صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

عن البيئة الحاضنة

«معركة الإسكندرية عام 1801» لوحة بريشة فيليب جيمس دو لوثربورو عن حملة نابليون

«معركة الإسكندرية عام 1801» لوحة بريشة فيليب جيمس دو لوثربورو عن حملة نابليون

د. فوزي البدوي

ليس من باب المكايدة للإخوان في شيء أن يطرح الباحث سؤالاً عن الصلات المفترضة بين حركتهم والحركة الماسونية، خصوصاً وقد أشار إلى هذه الصلات أكثر من واحد من المنتمين إلى الحركة أو المنشقين عنها، بدءاً من عالم الدين والداعية محمد الغزالي وصولاً إلى المنشق ثروت الخرباوي في كتابه «سر المعبد»، والذي لم يتوان عن إطلاق اسم «الماسيو إخواكية»، للإشارة إلى هذا الارتباط الذي يعتبره قطعياً.

أهم من تحدث عن ذلك صراحة، الملك عبدالله الثاني ملك الأردن عندما أشار في تصريح له لمجلة «ذا أتلانتيك» خلال حوار مع الصحافي الأميركي جيفري غولدبيرغ، إلى أنهم «ذئاب في ثياب حملان»، وأنهم «جماعة ماسونية»، وأن ولاءهم دوماً لمرشدهم العام وليس للدول التي يعيشون بين ظهرانيها، وذلك قبل أن تتم محاولة لململة التبعات السياسية لهذه التصريحات التي بدت وكأنها لحظات صدق حقيقية في الحديث عن هذه الجماعة.
إن المتتبع لنشأة الإخوان ولتنظيمهم الحديدي وتنظيمهم الدولي يلاحظ كثرة أوجه الشبه بين طريقة عمل الماسونية والإخوان، فهل هذا التشابه من باب المصادفة أم أنه من أثر بعض القيادات الأولى للجماعة كسيد قطب وحسن البنا والهضيبي، أم أن الأمر أعقد من ذلك بكثير؟
إن طرح هذا الموضوع ربما يدعو إلى التهيّب تجنباً لتهمة التحامل على هذه التنظيم الذي صار أشبه «بوحيد القرن»، فهو أكبر التنظيمات عمراً وأبقاها أثراً في الحياة السياسية والدينية في المنطقة العربية والعالم. كما أن من أسباب التهيّب الخوف من الانخراط في الآني والمباشر، ما يضعف من موقف المؤرخ المشتغل «بالمدى البعيد». وقد دأبت الموسوعة الرسمية للإخوان على نفي هذا الجانب إطلاقاً، فالماسونية عندها «منظمة يهودية سرية هدامة، إرهابية غامضة، محكمة التنظيم تهدف إلى ضمان سيطرة اليهود على العالم، وتدعو إلى الإلحاد والإباحية والفساد، وتتستر تحت شعارات خدّاعة من الحرية والإخاء والمساواة والإنسانية جلُّ أعضائها من الشخصيات المرموقة في العالم، ويقيمون ما يسمى بالمحافل للتجمع والتخطيط والتكليف بالمهام، تمهيداً لتأسيس جمهورية ديمقراطية عالمية، كما يدعون وتتخذ الوصولية والنفعية أساساً لتحقيق أغراضها في تكوين حكومة لا دينية عالمية».
ولكن هل هذا التعريف ليس كافياً لإبعاد الباحثين عن النظر في الصلات الممكنة بين هذين التنظيمي، وذلك ما نحاول التمعن.

