في ذاته.. فليس هناك إله خاصّ بالماسونيّين، والماسونيّ يظلّ خاضعاً لإله الدّيانة التي يعتنقها».
على أنّ موضع الله تعالى في الماسونيّة هو أقرب إلى ما يسمّونه «مهندس الكون الأكبر» وهي عبارة متواترة في الأدبيّات الماسونيّة، أمّا في الأديان الكتابيّة فلموضع الله تعالى دلالات أخرى تتجاوز مجرّد خلق الكون إلى الحضرة الأزليّة الأبديّة وإلى محاسبة البشر على أفعالهم وإلى تحديد طرق عبادة الإله.. إلخ.

ـ الماسونيّة تقبل كلّ الأديان/‏ كلّ الأديان تدّعي أنّها على حقّ :
الحركة الماسونيّة لا تشترط على أفرادها الانتماء إلى تقليد روحانيّ مخصوص دون آخر. والماسونيّة التّقليديّة تقبل أعضاء من كلّ الأديان. فقد تجد ماسونيّين من اليهود أو النّصارى بمختلف تفرّعات انتماءاتهم الكنيسيّة. وهذا التصوّر الذي لا يميّز بين الأديان لا يتلاءم مع معتقدات رجال الدّين ولا المتديّنين أنفسهم. ذلك أنّ عموم المنتمين إلى المسيحيّة أو اليهوديّة يعتبرون أنّ دينهم هو وحده الصحيح ويرون أنّ معتقدهم هو وحده الصائب دون سائر المعتقدات. أمّا المسلمون فرغم أنّهم يعترفون بجميع الأنبياء والرسل الّذين أقرّهم القرآن، فإنّهم يعتبرون أنّ الدّين عند الله الإسلام وأنّه «من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه».

الإيمان والإلحاد
ـ الماسونيّة تتطوّر/‏ الأديان محافظة:
كان من شروط الانضمام إلى الحركة الماسونيّة التّقليديّة أن يكون الفرد منتمياً إلى تقليد روحانيّ ما. وقد أسلفنا أنّ جميع التقاليد الرّوحانية كانت مقبولة في القرون الوسطى وما تلاها. على أنّ الماسونيّة تغيّرت بمرور الزّمن. فباستمرارها حتّى زمن الحداثة وما بعد الحداثة، ذكّر رعاة الماسونيّة بأنّ الرّابط الأساسيّ بين الماسونيّين ليس الانتماء إلى دين، وإنّما الأخوّة القائمة على الإيمان بقيم أخلاقيّة عليا جوهرها الإنسانيّة. وهذا ما قد يتوفّر في المنتمين إلى الأديان وغير المنتمين لها، ولذلك فتحت الماسونيّة أبوابها لعضويّة اللاّأدريّين والملحدين، وأنت اليوم تجد المختصّين يميّزون بين الماسونيّة الرّوحانيّة والماسونيّة اللاّأدرية أو الملحدة. ومنطقيّ أن يستنكر رجال الدّين هذا «التّطوّر» ذلك أنّه إضافة إلى أنّ رجال الدّين عموماً يحترزون من كلّ تنظيم أو تجمّع يقبل الملحدين واللاأدريّين، فإنّ تطوّر الماسونيّة وتبدّل قواعدها بتغيّر السّياق التّاريخيّ هو في حدّ ذاته مقابل للجوهر الثّابت والمحافظ للأديان التي تستند إلى مبدأ صلاحيّتها لكلّ زمان ومكان.

ـ البعد السياسيّ وسيلة لدى الماسونيّين وهدف لدى رجال الدّين:
السياسة هي البحث في الشأن العامّ للناس. والماسونيّة تزعم أنّها لا تسمح لأعضائها بالاشتغال بالسياسة إلا من منظور فرديّ وشخصيّ، أي بمعزل عن عضويتهم للماسونيّة. فالماسونيّة تدّعي أنّها تسعى إلى التّجميع والبحث عمّا هو مشترك بين البشر وعمّا يمكن أن يكون سبيلاً إلى تحسين الأوضاع في العالم، وفي مقابل ذلك فإنّ السياسة تفرّق بجعل الناس منتمين إلى أحزاب مختلفة وتنظيمات متنوّعة وإيديولوجيات متعدّدة. هذا ما يقوله الماسونيّون نظريّاً، على أنّ الباحثين في الشّأن الفكريّ يعرفون أنّ عدداً كبيراً من الحكّام السّياسيّين ماسونيّون دون أن يصرّحوا بذلك. والماسونيّون يستغلّون السّياسة لتنفيذ برامجهم ورؤاهم، ومن هذا المنظور، فإنّ الماسونيّة في علاقتها بالسّياسة مقابلة لعلاقة رجال الدّين بها. ذلك أنّ رجال الدّين يوظّفون الدّين ليحكموا باسمه، فالسّياسة هدف بالنّسبة إليهم وهم لا يخفون ذلك. أمّا الماسونيّون فيخفون انتماءهم إلى الحركة الماسونيّة ويكتمون عضويّتهم فيها ليحكموا من أجل تحقيق أغراض الحركة ومقاصدها.

