صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الدهليز والسرداب

رموز دينية يستخدمها الماسون في محافلهم (أرشيفية)

رموز دينية يستخدمها الماسون في محافلهم (أرشيفية)

إيهاب الملاح

لا يخفى على الباحثين والمهتمين بدراسة التنظيمات والحركات السرية التي نشأت في القرن العشرين، وفي القلب منها، تنظيم جماعة الإخوان الإرهابية، تلك التشابهات «المرعبة» بينها وبين التركيبة الهيكلية لواحدة من أقدم هذه الحركات وأكثرها سرية في العالم وهي الحركة «الماسونية».
هناك من الكتب والمؤلفات التي توفرت على دراسة مثل هذه التشابهات التي تصل لدى باحثين مختصين إلى يقين استلهام الفكرة وبنية التنظيم وآليات التجنيد وتأسيس قواعد السرية والخفاء وتمويهات التبعية والانخراط ونشوء الفرع عن الأصل بل جنح البعض منهم إلى عقد صلات ووشائج بين الماسونية في تشكيلاتها الأكثر تعقيدا وسرية وغموضا وبين مؤسس «جماعة الإخوان» حسن البنا، بل زاد بعضهم وقدم تفسيرات متعسفة تربط بين اسم البنا وحركة «البناؤون الأحرار» التي هي في صميمها وصلبها «الماسونية العالمية».
لكن إذا استثنينا مثل هذه الدراسات المغرقة في تأويلاتها وربطها المتعسف، وأبقينا على الدراسات الرصينة الموثقة التي تقوم على خبرة مباشرة وتعتمد الرأي التاريخي الموثق المستند إلى دليل أو إلى معايشة ذاتية كاملة، فلن نعدم عددا لا بأس به، مثل كتاب ثروت الخرباوي الشهير «سر المعبد/‏‏ الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين» (طبعة نهضة مصر، فصل الماسيو إخواكية)، وهو أحد قادة الإخوان السابقين المنشقين عن الجماعة وصاحب الباع الطويل في دراسة الحركات والتنظيمات الإسلامية في العقد الأخير. في هذا الكتاب يؤكد الخرباوي أن جماعة الإخوان ما هي إلا «مجموعة مغلقة تضمر في نفسها حقائق مفزعة لا يعرفها معظم أفرادها فالأسرار محفوظة عند الكهنة الكبار في صندوق خفي لا يستطيع أحد أن يطلع على ما فيه».
وكذلك في الدراسة القيمة التي كتبها الكاتب والمؤرخ الثقافي حلمي النمنم، وزير الثقافة المصري الحالي، «سيد قطب سيرة التحولات» (دار الكرمة للنشر والتوزيع، 2015) والتي أثبت فيها بالدليل الموثق ماسونية سيد قطب، المرجعية الأولى والمنظّر الأخطر للجماعات والحركات الإسلامية كافة بعد حسن البنا، بل أورد ضمن وثائق الكتاب نص مقاله المنشور بعنوان «لماذا صرتُ ماسونيا؟» الذي نشره في مجلة «التاج المصري» الماسونية أو «لسان حال المحفل الوطني المصري» عام 1942، والذي سنقتبس منه أجزاء للاستشهاد في ختام هذه المقالة.
ومن اللافت أن أول من أشار صراحة إلى ماسونية الإخوان، نشأة وتنظيمًا، بل طالت اتهاماته بعنف مرشدها الثاني المستشار حسن الهضيبي في الخمسينيات من القرن الفائت، هو الشيخ محمد الغزالي ابن الجماعة أيضاً والداعية المتحمس لأفكار البنا ومنهجه.. يقول الغزالي في معرض إعلان رفضه تعيين المستشار حسن الهضيبي مرشدا عاما للإخوان خلفا لحسن البنا:
«ولقد سمعنا كلاما كثيرا عن انتساب عدد من الماسون، بينهم حسن الهضيبي نفسه لجماعة الإخوان، ولكني لا أعرف بالضبط كيف استطاعت هذه الهيئات الكافرة بالإسلام أن تخنق جماعة كبيرة على هذا النحو».
(راجع كتابه «من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث»، ص 226)