تمهيد تاريخي
ومن المفيد التذكير في سياق دراسة الصلات بين حركة الإخوان والماسونية بأن هذه الصلات لا ترجع إلى فترة المؤسس حسن البنا، ومن جاء بعده مثل الهضيبي وغيره، وإنما إلى مرحلة سابقة شكلت فيما شكلت جزءاً من رؤية حسن البنا للحياة الدينية والسياسية في مصر والعالم العربي والإسلامي. فقد ظهرت الماسونية في مصر بعد فترة وجيزة من غزو نابليون لمصر في عام 1798 عندما أسس الجنرال كليبر، وهو فرنسي ماسوني والقائد الأعلى لجيش نابليون، ما يعرف Lodge of Isis لودج إيزيس أو محفل إيزيس الماسوني.
وقد هيمنت الماسونية الفرنسية تبعاً لذلك على الحضور الماسوني في مصر إلى حين اكتمال الهيمنة البريطانية بعد الاحتلال البريطاني لمصر في عام 1882، حيث عرفت الماسونية فرصة كبيرة للانتشار في الأوساط السياسية والحزبية والأرستقراطية المصرية، إضافة إلى النخبة البريطانية الموجودة في مصر في النصف الأول من القرن العشرين، فانتمى إليهم العديد من أعضاء العائلة المالكة المصرية بدءاً من الخديوي إسماعيل وحتى الملك فؤاد. وتشير المصادر إلى أنه تم تكريم هؤلاء في بداية حكمهم باعتبارهم من كبار الأسياد أو الخبراء الكبار الشرفيين honorary Grand Masters، وفي الفترة الفاصلة ما بين 1940 و1957 كان هناك ما يقارب سبعين محفلاً ماسونياً في أنحاء مصر. كما أن الكثير من قادة الأحزاب الوطنية المصرية، خصوصاً حزب الوفد وسعد زغلول شخصياً، كانوا من أعضاء المحفل الماسوني. والوفد هو الحزب الذي انتمى إليه سيد قطب لفترة من الزمن. كما كان العديد من أعضاء البرلمان المصري من الماسونيين أيضاً، حيث اختلطوا مع القادة العسكريين والأرستقراطيين من الاحتلال البريطاني الحاكم، وهو ما بيّنه الباحث سمير رفعت.

التجديد والإصلاح
وفي هذه المرحلة بالذات، وبالتوازي مع هذا الحضور الماسوني المتطور والمتغلغل في مصر، كانت هناك شخصيتان تحسبان على التيار الديني والإسلامي كان لهما دور كبير في حركة الإحياء الإسلامي الحديثة، وهما جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وهما ممن ارتبط اسميهما أيضاً بالحركة الماسونية من ناحية وبحركة الإخوان اللاحقة من ناحية أخرى، على الرغم من كل ما بذلته السلفية المصرية لاحقاً لنفي أي ارتباط لهما بالماسونية تأثراً أو تأثيراً أو انخراطاً، إلى حد دفع محمد عمارة لاحقاً إلى أن يكتب كتابه الشهير «جمال الدين الأفغاني: المفترى عليه».
وعرف الأفغاني في مصر أخصب فترات حياته، إذ كوّن وقاد أول أحزاب الشرق الوطنية من مثل الحزب الوطني الحر السري الذي رفع شعار مصر للمصريين، وعمل للديمقراطية السياسية، والتحرر من استبداد الحكم الفردي والنفوذ الأجنبي. كما كان وراء إصدار الصحف الناطقة باسم حركة التجديد والإصلاح مثل «مرآة الشرق»، وأدرك الحركة الماسونية وعرف ما تحمله من شعارات الثورة الفرنسية في الحرية والإخاء والمساواة، فاستلهم منها شكلاً من أشكال التنظيم. ولأسباب لا تزال مجهولة، انفصل تدريجياً عن المحفل الماسوني المصري، حتى أنه أبدى تمرداً ضد المحفل الغربي، وأحدث انشقاقاً في المحفل الماسوني بمصر، أرجعه من يؤمن بعدم ماسونيته إلى اكتشافه المتأخر للارتباط بين الماسونية والاستعمار، وهي كلها قضايا تحتاج إلى مزيد من الدراسة والنظر. ويذهب وليد بدران إلى أنه بعد هذا الانفصال «خرج الأفغاني بخيرة عناصر المحفل وأسس بهم محفلاً ماسونياً شرقياً ارتبط بعلاقات مع المحفل الفرنسي، نظراً لمناهضة الفرنسيين لأطماع الإنجليز بمصر، وبلغ عدد أعضائه 300، وقسّمه إلى شُعب للدراسة والتشريع والتخطيط لمختلف أوجه الإصلاح في المجتمع. وفي هذه الشُعب ثم في الحزب الوطني الحر، تكوّنت القيادات التي لمعت في مصر وقادت الثورة العرابية، ومنهم أحمد عرابي ومحمود سامي البارودي وعبد السلام المويلحي وإبراهيم المويلحي ومحمد عبده وإبراهيم اللقاني وعلي مظهر والشاعر الزرقاني وسليم نقاش وأديب إسحق وعبد الله النديم». وقبل طرده من مصر، أصبح شخصية مهمة في جامع الأزهر، وربطته علاقات وثيقة بمن سيلقّب لاحقاً بالأستاذ الإمام محمد عبده. وقد مكّنته كثرة السفر والتجوال من ربط علاقات كثيرة في العالم الإسلامي، وكان كلما نزل بريطانيا يحلّ ضيفاً مبجلاً على صداقات ماسونية قديمة، وعندما توفي في 1897 ترك وراءه مجموعة كبيرة من الكتابات السياسية والدينية التي ستشكل لاحقاً جزءاً من موارد الحركات الإسلامية بتفريعاتها المختلفة.
وبعد طرد الأفغاني من مصر في عام 1879، ثم طرد تلميذه محمد عبده عام 1882، التقيا في باريس، وتوسعت اتصالاتهما بالمحافل الماسونية. وحين عودة الإمام محمد عبده إلى مصر زمن الحاكم البريطاني اللورد كرومر الذي كان سعيداً بتوليه منصب الإفتاء في مصر عام 1899 لما لفتاواه حول الربا من خدمة لمصالح عائلة أسرة بارينغ المصرفية المرموقة في إنجلترا التي نمت بشكل كبير من تجارة الأفيون في الهند والصين. ورغم منصب الإفتاء، ظل محمد عبده عضواً في المحفل الكبير في مصر برتبة السيّد الأكبر أو الخبير الأكبر على ما ذكره برودلي في كتابه عن ثورة عرابي باشا.
وتتلمذ على يد الإمام طالبان مهمان كان لهما أثر كبير في انتشار الحركة السلفية لاحقاً بعد وفاته في عام 1905. وكان أحدهما هو الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا، والد حسن البنا. مؤسس حركة الإخوان، وكان الآخر هو محمد رشيد رضا صاحب الصلات الماسونية المعروفة وغير الخافية على متتبعي فكره ودارسيه وصاحب العروة الوثقى الناطقة بلسان الحركة السلفية، والذي لم يخف أبداً إشادته بحركة تركيا الفتاة المتشبعة بالفكر الماسوني.