الماسونيّة دين؟
إنّ كلّ ما سبق جماع عوامل تفسّر احتراز رجال الدّين من الماسونيّة. على أنّ هناك سبباً آخر ضمنيّاً، ولعلّه السّبب الأهمّ.. هذا السّبب هو أنّ للماسونيّة، رغم كلّ الاختلافات الّتي أشرنا إليها، بعض سمات الأديان. فالأديان تنظيمات جماعيّة تقوم على معتقدات مشتركة مقدّسة وعلى شعائر مخصوصة وعلى قيم مضبوطة وعلى مؤسّسات تُتوارث زمنيّاً عبر التّاريخ. وهذه السّمات كلّها متوفّرة في الماسونيّة. بل إنّ في التّنظيمات الماسونيّة أحياناً مواقف مقصية للنّساء من الاضطلاع بالصّفوف الأماميّة للحركة، وهي في ذلك تذكّر بالأديان الّتي تمنع النّساء من الإمامة أو القضاء أو الكهانة العليا. وإذا عدنا إلى الكتابات الماسونيّة نفسها لوجدنا أنّ موقفها من الخلفيّة الدّينيّة للحركة متضارب. فأنت تجد (Ligou) يقول: «إنّ علينا التّعبير بلا هوادة أنّ الماسونيّة ليست ديناً ولا تعويضاً للدّين. إنّ الماسونيّة تنشد أن تعلّم أعضاءها نموذجاً في السّلوك والتّصرّف تعتبره متلائماً مع كلّ الأديان، ولكنّها تمنع نفسها بكلّ جدّ من التدخّل في مجال العقائد وعلم اللاّهوت، إنّ الماسونيّة ليست في سباق مع الأديان، بل إنّها ترجو، في سياق السّلوك البشريّ، أن تكون تعاليمها مكمّلة لتعاليم الدّين».
وفي مقابل ذلك، تجد من يقرّ أنّ الماسونيّة مؤسّسة ذات بعد دينيّ واضح وأكيد. يقول ماكاد (Macked) وهو من كبار الماسونيّين الأمريكيّين: «خلافاً للسّائد، أؤكّد دون أدنى تردّد أنّ الماسونيّة هي بكلّ معاني الكلمة، مؤسّسة دينيّة بامتياز.. وأنّها مدينة أساساً للعنصر الدّينيّ الّذي تشتمل عليه بأصلها وباستمرار بقائها، وأنّها لولا هذا العنصر الدّينيّ ما استحقّت أن تُرعى من قبل رجل حكيم وطيّب».
إنّ الكنيسة الكاثوليكيّة مثلاً ترفض تماماً الاعتراف بماسونيّة بعض أعضائها لأنّها، بكلّ بساطة، تعتبر أنّ الماسونيّ الكاثوليكيّ صاحب معتقد مزدوج، وتعتبر أنّ عليه الاختيار بين الانتماءين. وخلافاً لذلك فإنّ الكنيسة البروتستانتية يعترف جلّ مؤسّساتها بالماسونيّة كانتماء ممكن لبعض أعضائها، أمّا رجال الدّين المسلمون فيعتبر جلّهم أنّ الماسونيّة خروج عن الدّين، ولا أدلّ على ذلك من اعتمادهم مصطلح «اعتناق» الماسونيّة، وهو مصطلح يستعمل عادة في مجال دينيّ. والحقّ أنّه مهما تكن أسباب احتراز رجال الدّين من الماسونيّة، ومهما يكن تضارب الحركة نفسها في شأن المسألة الدّينيّة، فالأكيد أنّ الماسونيّة وإن سعت إلى جمع النّاس ضمن تنظيم يدّعي أنّ هدفه نشر القيم، وحتّى إن تمّ تحريف بعض هذه القيم أو تحويلها وفق المصالح المتضاربة، فإنّها قد تنظّر للسّلوك البشريّ اللاّزم والأفعال الإنسانيّة الممكنة، ولكنّ الماسونيّة خلافاً للأديان لا تقدّم تفسيراً لوجود الإنسان في الكون ولا ترسم رؤية متكاملة لعلاقة الإنسان بالله تعالى.. وهذا ما يجعلها أقرب إلى التّنظيم السّرّي اللائكيّ الّذي قد تكون أهدافه النّظرية نبيلة، ولكنّه يظلّ قابلاً لتحويره واستغلاله في صراعات أيديولوجيّة فكريّة معقّدة وغامضة.

رفض كاثوليكي
من المعروف أن العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية والماسونية لم تكن يوماً على خير ما يرام، وقد حاول مجلس الأساقفة الألماني بين العامَين 1974 و1980 معرفة ما إذا كانت الماسونية قد تغيرت بشكلٍ يسمح للكاثوليك بالانتماء إلى هذه المجموعة.
وفي العام 1981، أصدر مجمع العقيدة والإيمان بياناً حول الموضوع، وعاد للتطرق إليه في العام 1983، وكان هذا الموضوع محور بعض المؤتمرات الأسقفية كما جرى في باراغواي في العام 2012.
وقد وصل مؤتمر أساقفة ألمانيا بعد 6 سنوات من الحوارات والدراسات إلى خلاصة مفادها إن الماسونية لم تتغير في الجوهر، وإن نظرتها للعالم ليست موّحدة، إنما نسبية وذاتية، ولا يمكن أن تتماشى مع الإيمان المسيحي، فمفهوم الحقيقة هو بحد ذاته نسبي وينكر إمكانية بداية موضوعية للحقيقة، ما لا يتماشى مع المفهوم الكاثوليكي، كما وأن مفهومها للدين نسبي أيضاً، ولا يتماشى مع معتقد المسيحية الأساسي. إضافةً إلى ذلك، فإن مفهوم اللّه «مهندس العالم الكبير» لا يلتقي أبداً مع نظرة الكاثوليك للّه.