نشأة استعمارية
صحيح أن هناك صلة نسب واضحة بين كل التنظيمات والجمعيات السرية في العالم، وأن أساليب الجماعات السرية في شعائرها ومراسيمها وخفاياها تكاد تكون متشابهة، ولكن ليس ذلك هو وجه الشبه الوحيد أو سبيل التقارب الأوحد، إنما السبب الرئيس يرجع إلى التشابه في العقلية ذاتها، البنية الذهنية النزّاعة

لتكوين «تنظيم سري».
ذلك أن مبرر قيام أي جمعية أو تنظيم سري أيا ما كان أساسه واحد، فهي لا تقوم إلا لإيمانها القاطع بأنها «مختلفة» و»متميزة» و»متمايزة» عن باقي المجتمع المحيط، أو أنها مختلفة بالكلية عن العالم بأسره (راجع، مثالا، أفكار أستاذية العالم، والاستعلاء بالإيمان، والمفاصلة الشعورية، وماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين.. إلخ هي خلاصة لما شابهها من دعوات فاشية إقصائية تقوم على العنصرية والتمييز ورفض الآخر واحتقاره والتهوين من شأنه).
وإذا كانت الدراسات التاريخية تشير إلى أن الماسونية عرفت في مصر حديثا مع الحملة الفرنسية، حيث أسس نابليون بونابرت أول محفل بالقاهرة، فإن بروزها وانتشارها على نطاق واسع ضمن شرائح وقطاعات كبيرة من المجتمع المصري كان خلال الفترة من مطالع القرن العشرين وحتى منتصف الستينيات من القرن ذاته، عقب صدور قانون الجمعيات الأهلية الذي بموجبه تم حل أي جماعة أو تنظيم أهلي لا تعلن عن مصادر تمويلها أو تقدم بيانا موثقا بطبيعة نشاطها وأعضائها والدوائر التي يتحركون في إطارها.. إلخ.
والثابت، تاريخيا أيضا، أن الجنرال كليبر، خليفة نابليون بونابرت كان ماسونيًا وكذلك خليفته الجنرال جاك مينو، الذي اعتنق الإسلام وهو في مصر وصار اسمه «عبد الله مينو»، وكان اعتناقه للإسلام كي يتزوج من السيدة زبيدة الرشيدية، ولما عاد إلى فرنسا ترك الإسلام (استلهم علي الجارم روايته التاريخية «غادة رشيد» من هذه الواقعة).
ويكاد معظم الدارسين يجمعون على أن المشكلة الأكبر التي تتعلق بدراسة الماسون والماسونية في مصر، هي هالات الغموض الكثيفة وأستار الأسرار المحيطة بهذا النشاط، ليس في مصر وحدها بل في العالم أجمع. وكما يكشف النمنم في دراسته المشار إليها «سيد قطب سيرة التحولات»، فإن الماسونية المصرية إن صحت التسمية قامت على الغموض والأسرار، وبسبب ذلك الغموض تم القضاء رسميًا على الماسونية في مصر، ففي سنة 1964 صدر قانون الجمعيات الأهلية، الذي يلزم كل جمعية أو أي نشاط أهلي أن يبلغ وزارة الشؤون الاجتماعية بأسماء أعضائها والمشاركين فيها، فضلاً عن ميزانياتها وطبيعة عملها، ورفضت المحافل الماسونية الالتزام بذلك، لأنه يمثل خرقاً لقاعدتها الذهبية وهي السرية التامة والمطلقة، وكان أن أصدرت وزيرة الشؤون الاجتماعية، الدكتورة حكمت أبو زيد، سنة 1964، قراراً بحل المحافل الماسونية.