التأسيس والمؤسس
في هذا السياق الفكري والسياسي العام، نشأ حسن البنا لينهل من تراث الأفغاني وعبده ورشيد رضا، ومن ثقافة والده تلميذ محمد عبده، وكان كل هؤلاء على صلة تختلف من واحد إلى آخر مع الحركة الماسونية المصرية، وامتداداها في فرنسا وانجلترا. إضافة إلى ثقافته الإسلامية التقليدية في بيئة تخضع للاستعمار. وهذا ما يتناساه في الحقيقة الكثيرون حينما يهوّنون أو ينفون عمق التأثيرات الماسونية في ثقافة حسن البنا والإخوان من بعد، خصوصاً في منظّر الحركة سيد قطب الذي لم ينف أبداً انتماءه للحركة الماسونية بل وترؤسه تحرير مجلة محفلها المصري، حتى وإنْ سعى الكثيرون بعد ذلك إلى اعتبارها مرحلة تجاوزها لاحقاً باعتبار أن الانتماء للإخوان يجب ما قبله.
والحقيقة أنه لم يكن لحركة الإخوان أن تنجح أو تتوسع إلا بمساعدة المؤسسة الحاكمة البريطانية وتغاضيها، ولم يكن لحركة الإخوان أن تتحول من حركة خيرية إلى ما هي عليه، لو لم تبنَ على السرية والقيادة الهرمية تماماً كالماسونية. وهذه الجماعة توقفت عن أن تكون منظمة خيرية ودينية فقط في أواخر الثلاثينات بسبب التوتر الذي عرفه الشرق الأوسط بعد التغلغل الصهيوني في فلسطين عندما أراد البنا أن يترجم قوته الاجتماعية والدينية إلى قوة سياسية، مصطدماً بالنظام الملكي وحزب الوفد «العلماني»، ليرتكب لاحقاً أكبر أخطائه عندما التجأ إلى اغتيال رئيس الوزراء النقراشي باشا، ليتم حل التنظيم وليدخل بعدها في نشاط سري وليفرخ لاحقاً عشرات التنظيمات أشد عنفاً، وليفسح الطريق أما أشد المنظرين خطراً سيد قطب الذي عاصر المرشد حسن الهضيبي، وقد كان لهاتين الشخصيتين اللتين أعدمها عبد الناصر قصة طويلة مع الحركة الماسونية تحتاج إلى تفصيل.
فسيّد قطب الذي صار منظر الإخوان وكل التيارات الإرهابية لاحقاً، لم يخف أبداً انتماءه للماسونية وللمحفل المصري، فقد كان رئيس تحرير مجلة «التاج المصري» لسان حال هذا المحفل وكتب فيها أحد أشهر الافتتاحيات، على الرغم من أن كتّاب سيرته من الإسلاميين والمتعاطفين معهم قليلاً ما أشاروا إلى ذلك، معتبرينها مرحلة سالفة «مرحلة الضلال قبل الظِلال»، ومرحلة الجاهلية بلغة سيّد قطب نفسه. والحقيقة أن من له بعض المعرفة بالحركات الماسونية قراءة وبحثاً، يدرك أن ما يقوله سيد قطب كان صحيحاً، فهذه الحركة الهرمية التي تخضع لدرجات السلّم، تدل على أن سيد قطب عندما بدأ الكتابة فيها في بداية الأربعينات كان لا يزال في خطواته الأولى، ولكن الواثقة، للانتماء إلى هذه الحركة العالمية الأخطبوطية، وعندما أغلقت هذه المحافل الماسونية في مصر بدءاً من سنة 1964، اضطر الكثيرون من أتباعها إلى الاختفاء، وحافظت هي على أسرار المنتمين إليها وأسمائهم ورتبهم ومواقعهم الاجتماعية والسياسة. ولعل هذا هو ما دفع الداعية الإخواني المنشق محمد الغزالي في كتابه «في معالم الحق» في طبعته الثانية سنة 1963 إلى تأكيد ماسونية سيد قطب وحسن البنا، وأنه بعد اغتيال البنا في 1947 تحولت الحركة الإخوانية إلى حركة ماسونية متخفية، وهى التي تتولى تعيين المرشدين والقيادات الكبرى لحركة الإخوان. بل إن الاختراق الماسوني للإخوان عرف مداه تحت سطوة سيد قطب نفسه، معتبراً أن سيد قطب منحرف عن طريق حسن البنا، وأنه بعد مقتل حسن البنا وضعت الماسونية زعماء لحزب الإخوان المسلمين، وقالت لهم ادخلوا فيهم لتفسدوهم، وكان منهم سيد قطب. وللأسف الشديد فقد قام الشيخ محمد الغزالي بحذف تلك الفقرات من كتابه في طبعاته اللاحقة تحت ضغط قادة جماعة الإخوان، لكنه لم ينف مضمون كتابه، بل أبدى شكوكاً قوية في ما يتعلق بحسن الهضيبي نفسه.
وهذه الأصداء نفسها هي التي نجدها في كتابات الكثيرين مما انشغلوا بهذا الموضوع، مثل وائل إبراهيم الدسوقي في كتابه «الماسونية والماسون» في مصر، حيث درس فيه تاريخ الحركة الماسونية في مصر وأسماء مشاهير الماسونيين المصريين، ومن بينهم المستشار حسن الهضيبي. وكذلك ثروت الخرباوي في كتابه «سر المعبد»، حيث خصص فصلاً كاملاً لدراسة العلاقة بين الإخوان والماسونية وأطلق عبيه اسم «الماسيو إخواكية» محاولاً الإجابة عن سؤال «ما حقيقة» الماسيو إخوانية» ومتى بدأت؟ وهل ثمة علاقة بين حسن البنا والبنائين الأحرار وهو الاسم القديم للجماعة الماسونية؟
والحقيقة أن موضوع هذه الصلات، يجب أن يكون موضوع دراسة رصينة تراعي، ولا شك أن طريق هذه الدراسة العلمية يحتاج إلى ربط الصلة بين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رشيد رضا، وصولاً إلى حسن البنا وسيد قطب والهضيبي، فكلهم حلقات في خيط ناظم واحد.