تطابقات وتشابهات
وإذا كانت «الماسونية» كحركة، أو تنظيم، أو هيئة تعمل في العلن مع احتفاظها بكل دواعي السرية والخفاء، مارست نشاطها ووسعت فعالياتها في مصر طيلة ما يقرب من نحو 60 سنة، فإن تنظيم الإخوان الذي أسسه حسن البنا بالإسماعيلية سنة 1928 يعد بلا خلاف أهم وأكبر وأخطر التنظيمات السرية الدينية في العالم كله، وفي العالم العربي والإسلامي بخاصة، وقد تضافرت ظروف وأحوال مصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعوامل أخرى عديدة، لتعطي ذلك التنظيم فرصة لا تتكرر لانتشاره وتغلغله في أوساط الطبقات الفقيرة والشعبية في مصر.
كل ذلك فضلا عن كون هذا التنظيم إحدى الجماعات الأيديولوجية التي تركت آثارا مدمرة وعنيفة على صفحات التاريخ العربي المعاصر، وبالأخص تاريخ مصر السياسي خلال الفترة من 1928 وحتى سقوط حكمهم بعد عزل رئيسهم محمد مرسي في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013.
والعلاقة بين الإخوان والماسونية باتت وثيقة وثابتة، وعلى مستويات عدة، فكرا، تنظيما، وقياداتٍ أيضا، فطريقتها واحدة، وأساليبها التجنيدية وآليات تشكيل الأسر وتكوين الخلايا ووسائل التدريب والتربية وغرس الانتماء وزرع الولاء متشابهة، حتى لو اختلفت في الأفكار والتوجهات.
ويستشهد العديد من الباحثين بالكثير من أوجه الاستلهام والتوازي بين التنظيمين، على مستوى الفكرة والتكوين والبناء الهيكلي وأساليب التجنيد، ومن ذلك:
الإخوان جمعية عالمية، تتجاوز العرقيات والأجناس والأوطان، كذلك الماسونية «أخوية» عالمية لا تلقي بالا ولا تعتد بالوطن والمواطنة والخصوصيات الوطنية والهويات الحضارية الإنسانية.
- فكرة الانضواء في التنظيم عن طريق التجنيد والتربية وإعلان الولاء والسمع والطاعة، واندياح فردية العضو في الجماعة، والاستعداد للتضحية بحياته في سبيل الجماعة وليس شيئاً آخر (يمكن رد هذه الفكرة إلى جماعة الحشاشين أيضا في التاريخ الإسلامي الوسيط وهي أيضا تؤكد تأثر حسن البنا الكبير بفكر الحسن الصباح مؤسس الحشاشين).
- منطق التجنيد والتربية الذي يقوم على انتقاء العناصر التي لديها الاستعداد المناسب، ودراسة نفسية وذهنية الأشخاص الذين يقع الاختيار عليهم لضمهم للجماعة، وتتأكد من قدراتهم وملكاتهم الشخصية ثم تضعهم في الاختبار تلو الاختبار، حتى يتم التأكد والتيقن من صلاحية الشخص للانضمام للجماعة وضمان ولائه لها ولمرشدها.
- إن البناء التنظيمي لجماعة الإخوان يطابق التنظيم الهرمي للجماعة الماسونية، حتى درجات الانتماء للجماعة، وطريقة البيعة وأسلوبها وعبارتها واحدة في التنظيمين، بحسب ثروت الخرباوي في «سر المعبد».

ماسونية سيد قطب
في كتابه المهم «سيد قطب سيرة التحولات»، الصادر عام 2015 عن دار الكرمة للنشر والتوزيع يتتبع الكاتب والمؤرخ الثقافي حلمي النمنم تحولات سيد قطب الفكرية العديدة: فقد كان ناقداً أدبياً واعداً ثم انقلب على النقد والأدب. وكان ماسونياً متحمساً في المحفل الماسوني الأكبر ويفخر بماسونيته ثم يصبح إسلامياً تكفيرياً ورافضاً للآخرين على طول الخط. كان يكره حسن البنا ويمقته، حتى أطلق عليه لقب «حسن الصباح»، زعيم الحشاشين، في غمز مقصود ولمز متعمد لتأثر حسن البنا الشديد بأفكار الصباح ومنهجه في تأسيس جماعة الحشاشين، ثم يعود ليصفه بالعبقري! وهكذا..
ويكشف حلمي النمنم بجلاء حقيقة ماسونية سيد قطب وتفاصيل علاقته بالمحفل الماسوني، وما إذا كان ذلك وراء بعثته المريبة إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1948، والتي عاد بعدها بعامين ليعلن انضمامه للإخوان وتولي مسؤولية الدعوة والإرشاد بالجماعة، ثم بعد ذلك ما يعلمه الجميع من سيرته حتى إعدامه في عام 1966 عقب إدانته في قضية التنظيم السري الإخواني واغتيال عبد الناصر وقلب نظام الحكم.
يؤكد النمنم أن قصة سيد قطب مع الماسونية خفية، فهو لم يتحدث مطلقًا عن هذه التجربة، ومن جهة أخرى فإن عمل الماسونية سري، ومن ثم فلن يجد الباحث عنها الكثير، خاصة أن أرشيف المحافل الماسونية المصرية قد تبدد واختفى تماما، منذ سنة 1964 حين تم حلها.
ويكشف النمنم في كتابه عن مفاجأة كبيرة، وهي أنه في سنة 1942 يظهر قلم سيد قطب على صفحات مجلة «التاج المصري»، وهي لسان حال «المحفل الماسوني الأكبر»، ومكتوب على صفحتها الأولى، إنها مجلة يحررها «كبار الماسون»، وكان هو يكتب المقال الافتتاحي لها، وهذا يعني أنه آنذاك كان من كبار كبار الماسون.
والذي يعرف سجل وتاريخ الجماعة والتنظيمات الماسونية يدرك أنها هرمية الطابع، بها مراتب ودرجات، وهذا يعني أن سيد قطب حين ظهر سنة 1942 على صفحات «التاج المصري» كان من خلفه تاريخ طويل في المحفل، متى انضم إليه؟ وكيف؟ وعلى يد من؟..
يطرح النمنم كل هذه التساؤلات التي تبحث عن إجابات مقنعة، لكن السؤال الأهم، بحسب النمنم، هو: هل كان اهتمام سيد قطب بأفكار الإصلاح الاجتماعي مقدمة لدخوله «الماسونية» أم كانت نتيجة لها؟ فالمعروف أن الماسونية كان من بين اهتمامها القيام ببعض الأعمال الاجتماعية والخيرية.
ويخبرنا النمنم بأن المفاجآت لا تتوقف في حياة ومسيرة سيد قطب، ففي سنة 1948 سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية، في بعثة تعليمية، وكانت هذه البعثة وما زالت مصدر كثير من التساؤلات حتى اليوم، لم يكن سن سيد وقتها (42 سنة) يسمح بمثل هذه البعثة، ولا كانت هي بعثة تعليمية بحق، فمن الناحية الرسمية سميت البعثة في أوراق وزارة المعارف أنها «مهمة ميزانية» وكانت بهدف الإطلاع على المناهج الدراسية وأصول التربية بالولايات المتحدة ولم تكن محددة الوقت.