اللورد كرومر.. مؤسس التغريب
اللورد كرومر Evelyn Baring, 1st Earl of Cromer، كان من كبار دعاة التغريب في العالم الإسلامي. أمضى في مصر ما لا يقل عن ربع قرن، قابضاً على زمام السلطات (1882 ـ 1906).
وقد تبلورت حملات كرومر في نقاط عدة، إثارة الشبهات حول الإسلام، بالادعاء بأنه دين منافٍ للمدنية، أن المسلمين لا يمكنهم أن يرقوا في سلم الحضارة والتمدن إلا بعد أن يتركوا دينهم، والطعن في شريعة الإسلام وسياسته ومعاملاته، ودعوة الشباب الذي يدرس في الغرب إلى نبذ صلتهم الثقافية والروحية بأوطانهم، والدعوة إلى إطلاق الحرية للإرساليات والمبشرين في مصر والسودان، والعمل على إيجاد طبقة من المتفرنجين المستغربين.
كما حاول كرومر خلق فلسفة قوامها تقبل الاستعمار وصداقته وعدم معارضته، وذلك بتصوير الاحتلال على أنه حقيقة واقعة، مع الترويج للإقليمية الضيّقة، واقتصار التعليم على الطبقات الثرية، والتخلي عن اللغة العربية.
وقد نشأ عن هذه الأفكار تيار تغريبي بين المثقفين كانت له رموزه وأدبياته.