وعادة، مثل هذه النوعية من البعثات تكون مدتها ثلاثة أشهر، وقد تمتد إلى ستة أشهر فقط، لكن بعثة سيد قطب امتدت إلى عامين كاملين، ويورد حلمي النمنم رواية للناقد والأكاديمي الراحل الدكتور الطاهر مكي، نقلاً عن المؤرخ الكبير شقيق غربال، أن الأخير هو وإسماعيل القباني قد رتبا هذه البعثة لسيد قطب كي يطالع الثقافة الغربية مباشرة، لكنه «لم يكمل البعثة».
والواقع، كما يؤكد النمنم، أننا لا نعرف كم كانت مدة البعثة، وهل كانت مفتوحة، أي غير محددة المدة، لكن الأكيد أن البعثة كانت ممولة من مشروع «النقطة الرابعة» الأميركي، وأثار ذلك المشروع لغطاً كبيراً في مصر والمنطقة العربية وقتها، واعتبره كثيرون مشروع المخابرات الأميركية.
وفي محاولة للتعمية على هذه التفاصيل المهمة، واجتناب الخوض فيها، أطلق الكاتب محمد قطب، شقيق سيد وتلميذه، ما يسميه النمنم بـ «أسطورة» أن البعثة كانت مرتبة من الحكومة لإبعاد سيد عن مصر، والحكاية عنده أن سيد كان يكتب «ضد الملك والحاشية»، ولذا طلب القصر من الحكومة اعتقال سيد، ولما لم يكن هناك سند قانوني للاعتقال تم إبعاده عن مصر في البعثة! (هكذا!)
يرد النمنم على هذه التعمية ويبدد ضبابها، ويقول «ما نقطع به أن كتابات سيد قطب لم يكن فيها أي شيء ضد الملك والحاشية، بل كتب تهنئة للملك في عيد ميلاده، إحدى السنوات، والأهم أن أفكاره في العداء للشيوعية والتحذير منها، كانت تتسق مع توجه الملك فاروق، ورجال الحاشية، وكانت تتسق كذلك مع المخاوف الأميركية من انتشار الشيوعية في مصر، وقد أخذ د. صلاح الخالدي رواية محمد قطب وراح ينفخ فيها، حتى حولها إلى بالون ضخم».
يورد النمنم اقتباسا آخر للناقد أحمد عباس صالح، إذ يقطع في مقال له بمجلة «الكاتب»، بعد القبض على سيد قطب سنة 1965، إن البعثة كانت مرتبة له من قبل المخابرات الأميركية، وأنه تم تجهيزه كي يسير في الخط الذي سار فيه طيلة حياته بعد ذلك، واقترب د. الطاهر مكي من هذا الاستنتاج حين ذهب إلى أن البعثة كانت مرتبة من الولايات المتحدة، دون علم سيد قطب نفسه.
الأمر المؤكد وفق النمنم أن هذه البعثة، فيها ما يريب، خاصة أن سيد لم يكن دارساً للتربية ولا لأصول المناهج، ولم يكن مسؤولاً كبيراً في وزارة المعارف، ولم تكن التربية مجال اهتمامه، كان جل اهتمامه بالنقد الأدبي فقط، كان موظفاً بديوان وزارة المعارف.
لقد ذهب النمنم في كتاب سابق له عن «سيد قطب وثورة يوليو»، إلى أن هذه البعثة كانت واحدة من ألاعيب الموظفين في دواوين الوزارة آنذاك، وكان طبيعياً، بمعايير البيروقراطية المصرية، أن يضعوا واحداً منهم أو أكثر فيها، وهذا ما يفعله الموظفون بدواوين الوزارات إلى اليوم في البعثات والسفريات أو الرحلات إلى الخارج، وإلى اليوم لا يستبعد النمنم هذا الاستنتاج، لكنه يتساءل بوضوح: هل لنا أن نضيف إليه نفوذ اللوبي الماسوني في مصر، تحديداً آنذاك؟ هل لعبت الأصابع الماسونية دوراً في الدفع به، وهذه الأصابع لم تكن بعيدة عن النفوذ الأميركي الغربي؟..
الإجابة دائما في تدبير من يتدبر ومن يتفكر..

(6)
نص مقال سيد قطب المنشور في مجلة (التاج المصري) لسان حال «المحفل الماسوني الأكبر»، بتاريخ الجمعة، 23 أبريل 1942..
لماذا صرتُ ماسونيا؟.. بقلم سيد قطب

تنظيمات الإخوان العسكرية: الجوالة.. الكشافة.. الكتائب
هنا قراءة منهجية لأسلوب وطرائق تكوين «الكشافة» أو «الجوالة» (ومن بعدها «كتائب الإخوان») التي أسسها البنا بنفسه وأشرف عليها وكان يوليها اهتماما يفوق أي جانب آخر من جوانب إدارته للجماعة، ضرورية ولازمة وتكشف إلى أي مدى كان تنظيم الإخوان المسلمين تجسيدا مرئيا لحركية وتنظيمية «الماسون والماسونية العالمية»:
في كتابه المرجعي «جماعة الإخوان المسلمين بين الدين والسياسة (1928 1949)»، يعقد الدكتور حمادة محمود إسماعيل فصلا غاية في الأهمية عن التكوين التنظيمي للإخوان، ويعرض لواحدة من أهم آليات التشكيل الهيكلي للجماعة وهي آلية «الجوالة» أو «الكشافة» التي ستكون عتبة فيما بعد لتشكيل ما عرف بـ»كتائب الإخوان» وصولا إلى «الجهاز الخاص» أو «التنظيم السري» الذي كان منوطا به اغتيال الخصوم السياسيين والتخلص من أعداء الإخوان بالقتل والتفجير.. إلخ.
يقول إسماعيل في كتابه: «والذي لا خلاف عليه إن فرق الجوالة منذ تكوينها وحتى حل الجماعة كان عددها يتزايد بشكل مستمر، وقد اختلفت المصادر في بيان تلك الأعداد، فقد حددتها بعض المصادر بحوالي خمسة آلاف جوال عام 1940، وفي عام 1944 حدد العدد ما بين ثلاثة آلاف جوال وخمسة آلاف، وفي 1945 أعطى حسن البنا نفسه رقما هو عشرون ألف جوال، وهناك مصادر أخرى بالغت في العدد وصورته بأنه أكبر من عدد الجيش والبوليس، ومصدر آخر حدد العدد بأربعين ألفا عام 1948، وإن كان هناك مصدر هبط بهذا العدد في نفس العام إلى ألفين، وهو رقم غير صحيح». ويؤكد إسماعيل، أن هذا التضارب يحمل في ذاته دليلاً على أن العدد لم يكن بسيطاً فضلاً عن أنه يحمل أيضاً دليلاً على أن الجماعة كانت تزداد كمّاً بمرور الزمن، وبطريقة تنظيمية عنقودية، تقوم على فكرة الأسر والخلايا، والتكوينات الصغيرة، التي لا تزيد على ثلاثة، يدينون بالولاء لأميرهم أو قائدهم، وتترابط هذه الخلايا العنقودية عن طريق أمرائها أو المسؤولين عنها لتتصاعد شيئا فشيئا حتى تصل إلى قمة الهرم بقيادة المرشد أو قائد التنظيم الأول. ويشير الكتاب صراحة إلى أن استلهام الفكرة وتطبيقها قد جاء من الماسونية، ولهذا ارتفعت بعض الأصوات وقتها معلنة رفضها لتطبيق هذا النظام. يقول الدكتور حمادة إسماعيل: «وإذا كانت الجوالة كتنظيم شبه عسكري ركز عليه تركيزاً شديداً، وعقدت عليه آمال كبار وأدى دوراً له تأثيره في المجتمع، بل كان دليلاً على قوة الجماعة وتعاظمها بمرور الوقت، فإن بعض الأصوات الإخوانية طالبت بإلغاء هذا النظام، باعتبار أن فكرة الجوالة فكرة ماسونية يهودية استعمارية فهي تطعن في الإسلام وتقيم ضده ثورة جارفة وتنادي بالعالمية قبل الوطنية، فهي بمثابة قتل للنفس».
وكان رد البنا على هذه الأصوات: «إن الكشافين والجوالة هم أولى بالرد». ولعل أخطر ما كان في الجوالة أنها كانت مستودعاً تنتقى منه العناصر الأكثر تأثراً وإخلاصاً، أو هي كما يرى البعض «حقلاً تتابع فيه أعين المرشد اليقظة العناصر الأكثر حماساً والأكثر طاعة، وتلتقطها في نواة خاصة أو هي مجرد وعاء أو مرحلة أو مصفاة تقود الأخ الأكثر انضباطاً والأكثر طاعة والأكثر حماساً إلى الجهاز الخاص». غير أنه بعد فترة من تكوين فرق الجوالة ظهر إلى الوجود ومن خلال هذه الفرق نظام آخر أكثر دقة وإحكاماً وقوة هو نظام «الكتائب»».
ويشير حمادة إسماعيل إلى أن نظام الكتائب كان أكثر دقة، في طريقة انتقاء الأفراد، من نظام الجوالة، وكان هدف حسن البنا من هذا النظام هو «ربط العضو بالجماعة وتطوير علاقته بها من علاقة انتماء إلى علاقة إيمان».
ولعل فيما أوردناه من قراءة وكشف لهذه الآليات في بنية وتنظيم جماعة الإخوان على يد مؤسسها حسن البنا يكشف بجلاء التناظر الواضح بين تنظيم الإخوان والحركة الماسونية.

لماذا صرتُ ماسونياً؟
بقلم: سيد قطب*

«السؤال سهل ميسور والجواب من القلب إلى القلب، فعرفت عندئذ أنني صرت ماسونياً، لأني أحسست أن في الماسونية بلسماً لجراح الإنسانية، طرقت أبواب الماسونية لأغذي الروح الظمأى بالمزيد من الفلسفة والحكمة، ولأقتبس من النور شعلة بل شعلات تضيء لي طريق الحياة المظلم، ولأستمد قوة أحطم بها ما في الطريق من عراقيل وأشواك، ثم لكي أكون مجاهداً مع المجاهدين وعاملاً مع العاملين.
لقد صرت ماسونياً لأنني كنت ماسونياً ولكن في حاجة إلى صقل وتهذيب فاخترت هذا الطريق السوي، لأترك ليد البناية الحرة مهمة التهذيب والصقل، فنعمت اليد ونعم البنائين الأحرار.
ليس الماسوني من أجريت له المراسيم بذلك، واكتسب هذه الصفة عن هذا الطريق وإنما الماسوني من يعمل ولكن في صمت دون ضجة أو إعلان، هو من يفتح قلبه للجميع يتساوى لديه في ذلك الصغير والكبير (...) هو من يعمل الواجب لأنه واجب والخير لدواعي الخير، دون أن يبغي من وراء ذلك جزاء أو يطمح لنيل مطمح، هو من ليس له حق وإنما عليه واجب.
***
الماسونية هي التي تجمع بين مختلف الأديان، ولا تعرف للتخريب معنى، ولن تجد كلمة التعصب مكاناً في قاموسها، هي التعويذة السحرية التي تؤلف بين القلوب جميعها في أقاصي الشرق أو أدنى الغرب، هي المكان الوحيد الذي يستطيع فيه الجميع، الصغير منهم والكبير أن يتصافحوا مصافحة الأخ لأخيه، ويجلسوا جنباً إلى جنب دون نظر إلى فارق اجتماعي أو مركز أدبي ولا غرو في ذلك إذ إن دعائمها وأسسها مشيدة على الحرية والإخاء والمساواة، فما أعظمها من دعائم وما أقواها من أسس وما أنبلها وأسماها من مبادئ.
***عرفت أن الماسونية ليست مبدأ أو مذهباً يعتنقه، وإنما هي الرجولة والإنسانية التي تدفع بالإنسان إلى عمل الخير دون وازع إلا وازع من وجدانه وضميره، هي روح عالية نبيلة تسمو بالإنسان عن الصغائر وتنزهه عن السفاسف، هي المثل الأعلى لكل من ينشد كمالاً أو يبغي رفعة ومجداً، هي الفضيلة التي تنطوي على أسمى المعاني وأشرف المقاصد وأنبلها، هي مبدأ الكمال ومنتهاه».
***
يعلق حلمي النمنم على نص المقال تعليقاً جامعاً، يقول:
«على هذا النحو يمضي المقال، ولم نجد أحداً كتب عن الماسونية بهذا الانبهار أو الإعجاب المبالغ فيه. من قبل كتب الشاعر د. أحمد زكي أبو شادي كتابين عن الماسونية، وكان ماسونياً في محفل بورسعيد، وكان مؤمناً بحق بالماسونية، ورغم ذلك لم يكتب بمثل هذا الانبهار الساذج أو البريء».

«البنّاؤون الأحرار»
الماسونية لغة معناها «البناؤون الأحرار»، ينسبها الكثيرون إلى منظمة إرهابية، سرية، هدامة، غامضة، محكمة التنظيم تهدف إلى ضمان سيطرة جماعة بعينها (اليهود كما يرجح عدد من الباحثين) على العالم بأسره، من خلال توسلها بدعوات خادعة ورفع شعارات براقة، وتستغل في ذلك كل ما من شأنه إكسابها أفراداً وأعضاء جدداً في جميع أنحاء العالم. وجلُّ أعضائها من الشخصيات المرموقة في العالم، من يوثقهم عهداً بحفظ الأسرار، ويقيمون ما يسمى بالمحافل للتجمع والتخطيط والتكليف بالمهام، تمهيداً لتأسيس جمهورية ديمقراطية عالمية ـ كما يدعون ـ وتتخذ الوصولية والنفعية أساساً لتحقيق أغراضها في تكوين حكومة لا دينية عالمية.
............................................
* من نص مقال سيد قطب المنشور في مجلة «التاج المصري»، لسان حال «المحفل الماسوني الأكبر»، بتاريخ (الجمعة، 23 أبريل 1942)